بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 25 أكتوبر 2026

مقال

 

شخصية الكرته في المجتمع

تحت عنوان

أعوان السلطة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كثيرًا ما يُطرح اليوم السؤال: لماذا تكثر من استخدام مصطلحات أقول عنها إنها غير لائقة؟ ولهذه قصة مفادها أن لكل فئة اجتماعية مصطلحات تعبّر عنها، ومن غير المنطقي أن تكلّم الحمار بلغة لا يفهمها، ولهذا يُقال: لكل مقام مقال.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المصطلحات ليست دائمًا مجرد ألفاظ تُستخدم في التخاطب، بل قد تكون انعكاسًا لحقيقة اجتماعية يصعب وصفها بالمفردات التقليدية. فالمجتمع الذي تتعدد فيه الأقنعة وتختلط فيه الأدوار، يحتاج أحيانًا إلى لغة تكشف حقيقة الأشخاص بعيدًا عن الألقاب التي يمنحونها لأنفسهم. فليس كل من ارتدى ثوب الثقافة مثقفًا، ولا كل من حمل صفة الإعلامي إعلاميًا، ولا كل من رفع شعار الوطنية وطنيًا؛ لأن العبرة ليست بما يدّعيه الإنسان، وإنما بما يقدّمه من فعل، وما يتركه من أثر، وما يقف خلفه من مصالح.

 

الكرته ... وهي كلمة تُستخدم عند العامة باللهجة العراقية، وتُطلق على قطعة معدنية، كل عملها هو تثبيت حذاء ضيّق في القدم، وهذا أبلغ وصف للسلطة الفاسدة وأعوانها.

وإذا أردنا أن نذهب إلى أبعد من المعنى الشعبي لهذه المفردة، فإننا سنجد أنفسنا أمام نموذج بشري لا يستطيع الوقوف بذاته، ولا يمتلك من أمره شيئًا، لكنه يصرّ على أن يكون جزءًا من منظومة لا تقبل سقوطه ما دام يؤدي وظيفته في تثبيت أقدامها. وهنا تكمن المفارقة؛ فالإنسان الذي يفقد استقلاله الفكري يتحوّل تدريجيًا إلى أداة، والأداة لا تسأل عن صحة العمل الذي تؤديه، بل عن الجهة التي تستخدمها والمقابل الذي تحصل عليه. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس الفقر ولا ضعف المكانة الاجتماعية، بل أن يفقد القدرة على التمييز بين مصلحته الشخصية وكرامته، فيبيع الثانية من أجل الأولى، ثم يقف أمام الناس متباهيًا بما حصل عليه.

 

من هم وصفاتهم ... تتوزع أدوارهم بين إعلاميّ ملمّع يعمل عمل البويا، وصحفيّ يبحث عن مبررات للسلطة، وأناس يوصفون بأنهم (لا في العير ولا في النفير). وتراهم يقرعون الطبول وهم خارج دائرة الاستفادة من تلك السلطة، ويأخذون من المنطلق القومي أو الطائفي تبريرًا لفعلهم هذا.

والمشكلة هنا ليست في اختلاف الناس مع السلطة أو اتفاقهم معها، فذلك حق لا ينازعهم فيه أحد، وإنما المشكلة في أن يتحوّل الاختلاف إلى مهنة، والانتماء إلى وسيلة ابتزاز، والدفاع عن المسؤول إلى وظيفة لا علاقة لها بالحقيقة. فالإنسان الذي يدافع عن جهة ما لأنه يؤمن بمشروعها يستطيع أن يشرح موقفه بالحجة والدليل، أما الذي يدافع عنها مهما ارتكبت من أخطاء، فإنه لا يدافع عن مشروع، بل يحرس مصلحة، وقد لا يعرف هو نفسه متى بدأ يتحوّل من صاحب رأي إلى تابع.

وكثيرًا ما تركّز السلطات اليوم على الإعلام وأقزامه في عملية خداع الرأي العام، فترى منهم من يلبس لباس المعارض، فيمضي في البحث عن فضائح المسؤولين، ويقوم بدور المهرّج ليقنع المشاهد بأنه رجل نزيه لا يقبل الخطأ، وهذا غير صحيح، ولكن الحقيقة شيء آخر؛ فهم بمثابة قنوات تنفيس عن الغضب الشعبي من خلال ما يطرحونه من مواضيع، وكأن الأمر ينضوي تحت عنوان (كلمة حق يُراد بها باطل)، وهم الفئة الأخطر من هذه الشريحة.

إن صناعة المعارض الوهمي ليست أقل خطورة من صناعة الموالي الأعمى؛ لأن الأول يستطيع أن يدخل إلى عقول الناس من باب الثقة، بينما يدخل الثاني من باب الانتماء والمصلحة. وحين تتحوّل المعارضة إلى عرض يومي لا يهدف إلى تغيير الواقع، بل إلى امتصاص الغضب وإعادة توجيهه، يصبح المواطن أمام مسرحية تتوزع فيها الأدوار بعناية؛ فهناك من يثير الضجيج، وهناك من يردّ عليه، وهناك من يتابع المشهد معتقدًا أنه يشاهد صراعًا حقيقيًا، بينما قد يكون الجميع جزءًا من دائرة واحدة لا تريد للمتفرج أن يغادر مقعده ويسأل عن حقيقة ما يحدث خارج المسرح.

وهنا يجب أن نفهم أن أخطر أنواع التضليل ليس ذلك الذي يُجبرك على تصديق الكذب، بل الذي يجعلك تعتقد أنك وصلت إلى الحقيقة بنفسك، في حين أن الطريق الذي سلكته قد رُسم لك مسبقًا. فحين يصبح الغضب الشعبي مادة إعلامية للاستهلاك، وتتحوّل الفضائح إلى حلقات متتابعة لا يعقبها حساب ولا تغيير، فإن الفساد لا يكون قد خسر شيئًا، بل يكون قد تعلّم كيف يعيش في ظل الضجيج.

 

أما الصحفيون... فهم عبيد السلطة، ولا أجد وصفًا أدقّ من هذا لهم. فهم يفعلون ما يُملى عليهم في تصوير الوضع العام على أنه بخير، لخلق توازن بعيد عن الواقع، في حين يعتبرون أنفسهم أقلامًا، وهم لا يرتقون إلى مستوى أكثر من شخصية المهرّج الذي من ضمن عمله أن يُسمع الجهات الحكومية ما تريد سماعه، في قوالب ثابتة (افتتحه، زاره، كرّمه). وهذه الأفعال هي الأكثر رواجًا فيما يُعرف بالإعلام الحكومي.

والغريب أن بعض المسؤولين يقوم بتعيين إعلاميين بدرجة دمى، لا خيار لهم، فيقوم هو بمراجعة الخبر وكتابته في الكثير من الأحيان، ويأتي أحدهم ليقول عن نفسه إنه إعلامي، ولا أعلم عن أي إعلام يتحدث، وهو مسلوب الإرادة حتى في صياغة الخبر الحكومي.

إن الصحافة ليست وظيفة لتلميع الوجوه، ولا شهادة تُعلّق على الجدران، ولا منصبًا يُمنح لمن يجيد ترديد ما يرغب المسؤول في سماعه. الصحافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة، والكلمة التي تُكتب تحت ضغط المصلحة تفقد قيمتها حتى لو كانت سليمة لغويًا، لأن سلامة العبارة لا تعني سلامة الرسالة، كما أن جمال الصورة لا يغيّر قبح الواقع الذي تحاول إخفاءه.

والمشكلة أن بعض هؤلاء لا يدركون أنهم حين يتنازلون عن استقلالهم المهني، فإنهم لا يسيئون إلى أنفسهم وحدهم، بل يساهمون في إضعاف ثقة المجتمع بالمؤسسة الإعلامية كلها. فالمواطن الذي يرى الصحفي يبرر الفشل اليوم، ويصفق للنجاح الوهمي غدًا، لن يعود قادرًا على التمييز بين الخبر والإعلان، وبين الحقيقة والدعاية. وعندها تصبح الكلمة نفسها موضع شك، ويدفع الصحفي النزيه ثمن ما ارتكبه أولئك الذين جعلوا من المهنة وسيلة للارتزاق.

وليس كل صحفي يعمل في مؤسسة حكومية تابعًا للسلطة، كما أن العمل في مؤسسة خاصة لا يمنح صاحبه صك النزاهة؛ فالمعيار الحقيقي هو استقلال الكلمة، والقدرة على قول الحقيقة حين تكون مكلفة، لا حين تكون آمنة ومضمونة العواقب. أما أن تتحوّل الصحافة إلى دفتر يوميات للمسؤولين، فلا نقرأ فيه إلا افتتاحًا وزيارة وتكريمًا، فكأن المجتمع لا يعاني بطالة ولا فقرًا ولا فسادًا، وكأن وظيفة الصحفي أن يقنع الناس بأن حياتهم بخير، حتى وهم يبحثون عن أبسط حقوقهم.

 

العامة ... وهنا تكمن الكارثة، وكثيرًا ما تراهم يرسمون صورة الرأي العام من خلال التواصل الاجتماعي، وأُطلق عليهم هنا (الجحوش الإلكترونية). فترى من يدافع عن طائفة، وآخر عن قومية، ويكتب ما ليس له به علم، فتكثر الحروب الكلامية ما بين شتم وطعن، حتى تظن أن أبا أحدهم في سدّة الحكم، وقد يكون من أولئك الذين لا يحظون بقوت يومهم. وآخرون يذهبون إلى درجة المقاضاة، لمجرد أن أشخاصًا اختلفوا معهم في الرأي، وكل هذا وغيره يكون بسبب انعدام الوعي الاجتماعي.

إن المأساة الحقيقية ليست في أن يمتلك الإنسان رأيًا خاطئًا، فالأفكار قابلة للمراجعة والتصحيح، وإنما في أن يتحوّل رأيه إلى عقيدة مغلقة لا يسمح للعقل بمناقشتها، وأن يصبح دفاعه عن جماعته أهم من دفاعه عن الحقيقة. وهنا يفقد الإنسان قدرته على رؤية الخطأ حين يصدر عن جماعته، ويصبح مستعدًا لتبرير ما يرفضه لو صدر عن خصمه. وبذلك لا يعود معيار الحكم هو الصواب والخطأ، بل هوية الفاعل وانتماؤه، وكأن الحقيقة أصبحت ملكية خاصة تتغيّر بتغيّر الأسماء والرايات.

والأكثر سخرية أن بعض هؤلاء يدافعون عن أشخاص لا يعرفونهم، ويخوضون معارك من أجل مسؤولين قد لا يعلمون بوجودهم أصلًا، ويستهلكون أعصابهم ووقتهم في الدفاع عن امتيازات لا يحصلون منها على شيء. ولو أن جزءًا من هذه الطاقة وُجّه إلى المطالبة بالحقوق والخدمات ومحاسبة المقصرين، لكان أثرها في المجتمع أكبر من آلاف المنشورات التي لا تنتج إلا الكراهية والشتائم.

إن وسائل التواصل الاجتماعي لم تصنع الجهل من العدم، لكنها منحت الجهل مكبر صوت، ومنحت المتعصب جمهورًا، وجعلت من كل شخص يملك هاتفًا نفسه خبيرًا في السياسة والتاريخ والاقتصاد، من دون أن يشعر بضرورة التعلّم أو التحقق. وهكذا أصبح عدد الإعجابات عند البعض دليلًا على صحة الفكرة، وكثرة المتابعين برهانًا على المعرفة، فيما غابت أبسط قواعد التفكير النقدي: من قال هذا؟ وما دليله؟ ومن يستفيد من نشره؟ وهل أدافع عن حقيقة أم عن انتماء لا أريد الاعتراف بأخطائه؟

ولا يمكن أن نتحدث عن الوعي الاجتماعي ما دام الإنسان يطالب بالعدالة حين يكون ضحية، ثم يرفضها حين يكون المستفيد، وما دام يرفع شعار القانون على خصمه ويبحث عن ألف مبرر لتجاوزه عندما يتعلق الأمر بمن ينتمي إليهم. فالمجتمع لا يتخلّص من الفساد بمجرد تغيير المسؤولين، إذا بقيت العقلية التي تبرر الفساد نفسها حاضرة في الشارع والبيت ومواقع التواصل؛ لأن الفساد حين يجد من يحميه اجتماعيًا، لا يحتاج دائمًا إلى القوة كي يستمر، بل يكفيه أن يجد من يدافع عنه طوعًا.

 

خطر هؤلاء... تكمن خطورة هؤلاء في إعطاء الشرعية للسلطة، بغض النظر عن ارتكازها الشعبي؛ فهم المدافعون عن الفساد والمفسدون، وهم من يقومون بتثبيت السلطة الفاسدة على رأس الحكم من خلال ممارساتهم. فالإعلامي الذي يعمل بصفة جاسوس مزدوج، وهو يتخذ من شعار (قلوبنا مع علي وسيوفنا مع معاوية) منهجًا له، يمثّل أخطر ما قد تواجهه العامة من عمليات تضليل قد تصادفها في حياتك العامة، وهم الغالبية العظمى التي تملأ الزوايا الإعلامية في يومنا هذا.

إن السلطة الفاسدة لا تحتاج دائمًا إلى أن تُسكت الجميع؛ ففي كثير من الأحيان يكفيها أن تجعل بعضهم يتحدث نيابة عنها، وأن تمنح آخرين مساحة محدودة للاعتراض، بينما تبقى القرارات الحقيقية بعيدة عن المساءلة. وهنا تصبح الحرية الظاهرة وسيلة لإخفاء غياب الحرية الحقيقية، ويصبح تعدد الأصوات على الشاشة دليلًا مضللًا على وجود التعددية في الواقع. فليس كل ضجيج معارضة، وليس كل نقد شجاعة، وليس كل من يهاجم مسؤولًا مستعدًا لمحاسبة المنظومة التي أوصلته إلى موقعه.

والخطر الأكبر أن هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود خداع الناس، بل تساهم في صناعة جيل يفقد ثقته بالجميع، فلا يعود يميّز بين النزيه والفاسد، ولا بين صاحب القضية وصاحب المصلحة. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح اليأس نفسه حليفًا للفساد؛ لأن المواطن الذي يعتقد أن الجميع متشابهون قد يتوقف عن المطالبة بالتغيير، ويكتفي بالبحث عن حصته من الغنيمة، حتى لو كان يعرف أن الغنيمة مسروقة من حقه وحق أبنائه.

إن أخطر ما يقدّمه أعوان السلطة الفاسدة ليس دفاعهم عن مسؤول بعينه، بل مساهمتهم في تحويل الفساد إلى أمر مألوف، والفشل إلى قدر لا يمكن تغييره، والتنازل عن الحقوق إلى نوع من الواقعية. وعندما ينجحون في إقناع الناس بأن لا بديل عن هذا الواقع، فإنهم يكونون قد حققوا للسلطة ما تعجز عنه أحيانًا أدوات القمع؛ إذ يجعلون المجتمع يراقب قيوده من دون أن يفكر في كسرها.

والصحفي الذي ينشغل في محاباة فلان وعلان لغرض الكسب المالي، بغض النظر عما قد تعانيه العامة، هو ممن قلت عنهم من قبل: (إن أسوأ الناس يوم القيامة الذي يأتي بالإثم على أنه شطارة). والكل في غفلة يعمهون، فلا قلم فيهم يرصد السوء، أو يدافع عن قضية، أو يتبنى رأيًا معينًا. وتلك الأقلام يجب أن تُكسر وأن تُرمى في سلة المهملات، وهذا مكانها المناسب بما تقدّمه.

والمفارقة أن بعض هؤلاء يعتقدون أن ما يحصلون عليه من امتيازات دليل على نجاحهم، في حين أنهم لا يدركون أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقتنصه من فرص، بل بما يحافظ عليه من مبادئ حين تُعرض عليه المساومة. فالمال الذي يأتي مقابل إسكات الحقيقة ليس مكسبًا حقيقيًا، والمنصب الذي يُشترى بالتنازل عن الكرامة ليس مكانة اجتماعية، والتصفيق الذي يُمنح مقابل تزييف الوعي ليس اعترافًا بالنجاح، بل شهادة على أن صاحبه وجد في نفسه استعدادًا لأن يكون جزءًا من المشكلة.

أما العامة، والكارثة الكبرى فهذه قصة قد يُعاد النظر فيها بما كتبه أستاذ علم الاجتماع (علي الوردي)، فلم يلمّ وقتها بهذه القضية التي أعتبرها أكبر مما كُتب في كتبه، وهذا بسبب أنهم اليوم يعتبرون الأداة الفاعلة التي تجنّدها السلطة بأساليب ملتوية؛ فمنهم من يُحكم بمنصبه، ومنهم براتبه، وآخرون بالانتماء الطائفي والقومي، وكلهم يعملون من أجل خدمة السلطة الفاسدة، وهم المفسدون الحقيقيون، فباتوا عبيدًا بلا سلاسل في المحاباة والتطبيل.

إن المجتمع الذي يعتاد تبرير الأخطاء بحجة الانتماء، ويصمت عن الظلم لأن المستفيد منه قريب أو صاحب مصلحة، لا يمكن أن يطالب بإصلاح حقيقي ما لم يبدأ بمراجعة نفسه. فالمشكلة ليست في المسؤول وحده، بل في البيئة التي تمنحه القدرة على الاستمرار، وفي العقلية التي تصنع له الأعذار، وفي الأفراد الذين يعرفون الحقيقة ثم يختارون الصمت، أو يشاركون في تزييفها لأن ثمن الموقف أعلى من استعدادهم لدفعه.

ولا يعني ذلك أن المسؤولية تتساوى بين الحاكم والمحكوم، أو أن المواطن الذي يعاني الفقر والحرمان يتحمل وزر فساد من يملك القرار والمال والنفوذ؛ فهناك فرق كبير بين من يملك أدوات السلطة ومن يقع تحت تأثيرها. لكن هذا الفرق لا يلغي مسؤولية الإنسان عن موقفه حين يختار بإرادته أن يتحوّل إلى مدافع عن الفساد، أو أن يجعل من هويته القومية والطائفية حصانة تمنع مساءلة من ينتمي إليهم. فالظروف قد تفسّر بعض المواقف، لكنها لا تمنح كل موقف براءة أخلاقية مطلقة.

وهنا تبرز أهمية ما تركه علي الوردي من أسئلة تتعلق بطبيعة المجتمع وتناقضاته، لا بوصفها أحكامًا نهائية على الناس، بل بوصفها دعوة إلى فهم الأسباب التي تجعل الإنسان يقول شيئًا ويفعل نقيضه. فالمجتمع الذي يرفع شعارات النزاهة ثم يكافئ المتملق، ويتغنى بالكرامة ثم يسخر من صاحب الموقف، ويطالب بالعدالة ثم يرفضها عندما تمسّ جماعته، يعيش تناقضًا لا يمكن علاجه بتبديل الوجوه وحده. إن إصلاح المؤسسات يحتاج إلى قوانين ومحاسبة، لكن إصلاح الوعي يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن بعض ما نمارسه يوميًا يساهم في إعادة إنتاج المشكلة التي نشكو منها.

 

الخلاصة ... العبيد الذين لا تحتاج السلطة إلى سلاسل لتقييدهم ، إن الكرته الحقيقية ليست تلك القطعة المعدنية التي تثبّت الحذاء في القدم، بل ذلك الإنسان الذي يقبل أن يكون قطعة في حذاء السلطة، يثبّت خطواتها مهما اتجهت، ويحميها مهما أخطأت، ويبرّر لها مهما أفسدت، ثم يخرج على الناس بوجه المنتصر، معتقدًا أن ما حصل عليه من مال أو منصب أو شهرة يعوّض ما فقده من استقلال وكرامة.

وهؤلاء، مهما اختلفت أسماؤهم وتعددت مواقعهم، يشتركون في حقيقة واحدة: أنهم يمنحون السلطة أكثر مما تمنحهم؛ فهم يمنحونها أصواتهم وعقولهم وضمائرهم، بينما تمنحهم هي ما يكفي لإبقائهم في خدمتها. وقد يظن أحدهم أنه يضحك على الناس، لكنه لا يدرك أنه أول ضحايا الخدعة؛ لأن الإنسان الذي يبيع الحقيقة طويلًا ينتهي به الأمر إلى العجز عن التمييز بينها وبين الكذبة التي صنعها بيده.

ولست معنيًا هنا بمن يختلف مع السلطة في الرأي أو يتفق معها، ولا بمن يعمل في مؤسسة حكومية أو يتقاضى راتبًا من الدولة، فهذه أمور لا تجعل الإنسان فاسدًا بمجردها. إنما الحديث عن أولئك الذين يعرفون مواضع الخلل، ثم يتعمدون إخفاءها، والذين يشاهدون حقوق الناس تُهدر، ثم يسارعون إلى تبرير ذلك، والذين يرفعون شعارات الوطن وهم لا يرون في الوطن سوى باب لمصلحة شخصية أو طائفية أو قومية.

أما الخاتمة التي لا تحتاج إلى تزيين، فهي أن السلطة الفاسدة قد تسقط يومًا، وقد يتبدل المسؤول ويختفي اسمه من المشهد، لكن الكارثة الحقيقية أن يبقى أعوانها في المجتمع، يغيّرون وجوههم وشعاراتهم، وينتقلون من سفينة إلى أخرى، ثم يقدّمون أنفسهم بوصفهم أصحاب مواقف ومبادئ.

فالسلطة التي تفسد تُحاسَب على ما ترتكبه، أما من يزيّن فسادها ويخدع الناس بشأنه، فهو شريك في الجريمة الأخلاقية، حتى لو لم يجلس يومًا على كرسي الحكم. والأكثر إثارة للاشمئزاز أن بعض هؤلاء لا يكتفون ببيع ضمائرهم، بل يريدون من الناس أن يصفقوا لهم على الصفقة، وأن يمنحوهم لقب الوطني والنزيه والإعلامي والمثقف.

وإذا كان للسلطة الفاسدة حذاء تمشي به، فإن هؤلاء هم من يحرصون على تثبيته في أقدامها، لا حبًا بالوطن، ولا دفاعًا عن الناس، بل خوفًا على ما اعتادوا الحصول عليه من فتات موائدها. وحين تنتهي الحاجة إليهم، سيكتشفون متأخرين أن اليد التي استخدمتهم لم تكن يومًا تحترمهم، وأن من يبيع كرامته ليحتمي بسلطة لا تحترم كرامة الناس، لا يصبح شريكًا في قوتها، بل يتحوّل إلى أداة تُرمى عندما تنتهي صلاحيتها.

فالعبودية ليست دائمًا قيدًا في اليد، فقد تكون راتبًا يُسكت صاحبه، أو منصبًا يعمي بصيرته، أو انتماءً يسرق عقله، أو شهرةً يبيع من أجلها ضميره. وأقبح العبيد ليس من أُجبر على الانحناء، بل من ينحني بإرادته، ثم يقف ليقنع الآخرين بأن انحناءه بطولة، وأن تبعيته موقف، وأن خيانته للحقيقة وجهة نظر. هؤلاء لا يحتاجون إلى سلاسل؛ لأنهم أدّوا المهمة الأصعب: صنعوا سجونهم داخل عقولهم، ثم نصبوا أنفسهم حرّاسًا على أبوابها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  شخصية الكرته في المجتمع تحت عنوان أعوان السلطة بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين كثيرًا ما يُطرح اليوم السؤال: لماذا تكثر من ...