ارتفاع النبرة الطائفية والقومية في العراق
تحت عنوان
فوق ما جايف يفسي
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
في هذه الأيام تخرج علينا أصوات مقرفة تتبنى الخطاب
الطائفي، وأخرى تتبنى الخطاب القومي، من خلال طرح مقارنات ساذجة، منها: (الطائفة
أم الوطن؟)، وكأننا في عمر الحضانة، عندما يسأل المعلم: من تحب، أباك أم أمك؟ وهنا
يجب التوقف قليلًا، فمن المعيب التعامل مع الرأي العام بهذه السذاجة.
القاعدة الفكرية في بناء المجتمعات ... من المضامين
الأساسية في بناء المجتمعات السليمة إيجاد مصطلحات قيمية وخلق مساحات فكرية لبناء
تعريفات يمكن من خلالها فقط تحقيق وعي أخلاقي لتنظيم حياة العامة، والابتعاد عن كل
ما يثير النعرات الطائفية والقومية. وفي ظل الضبابية السياسية التي نعيشها اليوم،
كان لا بد للقائمين على إدارة المشهد العام من عدم الدخول في مجادلات عقيمة لا
جدوى منها.
قضايا عبثية ... يذكّرني المشهد في العراق بحادثة تُروى
عن فلاسفة روما، مفادها: (بينما كانت أسوار روما تحترق، كان فلاسفتها منشغلين
بمسألة: هل الملائكة ذكور أم إناث؟). وهنا تعبّر هذه الحكاية عن الوضع العام الذي
يشهده البلد؛ ففي ظل غياب المنطق العقلي عن المشهد، تتوافر مساحة كافية للتفاهة كي
تأخذ دور الريادة في بناء الفكر العام لدى المواطن البسيط.
المسألة لا تحتاج إلى قانون صارم ... عندما فكّر
سياسيونا في إيجاد حل لكل هذا التهريج، كان هناك ما يُعرف بالمثل القائل: (تمخّض
الجمل فولد فأرًا). فبدلًا من المضي في بناء قواعد توعوية لإعادة المسارات إلى
قواعدها الصحيحة، ذهبوا إلى ما يُعرف بـ(قانون ينظّم النشر على مواقع التواصل).
ولكن ما لا يعرفه جهابذة السياسة العراقية أن هناك قاعدة فكرية مفادها: (إن
الممنوع مرغوب). ولهذا، فإن قضية المنع من العبثيات التي يتبناها اليائسون
والمفلسون فكريًا. وكان الأحرى بهم البحث عمّن يعيد رسم القواعد الأساسية لبناء
الوعي الجمعي من خلال المفكرين وأصحاب الأقلام التي تتمتع بالرصانة، لا من خلال
المطبلين المحسوبين على الثقافة.
منهجية العبث ... جميع الأطراف اليوم هي مجاميع داعمة
لمنهجية واحدة تجمع ما بين العبثية والتفاهة الفكرية، بينما العالم بأسره يعيش
صراعات وجودية من خلال الأدوات الاقتصادية والتسابق الزمني للسيطرة على منابع
الطاقة وممراتها. نحن نعيش اليوم الخلافات الموروثة منذ مئات السنين، ونخوض معارك
ليس لنا فيها ناقة ولا جمل، وكأننا نعيش في عالم موازٍ، متقاطع مع واقعنا الذي نحن
عليه. وإنني، ومن رأيي المتواضع، أجد في هذا نوعًا من الهروب من الواقع إلى حلبة
الصراعات التاريخية، وتغييبًا للمواطن عن النظر إلى العالم ومعرفة أين هو الآن.
عقدة النظام السابق ... إنها العقدة التي يعاني منها
البلد منذ عقدين أو أكثر، وقد يسأل أحدكم: لماذا لم يندثر ذكر النظام السابق بين
الناس؟ ويعود هذا إلى أسباب عديدة، وأهمها فشل النظام في إيجاد أيديولوجية أفضل
مما كنا عليه في السابق. وهناك مثل شعبي يعبّر عن هذه الحالة: (كأنك يا أبا زيد ما
غزيت). فما زالت نسبة الفقر مرتفعة، وما زلنا نخوض حروبًا عبثية بالوكالة، في ظل
فوضى سياسية وفرض مصطلح (دكتاتورية الطائفة). وهذا وغيره الكثير خلق حالة من
المقارنة بين السيئ والأسوأ، وقد أجهض الطموح بحياة أفضل، مما خلق حالة من اليأس
لدى المواطن البسيط، أدّت إلى تغنّي البعض بالأطلال.
فوق ما جايف يفسي ... في خضم التراجع في جميع الخدمات
الحكومية، من تدهور في قطاعات الكهرباء والصحة والزراعة والتجارة، وتراجع الدينار
العراقي مقابل الدولار، يخرج علينا التافهون بشعارات قذرة، مثل أصولهم العفنة،
فيقول أحدهم: (هذا شيعي)، وآخر يصرخ: (هذا سني)، وآخر: (هذا كردي)، ليردّ المقابل:
(هذا عربي).
فبدلًا من البحث عن نقاط نلتقي بها وتجمعنا، نذهب للبحث
عن شخصيات يخجل الحمار أن يُقارَن بها. فتلك الأفراد تعاني من عقدة الذكاء، وهذه
معضلة أن يرسم مسارات العامة مثل هؤلاء، وأن تُوفَّر لهم المنصات للحديث عن قذارات
الفكر.
فكان الأحرى بالسلطات الغبية إعادة النظر فيمن تقدّمهم
بوصفهم واجهات عامة، والبحث عن فكر رصين يُعدّ بمثابة طوق نجاة لسفينة يقودها أكثر
من ربان في بحر هائج، مصيرها الغرق لا محالة.
الخلاصة ... يبدو أن العراق لم يعد يعاني من نقص في
الكهرباء ولا من تراجع قيمة الدينار ولا من انهيار الخدمات فحسب، بل أصبح يعاني من
أزمة عقول تتصدر المشهد، وألسنة تتقن إشعال الحرائق ثم تدّعي الحكمة في وصف
الدخان. فحين يصبح المذهب بديلًا عن العقل، والقومية بديلًا عن المواطنة، والتاريخ
المقبرة التي ننبشها كلما عجزنا عن بناء الحاضر، فاعلموا أننا لا نعيش أزمة
اختلاف، بل أزمة وعي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. والمصيبة الكبرى أن من يتاجرون
بهذه الخلافات لا يسكنون الخنادق التي يصنعونها، ولا يدفعون أثمان الحرائق التي
يشعلونها، بل يتركون المواطن البسيط يجمع رماد وطنه، بينما هم يتقاسمون ما تبقّى
من ثرواته ومناصبه. ولهذا أقول: ليس أخطر على العراق من عدو يقف على حدوده، بل من
جاهل يقف على منصة، ومتعصب يعتلي منبرًا، ومطبّل يرتدي ثوب المثقف؛ فهؤلاء لا
يهدمون الوطن بضربة واحدة، بل يفرّغونه من عقوله حتى يصبح الخراب فيه وجهة نظر،
والجهل مشروعًا وطنيًا، والعبث سياسة دولة. وعندما يصل بلد إلى هذه المرحلة، فلا
تسألوا: من شيعي ومن سني ومن كردي ومن عربي؟ بل اسألوا: كم بقي في هذا البلد من
عقل لم تبتلعه التفاهة، وكم بقي من مواطن لم يتحول إلى وقود في مواقد الساسة؟
فالوطن الذي يعجز أبناؤه عن الاتفاق على مستقبله، لأنهم ما زالوا يتعاركون على
قبور الماضي، لا يحتاج إلى مزيد من الخطباء، بل يحتاج إلى إسكات ضجيج المتاجرين
به، قبل أن نستيقظ يومًا لنكتشف أننا لم نخسر وطنًا فحسب، بل خسرنا حتى القدرة على
فهم أسباب خسارته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق