بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

مقال

 

الفتاة ذات الهالة والكاتب

تحت عنوان

ما قد حدث في الأمس

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ليس كل كلام جميل غزلًا، وليس كل حديث ذي شجون اعترافًا بالحب، وليس كل من يرى الجمال في إنسان يسعى إلى امتلاكه. فثمة مشاعر لا تنتمي إلى قاموس الحب المتعارف عليه، وثمة أرواح تستوقفنا دون موعد، وتترك في داخلنا أثرًا لا نعرف كيف نفسره، سوى أننا نشعر بأن الحياة أصبحت أجمل بوجودها. ولكن هذه المعاني قد لا يفهمها الكثيرون في أيامنا هذه، بعدما أصبح البعض يضع لكل كلمة حسابًا، ولكل ابتسامة غاية، ولكل اهتمام تفسيرًا لا يخرج عن دائرة الرغبة والمصلحة.

 

وبدأت الحكاية... في مكان ما، كنت أنتظرها كل صباح، لا لأنني كنت أبحث عن موعد مع الحب، ولا لأنني كنت أترقب فرصة للتقرب منها، بل لأن حضورها كان يمنح بداية اليوم شيئًا مختلفًا، وكأن الصباح لا يكتمل إلا حين تعبره تلك الهالة التي تحيط بها، فتترك في المكان أثرًا لا يشبه سواه.

كانت تأتي، فيتغير شيء لا أستطيع تحديده؛ ربما في تفاصيل المكان، وربما في نفسي أنا، أو لعلها تلك القدرة الغامضة التي يمتلكها بعض البشر، فيجعلون الأشياء العادية أكثر جمالًا دون أن يفعلوا شيئًا سوى أنهم موجودون.

ومع مرور الأيام، بدأت أتحدث إليها، أحاورها وأستمع إليها، وأترك للكلمات أن تسير بعفويتها، دون أن أحمّلها ما لا تحتمل، أو أبحث لها عن غاية لم تكن في ذهني.

وقد يسألني أحدهم، أو ربما تسأل هي نفسها: هل كنت أحبها؟

والحقيقة أن الإجابة ليست بهذه البساطة التي يتصورها البعض؛ لأننا اعتدنا أن نضع المشاعر في قوالب محددة، فإذا أعجب رجل بامرأة، افترضنا أنه يريدها، وإذا أبدى اهتمامًا بها، ظننا أنه ينتظر منها مقابلًا. وكأن الرجل لا يستطيع أن يرى الجمال إلا بعين الرغبة، ولا يستطيع أن يتحدث مع امرأة إلا إذا كان يخفي وراء حديثه مشروعًا عاطفيًا يريد الوصول إليه.

وهذا ما لا أستطيع أن أراه قاعدة تحكم مشاعر البشر جميعًا.

فأنا أؤمن بأن في الحياة جمالًا يستحق أن نتوقف أمامه، لا لكي نمتلكه، بل لكي نتأمله ونقدّر وجوده. فهل كل من أعجب بزهرة أراد أن يقطفها؟ وهل كل من استوقفته لوحة فنية أراد أن يحملها معه؟ وهل كل من أحب منظر المطر في مساء شتوي كان يبحث عن شيء وراء قطراته؟

ثمة أشياء يكفيها أن تكون جميلة، وثمة أشخاص يكفي حضورهم ليمنحوا أيامنا معنى مختلفًا، دون أن يكون لنا حق في مطالبتهم بشيء، أو أن يكون لهم علينا واجب يتجاوز حدود الاحترام والتقدير.

 

الجمال الذي لا أبحث عن امتلاكه ... هي ليست كغيرها بالنسبة إليّ، ولكن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أنني وقعت في حبها، بل يعني أنني وجدت فيها شيئًا يستحق التأمل والتقدير.

فهي بالنسبة إليّ تشبه زهرة شقائق النعمان البرية، حين تظهر بين أعشاب الأرض لتعلن أن الربيع قد بدأ، وكأن الطبيعة قررت أن تترك لنا رسالة صغيرة تقول فيها إن الجمال لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى، ولا إلى استئذان كي يلامس أرواحنا.

وتشبه زخات المطر الباردة حين تهبط على يوم حار، فتوقظ في النفس إحساسًا افتقدته طويلًا، أو تشبه أيام الشتاء التي أحبها، حين يتسع للهدوء مكان، وتصبح الأشياء البسيطة أكثر قدرة على ملامسة القلب.

ولعلني كنت أرى فيها شيئًا نفتقده في هذا الزمن؛ نقاءً لا يتصنع البراءة، وطيبًا يسبق صاحبه إلى المكان، وهدوءًا يجعل حضور الإنسان أجمل من كل ما قد يقوله عن نفسه.

كنت ألاحظ حضورها قبل أن تراها عيناي أحيانًا، وكأن النفس تألف بعض التفاصيل حتى تصبح قادرة على تمييزها من بين أشياء كثيرة. وإذا حضرت، كانت ابتسامتها تمنح المكان اتساعًا آخر، وكأنها تجمع في ملامحها شيئًا من دفء العالم، ثم تتركه يمضي معها حين تغادر.

ولم تكن المسألة في ابتسامة عابرة أو حديث جميل فحسب، بل في ذلك الأثر الذي يتركه بعض الناس فينا دون أن يدركوا حجم ما يتركونه. فهناك أشخاص لا يحتاجون إلى فعل استثنائي كي يظلوا في الذاكرة، لأن حضورهم وحده يصبح حدثًا صغيرًا في يوم عادي.

ومع ذلك، لم أكن أرى في هذا كله وعدًا بالحب، ولا كنت أطالبها بأن تفهمني بالطريقة التي أفهم بها نفسي. كنت أعبّر عما أشعر به تجاه حضورها، وأترك للكلمات حقها في أن تكون صادقة وعفوية، دون أن أجعل منها عقدًا يلزم الطرف الآخر بشيء.

فليس كل ما نشعر به ينبغي أن يتحول إلى علاقة، وليس كل ما نعجب به يجب أن ينتهي باعتراف، وليس من الضروري أن نمتلك الأشياء الجميلة حتى نكون صادقين في تقديرها.

 

موقفي من القضية ... قد تكون هي قد رأت في حديثي ما لم أقصده، وربما وضعت كلماتي في سياق مختلف تمامًا عن السياق الذي خرجت منه. وأنا لا أنكر عليها حقها في أن تفهم الأمور وفق ما تراه، ولا أطالبها بأن تتخلى عن حذرها أو تتجاوز حدودها الشخصية من أجل تفسير أقدمه لها.

لكنني أؤمن في الوقت نفسه بأن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم الآخرين على النوايا التي نفترضها فيهم، وألا نجعل الشك دليلًا قاطعًا على الخطأ، أو نمنح تصوراتنا حقائق لم تثبتها الأفعال.

فكم من كلمة بريئة أُسيء فهمها، وكم من موقف عفوي وُضع في غير موضعه، وكم من إنسان وجد نفسه متهمًا بشيء لم يخطر بباله، فقط لأن الطرف الآخر قرأ الموقف بعين مختلفة.

وإذا كان ما تتصوره عني صحيحًا، أو كان في تصرفاتي ما أوحى إليها بشيء لم أرده، فإن ذلك لا يمنحني حق الاعتراض على مشاعرها أو التقليل من مخاوفها، لكنه يمنحني حقًا إنسانيًا بسيطًا، هو أن أُسمع قبل أن يصدر الحكم عليّ.

فأنا لم أكن أبحث عن فرصة أستغلها، ولا عن باب أتسلل منه إلى حياتها، ولم تكن كلماتي وسيلة للحصول على مقابل. كنت أعبّر بعفوية عن إحساس بالجمال وجدته في إنسانة، وهذا كل ما في الأمر، على الأقل وفق ما أعرفه عن نفسي وما قصدته من حديثي.

والمشكلة أن بعضنا لم يعد يثق ببراءة المشاعر، حتى أصبح يتعامل مع الكلام الجميل وكأنه فخ، ومع الاهتمام وكأنه مطالبة مؤجلة، ومع الإعجاب وكأنه دين ينبغي سداده.

وهكذا نخسر أحيانًا أشياء جميلة قبل أن نعرف حقيقتها، لا لأننا اكتشفنا فيها ما يستوجب الابتعاد، بل لأننا خفنا مما قد يكون وراءها، فاخترنا الحكم بدل السؤال، والانسحاب بدل الحوار، والصمت بدل أن نمنح الحقيقة فرصة للظهور.

 

كيف أراها بعد كل ما حدث ... ما زلت أراها بعين مختلفة عن تلك التي افترضتها، ولم تتحول صورتها في ذاكرتي إلى صورة امرأة كنت أريد الوصول إليها، أو إنسانة كنت أنتظر منها اعترافًا بمشاعري.

أنا أراها كما رأيتها أول مرة؛ إنسانة تحمل من النقاء ما يجعل حضورها مختلفًا، ومن الطيبة ما يجعل ابتسامتها قادرة على ترك أثر في النفس، ومن الجمال ما لا تستطيع الكلمات أن تحيط به.

ولست مضطرًا إلى تحويل هذا الشعور إلى قصة حب كي أبرر وجوده، كما أنني لست مضطرًا إلى إنكار ما شعرت به لمجرد أن أحدًا قد يسيء تفسيره.

فالمشاعر الصادقة لا تفقد قيمتها لمجرد أن الآخرين لم يفهموها، والجمال لا يصبح تهمة لأن أحدهم قرر أن يضعه في موضع الشبهة.

ومع ذلك، فإن احترام الإنسان يبدأ من احترام اختياره؛ فإذا اختارت الابتعاد، فلها ذلك، وإذا لم ترغب في استمرار الحديث، فليس من حقي أن أفرض عليها حضوري. لكن احترام قرارها لا يعني أن أقبل أن تتحول نيتي إلى حقيقة لم أكن أقصدها، أو أن يصبح صمتي اعترافًا بشيء لا أراه في نفسي.

فثمة فرق بين أن تحترم المسافة التي يختارها الآخر، وبين أن تتخلى عن حقك في أن تُفهم على حقيقتك.

 

الذنب الذي اقترفته بحقي ... ربما كان أكثر ما آلمني أنها فهمت ما أرادت أن تفهمه، ثم اتخذت قرارها دون أن تسمعني، وأصبحت تمر وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الأحاديث التي جمعتنا لم تكن سوى تفاصيل عابرة لا تستحق حتى سؤالًا أخيرًا.

ولعل ما وجعني لم يكن ابتعادها بحد ذاته، فالبشر أحرار في اختيار المسافات التي تناسبهم، وإنما ذلك التحول المفاجئ من الألفة إلى التجاهل، ومن الحديث العفوي إلى الصمت، دون أن أعرف كيف انتقلت الحكاية من بدايتها البسيطة إلى هذه النهاية الغامضة.

لقد كانت قد قطعت لي وعدًا بأنها ستكون أول من أراه كل صباح، وربما لم تدرك يومها أن بعض الوعود الصغيرة تترك في النفس أثرًا أكبر من حجمها، لأن قيمتها لا تأتي من الكلمات نفسها، بل من المعنى الذي تمنحه لها قلوبنا.

كنت أنتظر ذلك الصباح الذي أراها فيه كما اعتدت، لا لأطالبها بشيء، ولا لأفتح معها حسابًا عن الماضي، بل لأن الإنسان يألف بعض التفاصيل حتى تصبح جزءًا من يومه، ثم يشعر بفراغها حين تختفي.

لكنني وجدت نفسي أمام غياب لم أفهم سببه، وصمت لا أعرف كيف أفسره، ووعد بقي معلقًا في ذاكرتي، لا أدري إن كان قد قيل بعفوية أم كان يعني لها ما كان يعنيه لي.

وهنا تكمن المفارقة؛ فقد لا يكون الإنسان مذنبًا في نظر نفسه، لكنه يجد نفسه متهمًا في نظر غيره، وقد لا يقصد من حديثه سوى أن يعبّر عن جمال رآه، فإذا به يكتشف أن كلماته أصبحت سببًا في مسافة لم يكن يريدها.

ومع ذلك، لا أريد أن أحوّل حكايتي معها إلى محاكمة، ولا أن أجعل من نفسي ضحية كاملة أو منها متهمة لا عذر لها. فربما كان لكل منا ما لم يقله، وربما كانت هناك تفاصيل لا أعرفها، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أن الحوار كان سيمنح هذه الحكاية فرصة لأن تنتهي بصورة أقل إيلامًا.

فليس من العدل أن نطالب الناس بقراءة ما في قلوبنا، كما أنه ليس من الحكمة أن نقرر ما في قلوبهم دون أن نمنحهم فرصة للكلام.

 

الخلاصة ... بعض الأشخاص لا نحبهم، لكننا نحزن حين نفقد صورتنا في عيونهم

يا صاحبة الهالة، لم أكن أريد أن أجعلك حكاية حب أرويها للآخرين، ولا أن أضيف اسمك إلى قائمة النساء اللواتي مررن في حياة رجل يبحث عن قلب يبادله الشعور. كل ما في الأمر أنني رأيت فيك جمالًا أحببت أن أعبّر عنه، ووجدت في حضورك شيئًا جعل الصباح أكثر لطفًا، فقلت ما شعرت به دون أن أطلب منك شيئًا في المقابل.

لم أكن أريد منك قلبًا، ولا وعدًا، ولا اعترافًا، ولم أكن أبحث عن نافذة أعبر منها إلى حياتك. كنت أريد فقط أن تبقي تلك الصورة الجميلة التي عرفتها، وأن يظل الحديث بيننا مساحة إنسانية لا تحتاج إلى أن تتحول إلى قصة حب كي تكون لها قيمة.

لكن ما حدث علّمني أن بعض الحكايات لا تنتهي لأن المشاعر ماتت، بل لأنها لم تُفهم منذ البداية، وأن بعض المسافات لا تصنعها الكراهية، وإنما تصنعها فكرة واحدة لم تجد من يسأل عن حقيقتها.

أما وعدك بأن تكوني أول من أرى كل صباح، فقد بقي في ذاكرتي كما بقيت أشياء كثيرة لم تكتمل. وربما لن تعرفي يومًا أنني لم أحزن لأنني فقدت فرصة للحب، بل لأنني فقدت عفوية الحديث، ولأن إنسانة كنت أراها مصدرًا للجمال أصبحت تنظر إليّ من خلف ظنّ لم أستطع تغييره.

وأتعلمين ما الذي يؤلم الكاتب أكثر من كل ذلك؟

أن يقضي عمره محاولًا أن يمنح الكلمات معانيها الحقيقية، ثم يعجز عن إقناع إنسانة واحدة بأن كلماته لم تكن فخًا، وأن الجمال الذي رآه فيها لم يكن مطالبة، وأن إعجابه بحضورها لم يكن ثمنًا ينتظر أن يسترده.

ومع ذلك، لن أندم على أنني رأيت فيك جمالًا، ولن أعتذر عن كلمة صادقة لم تحمل إساءة، ولن أكره ابتسامة كانت تمنح الصباح شيئًا من الضوء.

سأترك لك حق الابتعاد، وأحتفظ لنفسي بحق الشعور، فليس كل ما نحبّه نطلبه، وليس كل من نشتاق إلى رؤيته نريد أن نمتلكه.

و إذا مررتِ بي غدًا، فلن أعاتبك، ولن أسألك لماذا تغيّرتِ، ولن أطالبك بالوفاء لوعد مضى. سأدع الصباح يمضي كما يشاء، لكنني سأعرف أن شيئًا صغيرًا قد تغيّر فيه؛ ليس لأنك لم تعودي أمام عيني، بل لأنني أصبحت مضطرًا إلى إقناع نفسي بأن غيابك لا يعني أن الجمال الذي رأيته فيك لم يكن حقيقيًا.

فبعض الأشخاص يمرّون في حياتنا ليتركوا وراءهم حبًا، وبعضهم يتركون ذكرى، أما أنتِ، فقد تركتِ سؤالًا لا أعرف له جوابًا:

هل أخطأتُ حين عبّرتُ عن جمال رأيته فيكِ، أم أننا أصبحنا نعيش في زمنٍ صار فيه الإنسان يخاف من الكلمة الجميلة، أكثر مما يخاف من قسوة الكلمة الجارحة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  الفتاة ذات الهالة والكاتب تحت عنوان ما قد حدث في الأمس بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين ليس كل كلام جميل غزلًا، وليس كل حدي...