بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

مقال

 

 أبو تمام ليس شاعرًا موصليًا 

تحت عنوان

الكرعة تتباهى بشعر أختها

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



من أكبر الجرائم التي تُرتكب بحق المجتمع هو تزييف الوعي الجمعي، ولا يعيب مدينةً على وجه الأرض أنها لا تملك تاريخًا في مضمارٍ معين، ولكن صناعة وعي تاريخي مزيف من قِبل شخصيات تقدم نفسها على أنها نخب ثقافية، وكل علاقتها بالثقافة هويات تصدر من جهات حكومية، وهي بحد ذاتها تُعتبر مثلبة تُحسب عليهم. فالشعراء، على سبيل المثال، ليسوا ممن يجيدون ترتيب الأوزان الاستعراضية فقط، ولكن عليهم قراءة محاور أخرى تساهم في صناعة شخصية الشاعر، ومنها التاريخ، وبهذا يكون هناك بناء لما يُعرف ببنية القصيدة.

 

أبو تمام ... هو حبيب بن أوس بن حارث الطائي، المولود في إقليم حوران في بلاد الشام، وعلاقته بمدينة الموصل أنه شغل منصبًا في البريد بمدينة الموصل في عهد الدولة الحمدانية. ومصادر المعلومات هنا: (سير أعلام النبلاء ــ ج 11، ص 4، 64 / وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ــ ج 2، ص 11).

ومن هنا نفهم دقة المعلومة ومصادرها، وهنا لا أريد الحديث بشكل تفصيلي عن حياة الشاعر، ولكن لأبيّن الحقيقة التي يستند إليها المقال.

 

بناء الوعي المزيف ... المعضلة هنا في التعامل مع قراءة التاريخ وبناء وعي كامل على حقيقة مزيفة، من خلال قضية نسب شخصيات إلى مكان معين. والغريب في الموضوع أن مدينة الموصل، ذات التاريخ الحضاري والثقافي، تزخر بأسماء الشعراء الذين لا يُشق لهم غبار قديمًا وحديثًا، ومنهم السري الرفاء الموصلي، المتوفى سنة 973م، وآخرون في العصر الحديث، ومنهم الشاعر وليد الصراف، والشاعرة الدكتورة بشرى البستاني والدكتور جاسم العجة، وكرم الأعرجي، وآخرون كثر خُلّدت حروفهم بوشاح من نور، بالإضافة إلى الرواد في فنون الأدب، وبهذا تصبح المدينة في حيز الإرث الثقافي.

ولهذا، فإن تقديم الشاعر أبي تمام على أنه إرث لمدينة لا ينتمي إليها يُعد نوعًا من تزييف الوعي لدى العامة، وهنا تكمن خطورة القضية، فالمسألة برمتها تعود إلى الأمانة التاريخية والتعامل معها على أنها فرض واقع، بغض النظر عن حقيقتها.

 

الجوانب التي تترتب على هذا ... قد يظن الكثيرون هنا أن الموضوع عرضي، لا يتعدى كونه مسألة احتفاء بشاعر عربي، ولكن هذا بحسب الرؤية القاصرة من الناحية الشكلية، وإن انتهاج هذا المنهج هو قضية تبناها غير العرب في انتساب بعض الأسماء العربية إليهم، ومنحهم لقب الأماكن التي أقاموا فيها، مثل (البخاري، النيسابوري). وسوف يكون لنا مقال بهذا الخصوص في القريب العاجل. وهذا أيضًا من منهجية تزييف الوعي الجمعي، ومنها فتح الباب أمام قضايا قد تكون أكبر مما قد يتصور الآخرون، وبناء تلك الآراء سوف يبني ذاكرة مليئة بالمغالطات التي يُطبّل لها في يومنا هذا بسبب تبني مفاهيم الثقافة القشرية.

فلكل مدينة تاريخها، ولا يوجد مكان بلا تاريخ ولا شخوص، ولا نحتاج إلى صناعة تاريخ يخدم التوجهات الآنية، ففي ذلك إثم بحق العامة، وبحق المعلومات التي تُوجَّه إلى الرأي العام من قِبل طبقات تتسيّد الثقافة لأنها تملك طبلة للسلطة القائمة. وهنا أقول لهؤلاء: (ما هكذا تُورَد الإبل يا هذا).

إن أخطر ما في هذه القضية ليس أن ننسب شاعرًا إلى مدينة لم يولد فيها، بل أن تتحول المعلومة المغلوطة، بفعل التكرار والاحتفاء الرسمي والتصفيق الثقافي، إلى حقيقة راسخة في أذهان الأجيال، وعندها يصبح تصحيحها أشبه بمعركة مع ذاكرة جرى تلقينها ما يجب أن تؤمن به. فالتاريخ لا يُكتب وفق رغبات القائمين على المؤسسات، ولا يُعاد تشكيله بما يتناسب مع أهواء من يملكون المنابر، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى مهرجان كي تصبح حقيقة، ولا تحتاج إلى قرار إداري كي تكتسب شرعيتها. والمصيبة حين تتحول الثقافة من أداة لكشف الحقائق إلى وسيلة لتسويق الأوهام، ويصبح بعض من يتصدرون مشهدها أشبه بموظفين لدى الذاكرة الرسمية، يرددون ما يُطلب منهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث أو مراجعة المصادر. وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بأبي تمام أو غيره، بل بمبدأ أخطر بكثير، وهو: هل نحن أمام ثقافة تنتج المعرفة، أم أمام ثقافة تصنع روايات مريحة للسلطة والجمهور؟ فحين يصبح التصفيق بديلًا عن البحث، والاحتفاء بديلًا عن التوثيق، تتحول المؤسسات الثقافية إلى مصانع لإنتاج المسلّمات، ويغدو الاعتراض على الخطأ جريمة في نظر من اعتادوا أن تمر مغالطاتهم بلا مساءلة. وأنا هنا لا أصادر حق مدينة في الاحتفاء بشاعر أقام فيها أو ترك أثرًا في حياتها الثقافية، ولكنني أرفض أن يتحول الاحتفاء إلى عملية استحواذ على نسبه التاريخي، لأن الفرق كبير بين أن نحتفي بشاعر مرّ من مدينتنا، وبين أن نصنع منه ابنًا لها لمجرد أن اسمه يخدم رواية نريد تسويقها. فالأمم التي تحترم تاريخها لا تحتاج إلى استعارة أمجاد الآخرين، والمدن العريقة لا تنتقص من مكانتها حقيقة أن شاعرًا بعينه لم يولد فيها، وإنما تنتقص من مكانتها حين تعجز عن تقديم أبنائها الحقيقيين وتلجأ إلى صناعة أمجاد لا تسندها الحقائق. أما الذين يعتقدون أن تكرار المغالطة يمنحها حصانة تاريخية، فعليهم أن يدركوا أن الذاكرة قد تُخدع زمنًا، لكنها لا تتحول بذلك إلى مصدر موثوق للحقيقة، وأن أخطر ما يمكن أن يفعله المثقف ليس أن يجهل التاريخ، بل أن يعرف أن هناك حقيقة تستحق البحث ثم يختار الصمت، أو أن يردد الخطأ لأنه وجد فيه مصلحة أو مكانة أو فرصة للتصفيق.

 

تصحيح لا انتقاد ... سوف يفهم البعض أن ما ورد هنا نوع من التسقيط أو الانتقاص من شخصيات أو فعاليات بعينها، ولكن هذا غير صحيح. وللتنويه، فإن فكرة أبي تمام وانتسابه إلى مدينة الموصل هي فكرة الحقبة السابقة من السلطة، ورغم أن الذين هم اليوم في دفة الحكم ينتقدون تلك الحقبة، لم يستطيعوا تبيّن حقيقة صغيرة جدًا زُرعت في الذاكرة العامة. ولهذا، فإن كل ما ورد من معلومات موثّق بالمصادر الرصينة، وهو أسلوب مستحدث في كتاباتي لغرض أن المقال موجّه إلى دعاة الثقافة النخبوية، وهي كتب لا تقبل التشكيك، التي سوف تقطع كل رد قد يُكتب بهذا الموضوع. وإن من أخلاقيات القلم أن يعرض الحقائق، حتى الموجعة منها، بغض النظر عمّن سوف تزعجهم هذه الكلمات، فأنا كنت ولا زلت أكتب لله والتاريخ، فلكم طبول ولي قلم.

 

الخلاصة ... الأدب والفكر ليست وظيفتهما الوحيدة صياغة كلمات جميلة تساهم في تضليل الرأي العام عن واقع مزرٍ ثقافي أو اجتماعي، ولكنهما أيضًا عين ترصد المعلومة التي يتم تزييفها لغرض معين، بغض النظر عن الشخوص التي تتبنى الفكرة أو المعلومة. ولهذا، فأنا اليوم أكتب لتصحيح المسارات الفكرية المنحرفة التي تتبنى الانحراف، وقد يكون لهذه الكلمات وقع موجع، ولكن، للأسف، هذه هي الحقيقة: (أبو تمام ليس شاعرًا موصليًا) ، ورحم الله القائل: **(الكرعة تتباهى بشعر أختها).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

    أبو تمام ليس شاعرًا موصليًا   تحت عنوان الكرعة تتباهى بشعر أختها بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين من أكبر الجرائم التي تُر...