بيت حنتوش (السيرة الذاتية للأسد)
تحت عنوان
إدارتهم لمنطقة ما بين الجسرين وعشيرة البكارة
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
البداية من الاسم (حنتوش)، وهو من الأسماء الشعبية
المتداولة ما بين العراق والشام، وفي الدلالة اللغوية فهو مشتق من الجذر (ح ن ت)،
وهو جذر ارتبط في اللغة العربية واللغات السامية، ويعني في الغالب (الحنكة،
والدهاء، والصلابة، والتحمّل).
أما في المعنى الشعبي فلن يذهب بعيدًا عمّا ذُكر، فيشير
إلى (الشخص القوي الصبور الذي يتحمّل الشدائد أو صاحب الفطنة). ولا يُعدّ الاسم من
أسماء الفصاحة، ولكن في الغالب يُطلق هذا الاسم على أشخاص أو عوائل في موقف معيّن
أو حدث جلل يثبت به صاحبه أنّه جدير باللقب.
الزمن هو منتصف القرن الماضي، وما قبل تسمية لقب الشيخ،
فكانت عشيرة البكارة وقتها تعود في انتمائها العشائري إلى بلاد الشام.
ملاحظة: البكّارة هو الاسم الجمعي، أمّا البجّاري فهو
الاسم الفردي وقتها.
ولكن لم يكن الأمر يُدار بينهم بشكل عشوائي، فكان هناك
ما يُعرف بـ المختار، وقد أُسند هذا الأمر إلى أولاد حنتوش وقتها، بعد وفاة ابن
عمّهم سيد سلطان، الذي لم يكن لديه أبناء ذكور، فكانت الأولوية لمحمد حنتوش، الذي
كان يتمتّع بصفات تؤهله لهذا المنصب، وكان قريبًا من العرافة كما يُعرف عند
الأوساط الشعبية.
والجدير بالذكر هنا أنّه كان رجلًا صاحب معرفة، متكلمًا
مقنعًا لمن حوله بما يمتلكه من أدوات معرفية. وبعدها تولّى أخوه محمود حنتوش، وهو
جدّي، والذي كان يمتاز بشخصية قيادية متفرّدة، وهذا ما عزّز الدور القيادي لبيت
(حنتوش) وقتها، في إقناع من حولهم بأنّهم الجديرون بما أوكل إليهم.
وهذا لا يعني بالمرة أنّ العوائل التي كانت تنتمي
للمنطقة، سواء كانوا من البكّارة أو سواهم، أقلّ منهم – لا سامح الله – ولكن كان
لهم الريادة في جمع التأييد لهم في إدارة المشهد وقتها.
وما قد لا يعلمه الكثير أنّ المنطقة سكنتها العديد من
العشائر العربية والكردية في ذلك الوقت، ولكن كان لبيت (حنتوش) الدور الريادي على
الأرض.
وهنا قد يسأل أحدكم: ما الذي كانوا يمتلكونه ليحقّقوا
هذا النجاح في إدارة البكّارة والمنطقة في ذلك الزمن؟
وهنا سنذكر بعض الأسباب:
الرجولة… في الكثير من الأحيان تُضطر أن تقول لأحدهم: كن رجلًا،
ومع أنّه قد سُجّل في الدفاتر الحكومية أنّه ذكر، ولهذا غالبًا ما يُقال: قِلّة
الرجال بين جموع الذكور.
ولتكون رجلًا يجب أن تتحلّى بصفات غير البطولة والشجاعة،
ومنها النهي بالنفس، وأن تكون قدوة يُقتدى بها.
ففي وقتٍ ما دخل أبناء (حنتوش) في صراع دموي مع عائلة
كانت تسكن المنطقة بسبب خلاف – بغضّ النظر عن أسبابه – ورغم ذلك لم يُقحموا أبناء
العشيرة في هذه القضية، رغم شدّة الصراع وتولّيهم أمور المنطقة. وكان هذا انطلاقًا
من باب تحمّل مسؤولية أفعالهم، وهذا ما لا تجده عند الكثير في الماضي أو في الوقت
الحاضر.
لم تكن الرجولة عند بيت حنتوش مجرّد صفة تُقال أو موقفًا
عابرًا يُتخذ عند اشتداد الأزمات، بل كانت سلوكًا يوميًا يُقاس بقدرتهم على تحمّل
تبعات أفعالهم دون أن يجرّوا غيرهم إلى ساحات لا ذنب لهم فيها. فقد أدركوا مبكرًا
أن الرجولة الحقيقية لا تُقاس بحجم القوة المستخدمة، بل بقدرة صاحبها على ضبط تلك
القوة وتوجيهها في الاتجاه الصحيح، وهو ما جعلهم، في أكثر اللحظات توترًا، يختارون
الوقوف وحدهم بدل الاحتماء بالجماعة، محافظين بذلك على وحدة المنطقة ومكانة
العشيرة، ومقدّمين نموذجًا نادرًا في تحمّل المسؤولية الفردية.
عزّة النفس… وهنا، وبصراحة، هناك حادثة يجب الوقوف عندها طويلًا.
كان أبناء (حنتوش)، وهم الرعيل الأول، يبلغ عددهم ستة
أشخاص، وكان من بينهم (حامد)، الذي دخل السجن في وقتها بسبب مشاجرة، وقد أعلن
الجميع اعتراضهم على ذلك الموقف حينها، ومن باب اتخاذ الموقف امتنع إخوته عن
زيارته.
ولكن بعد فترة تعرّض رجال العائلة للاعتقال بسبب موقفهم
السياسي، وعندها التقى الإخوة خلف القضبان، وكان لا بدّ من وجود أحد يساندهم، فكان
هناك (حامد)، وبصراحة قدّم لهم وقتها أكثر مما كانوا يتوقّعون.
ولكن انتبه أخوه محمود إلى أمر غريب يحدث، وهو أنّ أخاه
لا يجالسهم على الطعام، وعند سؤاله أجاب:
اذهب يا محمود وكُل واتركني، فمن في السجن لا يعرفون
أنّني أخ لكم، وسوف يُقال عنّي وقتها: شوفوا حامد حنتوش يخدم ويأكل.
وهنا تكون هذه الأخلاقيات حكّام المنطقة، وهذه صورة
صغيرة عن قصص وحكايات تثبت عزّة نفسهم، ليُثبتوا للجميع أنّهم الأصلح لهذا الدور.
أما عزّة النفس، فقد تجلّت في مواقف صامتة أكثر بلاغة من
أي خطاب، حيث كان الامتناع عن استغلال القرابة أو الاسم العائلي في تحقيق مكاسب
شخصية هو السمة الأبرز لسلوكهم. لم تكن الكرامة لديهم شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل
التزامًا أخلاقيًا ثابتًا يحكم تصرّفاتهم في العلن والخفاء. فكان تقديم العون دون
إعلان، وتحمل الأذى دون شكوى، والفصل الواضح بين الروابط العائلية والواجب العام،
جزءًا من منظومة قيم جعلت احترام الناس لهم نابعًا من الثقة لا من الخوف، ومن
القناعة لا من المجاملة.
الحكمة… ومن أهم الصور التي تثبت امتلاكهم لهذه الصفة حادثة
مشهورة وقعت في المنطقة، وهي جريمة قتل بين اثنين من أبناء البكّارة.. فكان هناك موقف مشرّف لأبناء حنتوش وقتها، حين قالوا
للجميع:
إن ما حدث هو قضية بين أبناء عمومة، ولن نسمح بالمزايدة
على أحد منهم، واتركوا الأمر لصاحب الأمر.. عندها سكت الجميع، لإيمانهم بأنّ ما قيل ينبع من حكمة
يتحلّى بها قائد حكيم.
وتكتمل هذه الصورة بالحكمة التي شكّلت حجر الأساس في
حضورهم القيادي، إذ لم يتعاملوا مع الأزمات بوصفها ساحات استعراض، بل باعتبارها
مسؤوليات تتطلب التروي وحسن التقدير. كانوا يدركون أن الكلمة قد تُطفئ نارًا أو
تشعل فتنة، ولذلك اختاروا في كثير من الأحيان الصمت الموجّه على الخطاب الانفعالي،
وتركوا لكل ذي حق حقه دون تدخل يفسد ميزان العدالة. هذه الحكمة جعلتهم مرجعًا غير
معلن، يُحتكم إلى رأيه لما يحمله من اتزان وبعد نظر، لا لما يملكه من نفوذ أو
سلطة.
الخلاصة… إن أبناء (حنتوش) وقتها لم يكونوا من أصحاب المال
والنفوذ لتكون قيادتهم آتية من رياء أو خوف – لا سامح الله – ولكن كان الرعيل
الأول لهذه العائلة يجمع الكثير من الصفات الحميدة التي لم يقف صداها عند حدود
المنطقة، بل عبرت آفاق المدينة من قرى وأرياف.
حتى جاء وقت إذا سُئل أحدهم: أنت بجّاري؟ أجاب بنعم،
فيُردّ عليه السؤال: هل أنتم أقرباء لبيت حنتوش؟
فإذا ما أجاب بكلمة لا، قالوا له: أنت لا تنتمي لهذه
العشيرة... وهذا يُعدّ من السمعة
الطيبة التي اكتُسبت بالعمل الصادق من أولئك الذين كانوا في تلك الفترة، وقد
قدّموا بهذه وتلك أبلغ الدروس والعبر لمن يريد أن يتزعّم المشهد...
ومن اجتماع الرجولة وعزّة النفس والحكمة، تشكّلت لدى بيت
حنتوش قيادة طبيعية لم تُفرض بقوة المال ولا سطوة السلاح، بل نمت من ثقة الناس
وتراكم المواقف الصادقة. قيادة لم تبحث عن الألقاب، لكنها صارت عنوانًا لها، ولم
تسعَ إلى الهيمنة، لكنها أصبحت معيارًا يُقاس به الانتماء والسمعة. وهكذا تجاوز
تأثيرهم حدود الزمن والمكان، ليغدو اسمهم شاهدًا على أن القيادة الحقيقية تُبنى
بالأخلاق قبل المواقع، وبالمواقف قبل الشعارات.
فرحم الله الأولين من أبناء حنتوش، وحفظ الباقين، فقد
كانوا دروسًا حيّة تمشي بين الناس، لتعلّمهم معنى أن تكون قائدًا حقيقيًا لإدارة
المشهد في ذلك الوقت.
ملاحظة:
لم أكتب هذه السطور لأنني فقط من نسل عمالقة أبناء
حنتوش، بل لأنها حقيقة يجب أن تُوثّق بطريقة تليق بهم.



