بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 7 يناير 2026

مقال

 قصص الحب في السيرة النبوية

تحت عنوان

قد تقرأ ما لا يصدق

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لو سأل أحدكم: هل هناك قصص من الحب في السيرة النبوية؟ لردّ علينا الكثير من جهلة القلوب بكلمة «لا»، ولكن ما سيرد في هذه السطور سوف يكسر كل القواعد الإسلامية المتزمتة التي تأخذ من السيرة النبوية العطرة القشور، ولا تعرف شيئًا عن المضمون.

والرواية هنا عن زينب بنت رسول الله محمد ﷺ، وزوجها أبو العاص بن الربيع. فعندما اشتدّ الأمر في محاربة الرسول، أمر عمه أبو لهب بتطليق بنات الرسول من أزواجهن، وهم أبناؤه. وكان من الطبيعي أن يُطلب من أبي العاص ذات الطلب، وكان هو من هو، وموقفه المعادي من الدعوة في ذلك الوقت، لكنه رفض الأمر، وقال فيها ما يثني عليها، فعرف قدرها وحبه لها.

وعند الهجرة، لم يُجبر الرسول ابنته على ما كان قد عزم عليه، ولم يكن قد صدر بعد حكم التفريق بين الأزواج في حالة إسلام أحدهما. ومرت الأيام، فكانت الحرب بين المسلمين وقريش، فأُسر زوجها. وجرى العرف أن تُفدى الأسرى، فبعثت زينب بالمال إلى أبيها مع قلادة أهدتها أمها خديجة بنت خويلد مع الفدية.

وعندما رأى رسول الله ﷺ ذلك، أصابه شيء من الحنين إلى الماضي، وكيف لا، وشيء مما كان أحبّ إلى قلبه بين يديه، فرقّ قلبه وقال لأصحابه: «أتطلقونه ونردّ لها عطيتها وبما افتدت به زوجها؟» فكان الإجماع بالموافقة، فأُطلق سراحه، ولكن طلب منه أن يُرسل زوجته، وهي ابنة رسولنا الكريم ﷺ.

وبعدها كانت هناك تجارة لقريش، فغير عليها المسلمون، وفرّ أبو العاص إلى المدينة، فتقصّى بيت زينب زوجته، فلما وصل طلب أن يُستجار، فأجارته. ولكن عندما نودي للصلاة خرجت تصلي خلف أبيها، وعند نهاية الصلاة جاء صوت من الخلف يقول: «أيها الناس، لقد أجرت أبا العاص بن الربيع»، ليملأ المكان الصمت، وتتجه العيون إلى حضرة النبي الكريم.

عندها قال: «أيها الناس، أسمعتم ما سمعت؟» قالوا: بلى. فقام ردًّا قائلاً: «والذي نفسي بيده، ما علمت بما كان حتى سمعت بما سمعتم، ولكن يُجير على المسلمين أدناهم». ثم ذهب إليها وقال: «يا بنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصنّ منك». ثم جمع المسلمين الذين أغاروا على القافلة وسألهم أن يردّوا إليه تجارته، فوافقوا. وعندها عرض عليه الإسلام، فقال أبو العاص: «أردّ للناس تجارتهم ثم أعود»، وقد فعل هذا.

ومن هذا الحدث يجب أن يُكتب فيما رُوي مجلدات لا سطورًا في مقال، فهناك دروس أكثر من رائعة تدل على وجود الحب في الإسلام، وليس كما يدّعي أعوان الشيطان والضلالة. وقد ورد في هذه الكلمات ومنها:

 

المودّة ... فعندما رفض أبو العاص أمر قريش في تطليق زوجته، كان ذلك بسبب وجود خيط متين لا ينقطع بسبب مواقف خارجية؛ فالرجل يبقى رجلًا، ويحرص على أن يبقي بيته وأهله خارج النزاعات الدنيوية. وهنا كان الأمر متبادلًا بينهما، فقد ردّت له الموقف بالموقف عندما افتدت زوجها يوم أسره.

 

الرحمة ... تتجلى في أنها أجارت زوجها المشرك رغم علمها بحرمانية الأمر، ولكن لم يمنعها هذا من تقديم مصطلح الرحمة على أي شيء آخر، ولم يستهجن رسولنا الكريم محمد ﷺ هذا، وفي ذلك درس عظيم لمن لم يدرك المعنى والمغزى.

 

الشجاعة ... التي تحلّت بها زينب بنت الرسول عندما أعلنت في المسجد أنها فعلت هذا، وهي ابنة سيد الخلق محمد ﷺ، وهو موقف يعزز رؤيتها للقيم الإسلامية والعربية في ذلك الوقت.

 

المروءة ... وصدق رب العزة في قوله تعالى:﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ وهذا يعزز القول بالفعل؛ فقد كان هناك درس عظيم في تقديم المروءة على التعصب الديني، فلم يغضب، لأنه أدرك أن في الموضوع ما هو أكبر مما قد يُقال، فالأمر فيه مروءة.

 

الخلاصة ... إن الإسلام جميل، والحب من الجمال، وما نراه ونسمعه اليوم هو مجرد تشويه لحقائق إسلامية لا يجرؤ أحد على الحديث عنها، لسبب بسيط: أنها لا تخدم أجنداتهم السياسية. فالحب لا ينصّبهم أولياء على رقاب الناس، وكل ما يخرج عن مسارهم العقلي مرفوض. ولهذا ترى الكثير ممن يدّعي الإيمان غلظةً، ولكن الحق يعلو ولا يُعلى عليه. فالخلق أجمع قد أُسس على كلمة «محبة»، ومن اعترض على هذا فهو من ينتهج منهج الشيطان يوم كرهه لآدم حين خُلق، وعصى ربه بسبب إيمانه بالكراهية، وهذا لا ينسجم مع ما يريد الله من قضية الخلق. وهنا أُنهي ما بدأت بقول رسولنا الكريم ﷺ: «الراحمون في الأرض يرحمهم الرحمن».

صدق رسول الله ﷺ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

  عمليات تتفيه العقل الجمعي تحت عنوان فضيحة جزيرة إبستين ( Little Saint James ) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين   في صباح ه...