بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 7 يناير 2026

مقال

 

العراق وأزمة الكذب

تحت عنوان

الحقائق التي لا يعترف بها أحد

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



ونحن نعيش اليوم جملةً من الأزمات؛ الكهرباء، والماء، والرواتب، والقضايا الحياتية للمواطن البسيط، وكل هذا بسبب أزمة واحدة لا غيرها، وهي الكذب. يُمارَس الكذب في العراق من أعلى رأس الهرم، مرورًا بكل فئات الشعب. وتبدأ الحكاية أيام النظام السابق، وأكذوبة الجيش الذي لا يُقهر، وتلك الحرب العبثية التي راح ضحيتها الكثير من البشر دون وجه حق. واستمر الأمر على هذا الحال، وتمر الأيام ويستمر الكذب على أعلى المستويات، حتى أصبحت عادةً يمارسها الجميع.

أما عن يومنا هذا، فأصبح الكذب وسيلة حياة يجب الاستعانة بها لديمومة العيش هنا؛ فرأس الحكومة يمارس الكذب من خلال الاستعانة بالاستعراض الإعلامي، عبر تصريحات لا تضر ولا تنفع، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالوزراء أصبحوا مقلدين له، ويكثرون استعمال مصطلح «سوف» و«نظرية التسويف» التي كانت الأبرز في تصريحاتهم. وهذا ينطبق على كل من هو في مركز المسؤولية، وليس هذا بالشيء الغريب، فالدولة تم بناؤها على المجاملات وتحت مصطلح «مشّيني ومشيك»، أي: اصمت أنت عمّا أفعل، وسأصمت عمّا تفعله أنت. ومن هنا نفهم نظرية ترسيخ الفساد في مفاصل الدولة، ولهذا كان الأثر الكبير فيما نعانيه اليوم من كوارث في حياتنا اليومية على صعيد الفرد أو المجتمع.

فعندما يتحدث أحدهم، يعطي إحساسًا لدى المستمع بأن الرجل صادق بما يقول، وبعد وقت تكون الصدمة؛ فلا صدق في الحديث، ولا جدية في العمل. حتى تلك الانتصارات على المستوى العسكري هي مجرد إنجازات لبعض الدول التي لها مصالح داخل البلد.

ومرض الكذب انتشر على مستوى واسع بين الناس، ولم يُحصر في الطبقة الحاكمة للبلد؛ فالموظف في دوائر الدولة، على سبيل المثال، يعمل ست أو سبع ساعات، ولكن في حقيقة الأمر، مهما كانت وظيفته، فإن معدل عمله ثلاث ساعات لا أكثر، وهذه حقيقة يعرفها الجميع. وهذا أيضًا من أنواع الكذب؛ فترى أحدهم يتقاضى مبلغًا مبالغًا به، وهو لا يقوم بالعمل بالشكل الصحيح، وهذا أيضًا نوع من أنواع الكذب.

حتى أصحاب المهن الحرة في البلد؛ فترى صاحب المحل يكذب ليبيع بضاعته، وسائق التاكسي عندما تسأله عن الأجرة يقول لك: «بكيفك»، أي ادفع ما تشاء، وهذه الكلمة هي باب لفرض واقع حال ودفع أكثر مما هو مطلوب عند وصولك إلى المكان الذي تريد، وهذا كذب أيضًا. وقد وصل الكذب إلى عمل «الزبّال»، أي عامل النظافة، فتراهم طوال اليوم يجلسون في الشمس ينتظرون الساعات لكي تمر، وفي نهاية الشهر يقبضون الراتب، وهذا كذب أيضًا.

وكل هذا وأكثر من مظاهر الكذب، حتى وصل الأمر إلى قضية الدين؛ فترى أحدهم يكذب ويسرق ويتطاول، ويوم الجمعة يرسل إلى أصحابه أدعية و«جمعة مباركة» ليوهم الناس بأنه متدين. ويستحضرني في هذا كلمات والدي، رحمه الله، حين كان يقول: «إن الكذب حبال الشيطان»، أي إن الكذب مفتاح لكل الأفعال المشينة التي قد تحدث، وهذا بالضبط ما نعاني منه اليوم.

وقد بلغ الأمر الحد الأقصى في الكذب؛ فترى أحدهم يرى آخر، فيسأله عن أحواله، فيخبره أنه بخير، وهذا كذب ولا جدال في هذا. وفي نهاية كل تلك الصور التي ذُكرت، نصل إلى نتيجة مفادها أن الكذب هو الأزمة الحقيقية التي نعاني منها اليوم، وكما يُقال في الأثر: «النجاة في الصدق».

وفي المحصلة النهائية، فإن الكذب لم يعد مجرد سلوك منحرف، بل أصبح نظامًا غير معلن تُدار به الدولة وتُخدَّر به عقول الناس. وعندما تتحول الأكاذيب إلى خطاب رسمي، والصدق إلى تهمة، فإن الصمت يصبح شراكة في الجريمة. لا يمكن بناء وطن على الخداع، ولا إصلاح دولة تُدار بالتسويف، ولا إنقاذ شعب يُطالَب بالصبر بينما يُسرق وقته ووعيه ومستقبله. إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الفقر ولا الخراب، بل اعتياد الكذب حتى فقدنا القدرة على الغضب. ومن هنا، فإن الثورة الحقيقية التي يحتاجها العراق ليست ثورة شوارع، بل ثورة وعي تفضح الكاذبين، وتكسر قداسة الزيف، وتعيد للصدق مكانته بوصفه فعل مقاومة لا شعارًا مستهلكًا. فالنجاة لن تكون لمن يُجيد التبرير، بل لمن يجرؤ على قول الحقيقة مهما كان ثمنها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

    الصغير والكبير قراءة في مقال (د. غسان عزيز) تحت عنوان شخصيات هزيلة حسب المعايير المعاصرة بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين ...