أكاذيب
قد تهدم الحياة
تحت
عنوان
قراءة
قرأتُها بداخلي
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
عندما
كنّا صغارًا، كانوا يقولون لنا – بما معناه –: «الذي يتعب يلعب»، في إشارةٍ إلى أن
التعب في بدايات الحياة قد يجلب السعادة لاحقًا. غير أن الحقيقة، التي لم ندركها
آنذاك، أننا كنّا ندرّب أنفسنا بصمت على متاعب الأيام القادمة، لا أكثر.
ثم نفتح
الراديو، فنسمع الموسيقار والمطرب فريد الأطرش ينشد: «الحياة حلوة… بس نفهمها».
وهنا يبرز السؤال: هل فيما قاله شيء من الصحة؟
ولو سألت
اليوم أيّ شخص عن معنى السعادة، لما وجدت اثنين على هذه الأرض يتفقان على إجابة
واحدة. وهذا بحد ذاته دليل على أن كل شيء في هذه الحياة يخضع للنسبية، وأن الحديث
عن السعادة ليس سوى محاولة بعض علماء النفس لتجميل المرّ، وإقناعك بأن نبات الحنظل
له مذاقٌ رائع.
وقد جاء
في قول الله تعالى تكذيبٌ استباقي لما سيُروَّج لاحقًا، ولم يتوقف الأمر عند هذا
الحد؛ فنحن نتعرّض يوميًا لحزمة من الأكاذيب التي تعمل على تغييب الوعي الإنساني،
ومن أبرزها:
«طارد
شغفك» ... والشغف
هنا منبثق من الرغبة، والرغبة هي اختلاجات نفسية لا أكثر. وهنا يتجلّى قول الله
تعالى: ﴿إِنَّ
النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾
وفي هذا
الطرح خروجٌ صريح عن الإرادة الإلهية، وكأنهم يقولون لك: دع الله وشأنه، وطارد
رغباتك بحماسة عمياء.
ولو عدنا
إلى مفهوم الشغف في النفس البشرية، لوجدنا أن الإنسان قد يشغف بكل ما يُخرجه عن
قاعدته الإنسانية، وبذلك يُبعد عن سبب وجوده الحقيقي.
«الحب لا
يُطلب» ... وهي
كذبة عظيمة. فالواقع يقول إن الحب يُطلب، حتى على مستوى المحبة الإلهية. ولو كان
العكس صحيحًا، فما الحاجة إلى الأنبياء إذن، لتنظيم علاقة البشر بالذات الإلهية؟
يتناسى
أصحاب هذا الادعاء حقيقة بشرية أصيلة، وهي النسيان، مما يُسقط فرضياتهم من الأساس.. أما
الغرض من هذه الكذبة، فهو سحق العلاقات الإنسانية، واستبدالها بالفردية، لأن الفرد
المعزول أسهل في السيطرة.
«أنت
استثنائي» ... واحدة
من أشهر أكاذيب ما يُسمّى بعلم التنمية البشرية؛ ذلك التيار الذي يهدف إلى تخدير
العقول. تسمع أحدهم يطلب من الحضور ترديد عبارة: «أنا استثنائي» بصوتٍ عالٍ،
لزرعها في العقل الباطن..
لكن هل سأل أحدهم نفسه: بماذا تميّزت فعلًا عن
غيرك؟
الإجابة
غالبًا: لا شيء.
ومن أخطر
أضرار هذه الكذبة، منح الذات هالة وهمية من التعالي، سرعان ما تصطدم بالواقع
المرير، فتنتج جموعًا من الفاشلين الذين يعلّقون إخفاقهم على شماعة الآخرين، وفي
هذا أيضًا خروج عمّا أراده الله.
«القلب
لا يكره»... ولا
أدري أيُّ حماقةٍ هذه! فلولا وجود الكراهية لما صلح بشرٌ على هذه الأرض.
من منّا
لا يكره الأعمال غير الصالحة؟
فلولا
كرهك للكذب، لما كان للصدق معنى..
ولولا كرهك للغش، لما استقام الصلاح.. ولولا
كرهك للقتال، لما كان هناك سلم بين الناس.. بل إن
الله تعالى نفسه صرّح في أكثر من موضع بأنه يكره عمل السوء.. وعليه،
فلا حقيقة لعبارة: «القلب لا يكره».
«استمرارية
السعي وحتمية الوصول»
... لماذا تُرهق نفسك بالجري خلف مكتسبات مادية ووهمية،
وهناك حقيقة واحدة لا ينكرها أحد: الموت؟
البديل
الحقيقي لهذه الأكذوبة هو ترك الأثر بعد الرحيل.. ومن
المنظور الديني، فالحساب ليس على حتمية الوصول، بل على أسلوب السعي.. فالأنبياء
جميعًا سعوا لنشر المبدأ السماوي، لكن هل حققوا جميعًا الوصول؟ .. الجواب:
لا.
وهذا
يثبت أن ما نقدمه في الحياة هو اجتهاد، أما التوفيق فمسألة بيد الله وحده.
«لكل
ظالم نهاية» ... لا
صحة لهذا القول مطلقًا..
فلو كان صحيحًا، لما كانت هناك قيمة ليوم الحساب.. انظر إلى
كثير من الظالمين، ستجد لهم جنازات مهيبة، تحشد لها الجموع.
أما
الغرض من هذه الكذبة، فهو إسكاتك عمّا يُرتكب بحقك، كنوع من التخدير الموضعي،
ليتسنى للطرف الآخر فعل ما يشاء.
«اعتزل
ما يؤذيك» ... وفي
هذا تكذيبٌ صريح لقول رسول الله ﷺ: «والكاظمين
الغيظ والعافين عن الناس» وحاشا لرسولنا الكريم أن يدعو إلى العزلة عن الناس.. فالذين
حولك هم مختبر حقيقي لما تؤمن به، وميزان لصدق إيمانك.. وهذا ليس
دعوة لإلغاء الخصوصية، بل دعوة لبناء المواقف عبر الاحتكاك بالسيئ والجيد معًا.
«أنت آخر
الرجال المحترمين»..
وهي محاولة لتعميق المظلومية، وتصوير العالم وكأنه
تحوّل إلى حضيرة من الوحوش..
وهذا غير صحيح.. هذه
الفكرة تنتمي غالبًا إلى فئة الضعفاء، العاجزين عن مواجهة الحقائق.. فالأصالة
اختيار، لا قدر..
أن تكون مسيئًا هو اختيارك، وأن تكون عكس ذلك هو
أيضًا اختيارك.
ومثلما
أنت متمسك بالقيم والمبادئ، هناك كثيرون يشبهونك، وإن لم يعلنوا عن أنفسهم.
ومن هنا
نفهم خطورة تلك الأكاذيب التي تُروى على مسامعنا دون وعي، فنأخذها كحقائق، ونعمل
بها، فنخسر الكثير..
وهذا ليس دعوة لرفض آراء الآخرين، فكما يقول المثل
الشعبي: «يفوتك من الكذّاب صدق كثير».
لكن يبقى
الميزان الحقيقي هو:
«استفتِ قلبك، وشاور عقلك»؛ فإن اتفق
الاثنان، كان هناك حق، وكانت هناك حقيقة.
لسنا
ضحايا الحياة كما نحب أن نصدّق، بل ضحايا الأكاذيب التي صدّقناها طواعية، ولبسناها
كحقائق مقدّسة، ثم بكينا تحت أنقاضها. لم تُهزم عقولنا لأن الحقيقة غائبة، بل لأن
الزيف كان أسهل، وأخف وطأة من مواجهة أنفسنا عراة بلا شعارات.
أخطر ما
في الكذبة أنها لا تقتلك فورًا، بل تُدرّبك على التعايش مع الموت البطيء، وتُقنعك
أن العمى بصيرة، وأن الخضوع حكمة، وأن التخدير وعي. وحين تفيق، إن أفقت، تكتشف أنك
لم تُسرق يومًا… بل تنازلت.
لهذا، لا
تبحث عن الحقيقة في أفواه الوعّاظ الجدد، ولا في كتب التنمية، ولا في شعارات
السوق. الحقيقة قاسية، لا تُربّت على كتفك، ولا تعدك بالسعادة، لكنها الوحيدة التي
لا تخونك.
ومن لا
يحتمل ألم الحقيقة، فليستعد لحياة كاملة من الكذب… مقنّعة بالرضا، ومختومة
بالخسارة.
وهنا فقط
يبدأ الامتحان الحقيقي:
إمّا أن تكون واعيًا ومتعبًا، أو
مخدَّرًا… وتظن نفسك حيًّا.
النهاية
...قبل أن تُبادر بالتعليق، لا تسأل نفسك ماذا ستقول، بل اسأل: من أنا ثقافيًا؟
فالتعليق
ليس رأيًا عابرًا، بل مرآة وعيك، وملامح ثقافتك، وحدود إدراكك للاختلاف.. الشتيمة
لا تُسقط الفكرة، والسخرية لا تُنتج وعيًا، والتكفير لا يصنع حقًا.. ناقش إن
كنت قادرًا على الفهم، وانتقد إن امتلكت أدوات النقد، واصمت إن شعرت أن انفعالك
يسبق وعيك.. ففي
سطر واحد قد تفضح ضحالة ثقافتك… أو تُثبت أنك قارئ يفهم قبل أن يحكم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق