https://www.youtube.com/watch?v=r9mQY40WLdQ
مملكة الخنازير والمواجهة الحتمية
تحت عنوان
حقائق واقعية
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
العالم، وما يميّزه، ليس العقل كما يظنّ الكثير، بل
الوعي والإدراك وحدهما ما يميّزان خلق الإنسان دون غيره. وعندما تفقد هذه الميزة
الجموعُ البشرية، تتجه نحو اكتساب عادات الحيوانات التي حولها. ولهذا، يكون علينا
تحديد تصنيف آخر للعالم غير ما هو متعارف عليه. واليوم، إذا ما وقفتَ وسط هذا
العالم، سترى أنّ في الشمال مجاميع بشرية تنتمي إلى فصيلة الكلاب الشائخة، أمّا في
الجنوب فسترى آخرين ينتمون إلى فصيلة الماعز الهزيلة، أمّا في الشرق فهناك الثيران
الهائجة، وفي أقصى الغرب ستجد ما يُعرف بالضباع السائبة. أمّا أرض العرب ومن
يسكنها، فقد باتت اليوم أرض القردة.
ولكن، ورغم كل ما ذُكر، هناك تصنيف آخر ينفرد عن كل هذا،
وهي:
مملكة الخنازير... وسط كل هذه المجاميع التي ذكرتها، هناك قطعان متفرقة،
عاشت بينهم طوال قرون طويلة على هامش الحياة، وتحظى بعدم القبول من كل تلك
المجاميع، بسبب ممارساتها التي تنكرها كل القيم والمبادئ على هذه الأرض. وعندها
ضاقت بها الكلاب الشائخة ذرعًا، فكانت فكرة جمعها في مكان يكون بمثابة حضيرة
للخنازير. فكان المكان أرض القردة، لأن القرد هو الحيوان الوحيد الذي يمكن خداعه
بمفهوم الذكاء. فكان إعلان إقامة مملكة الخنازير منذ القرن الماضي.
ولكن ما يزعج في أصل الموضوع ليس وجودهم على أرض القردة،
بل ما كان يُعرف بالعمليات الاستفزازية للقردة، وذلك بسبب عدم الانتقائية في رسم
خطوط واضحة للحياة. ثم تطوّر الأمر إلى انتهاج العدوانية في التعامل مع أصحاب
الأرض، فكان هناك تدمير كامل للبلاد والعباد على مرّ سنوات طوال، مع حملات إعلامية
شبيهة بالضوضاء، ونشر الأكاذيب عن مظلومية الخنازير، على أنّها حيوانات مستهدفة من
الجميع، لكسب تعاطف جميع أصناف الحيوانات على هذه الأرض.
وللتوضيح، فإن مملكة الخنازير تُعدّ من المجتمعات
المغلقة على مرّ العصور، وهذا ما يدفعها إلى تبنّي فكرة الخوف من الانقراض، مع
العلم أنّها شريحة من المخلوقات التي تمتاز بسوء السمعة، فالجميع يعرف أنّ ذكرها
يرمز إلى القذارة، وإلى الأماكن التي يقرف الكثيرون اليوم عند مجرّد سرد سيرتها
أمام أحد ما.
ثمّة جانبٌ آخر لم يُلتفت إليه كثيرًا، وهو أنّ مملكة
الخنازير لا تعيش على الصدام وحده، بل على إدارة الخوف بوصفه موردًا استراتيجيًا.
فهي لا تسعى إلى السلام إلا بقدر ما يخدم استمرارها، ولا تلوّح بالحرب إلا لتبرير
وجودها. إنّها تُتقن تحويل الخطر إلى خطاب، والعدوان إلى رواية، والاحتلال إلى
حالة دفاع مزمنة.
كما أنّ الخنازير لا تعمل منفردة، بل ضمن شبكة مصالح
عابرة للتصنيفات الحيوانية؛ إذ تجد دائمًا من يموّل ضوضاءها، ومن يلمّع صورتها،
ومن يبرّر أفعالها تحت لافتات أخلاقية زائفة. وهنا تتحوّل الحضيرة إلى مركز بثّ،
لا لإنتاج الحقيقة، بل لإعادة تدوير الكذبة حتى تصبح قابلة للتصديق.
ويُضاف إلى ذلك أنّ القردة، ورغم كونها الضحية المباشرة،
تتحمّل جزءًا من المسؤولية، ليس ضعفًا، بل تواطؤًا بالصمت، واعتيادًا على الألم،
وقبولًا بالتكيّف مع الواقع بوصفه قدرًا لا يُردّ. فحين يتوقّف الوعي عن مساءلة
الحدث، يصبح العدوان عادة، وتتحوّل الجريمة إلى خبر عابر.
ومن الزوايا التي لا تقلّ خطورة أنّ الخنازير تراهن على
عامل الزمن؛ فهي تعلم أنّ طول الصراع يُنهك الذاكرة، ويُطفئ الغضب، ويحوّل المأساة
إلى رقم. ومع مرور الوقت، يصبح الدم تفصيلًا، والخراب مشهدًا مكرّرًا، وتفقد
الحقيقة قدرتها على الصدمة.
المواجهة الحتمية ... قد تكون اليوم تأخذ صفة الاصطدام المؤجّل، لكن لن يكون
ذلك لوقت طويل. فالقردة أيضًا، ومع مرور الوقت، ستأخذ الصفة العدوانية في التعامل
معهم، رغم أنّ جميع أصناف الحيوانات باتت تتعاطف مع الحضيرة ومن يسكنها، لا لغرض
التعاطف معهم، بل بسبب إبقائهم بعيدًا عن مناطق مراعيهم. وإذا ما وقعت المواجهة،
ستقوم القردة بقتل الخنازير بشكل خارج عن حدود العقل التي يتخيّلها عاقل، وقد يعود
ذلك إلى الاحتقان التراكمي الذي ولدته أساليب الخنازير طوال الفترة الماضية.
الخلاصة ... تكمن في أنّ الإنسان، ومنذ بدء الخليقة، خُلق للحياة لا
للموت، ولكن بسبب غياب الوعي الإدراكي الجمعي، نرى اليوم الكثير من الحروب
والنزاعات التي تعبّر عن اكتساب الصفة الحيوانية. وبات كل شيء تحت عنوان الصراع من
أجل البقاء. وقد يكون ما ورد في هذه السطور عبارة عن حزمة ترميز يخاطب بها الوعي
العقلي إن وُجد، فالغرض من كتابة هذا النوع من المقالات هو بمثابة عامل تحفيزي
لتشغيل قدرة العقل البشري بشكل أكبر مما هو عليه اليوم؛ لأن الصمت حين يطول، لا
يصنع سلامًا، بل يؤجّل الانفجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق