ثلاثية البارون
تحت عنوان
نقد الذات
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
بدأ الموضوع بتحدٍّ كلامي مع الدكتور عمار منهل
محمد، مقرر قسم التاريخ، حين قال لي: "أنت تنتقد جميع الحالات الشاذة وغير
الشاذة، فماذا عنك؟"، وكأنه يظن أنني غير قادر على مواجهة ذاتي. لكن الأمر
على العكس تمامًا؛ ففي هذه السطور أضع نفسي أمام المرآة، وأخوض عملية أقرب إلى جلد
الذات، عبر ثلاثة محاور تمثل شخصية البارون، تلك التي يجهل كثيرون حقيقتها. ولعلني
بذلك أحقق شيئًا من المصداقية التي أنادي بها في حديثي الدائم عن العدالة.
شخص عاقل ... هو الجانب المضيء في شخصيتي،
الجانب الذي قد يقف المرء أمامه مبهورًا من الكم الهائل من الخبرات والمعارف
المتراكمة عبر التجارب الحياتية والقراءات المتعددة. هذا الجانب منحني رزانةً كبيرة،
حتى بات من يلتقي بهذه الصورة من شخصيتي يشعر أنه محظوظ.
أبرز ما يميز هذا الجانب هو الصدق في القول
والفعل، وهو ما انعكس على نتاجي الأدبي عبر سنوات طويلة. غير أنني لا أعدّ ذلك كله
إيجابيًا دائمًا، فالعقل الزائد كثيرًا ما يجلب المتاعب في عالم تحكمه الفوضى. وكما
قيل: "من الصعب أن تكون عاقلًا في عالم مجنون."
شخص فاصل ... بسبب تعقيدات الحياة وضغوطها،
تسللت إليّ حالة من اللامبالاة، فظهرت أحيانًا بصورة فوضوية. لم أؤمن يومًا
بالانضباط الجامد أو الروتين الممل، فالتمرد جزء من طبعي الفطري. ولهذا رأى بعضهم
في شخصيتي صورة غير متزنة، بينما كان الأمر في جوهره انعكاسًا لطبيعة الموقف
ولشخصية المقابل.
في لحظات معينة، قد أطلق مزاحًا هابطًا، أبعد
مما يُتوقَّع مني، لكنني أعتبر هذا الجانب متنفسًا ذاتيًا يخفف وطأة الحياة
المجنونة. إنه الوجه المرح من صورة مثقلة بالجدية والهموم.
شخص لا أحبه ... كثيرًا ما يُؤخذ على الشخصيات
العامة سلوكها الشخصي، مع أن الخصوصية حق مشروع. نحن بشر ولسنا أنبياء، لكل منا
عيوبه وضعفه. وأنا لم أخجل يومًا من الاعتراف بذلك، مستشهدًا بقول الله تعالى:
{إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء}.
فالسوء جزء من طبيعة الخلق، لكنه لا يظهر مني
إلا مع من يماثلني في المعايير الأخلاقية. ومع ذلك، كثيرًا ما أسترجع بعض تصرفاتي
فأشعر بالخجل، غير أنني لم أنكرها قط أمام من واجهني بها. إن رفضي لهذا الجانب من
نفسي يكفي لأؤكد أنني أعيبه وأحاول مقاومته، وقد يكون هذا أضعف الإيمان.
الخلاصة ... إن ما ذكرته ليس تعدد شخصيات، بل
جوانب مختلفة في ذات واحدة. بعضها أستحسنه، وبعضها أعيبه. وما كتبته هنا لا يعدو
كونه جرأة أدبية وأخلاقية في رسم صورة واضحة لذاتي، بما لها وما عليها. لم أتوقع
يومًا أن أكتب عن نفسي بهذه الصراحة، لكنني أعتبرها خطوة شجاعة في مواجهة الذات.
فالاعتراف بالخطأ فضيلة لا يعرفها إلا النبلاء،
ونحن العرب – منذ فجر التاريخ – جمعنا بين النبل والشجاعة. وقد صدق رسول الله ﷺ إذ
قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق."
واليوم، أستطيع القول إنني كسبت التحدي في رسم
خارطة تفصيلية لشخصية البارون الأخير.
في نهاية المطاف، لسنا سوى مرايا لأنفسنا؛ نرى
فيها ما نحب وما نكره، وما نجرؤ على كشفه وما نلوذ بإخفائه. وما هذه السطور إلا
اعتراف يحررني من قيود الصمت، ويمنحني سلامًا داخليًا لم أعهده من قبل. فأن تكتب
ذاتك، يعني أن تواجه العالم كله بشجاعة القلب، وأن تظل البارون الأخير، سيد الكلمة
الحرة، مهما أثقلت الحياة بخطاياها وهمومها.







