بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 31 أغسطس 2025

مقال

 ثلاثية البارون

تحت عنوان

نقد الذات

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



بدأ الموضوع بتحدٍّ كلامي مع الدكتور عمار منهل محمد، مقرر قسم التاريخ، حين قال لي: "أنت تنتقد جميع الحالات الشاذة وغير الشاذة، فماذا عنك؟"، وكأنه يظن أنني غير قادر على مواجهة ذاتي. لكن الأمر على العكس تمامًا؛ ففي هذه السطور أضع نفسي أمام المرآة، وأخوض عملية أقرب إلى جلد الذات، عبر ثلاثة محاور تمثل شخصية البارون، تلك التي يجهل كثيرون حقيقتها. ولعلني بذلك أحقق شيئًا من المصداقية التي أنادي بها في حديثي الدائم عن العدالة.

 

شخص عاقل ... هو الجانب المضيء في شخصيتي، الجانب الذي قد يقف المرء أمامه مبهورًا من الكم الهائل من الخبرات والمعارف المتراكمة عبر التجارب الحياتية والقراءات المتعددة. هذا الجانب منحني رزانةً كبيرة، حتى بات من يلتقي بهذه الصورة من شخصيتي يشعر أنه محظوظ.

أبرز ما يميز هذا الجانب هو الصدق في القول والفعل، وهو ما انعكس على نتاجي الأدبي عبر سنوات طويلة. غير أنني لا أعدّ ذلك كله إيجابيًا دائمًا، فالعقل الزائد كثيرًا ما يجلب المتاعب في عالم تحكمه الفوضى. وكما قيل: "من الصعب أن تكون عاقلًا في عالم مجنون."

 

شخص فاصل ... بسبب تعقيدات الحياة وضغوطها، تسللت إليّ حالة من اللامبالاة، فظهرت أحيانًا بصورة فوضوية. لم أؤمن يومًا بالانضباط الجامد أو الروتين الممل، فالتمرد جزء من طبعي الفطري. ولهذا رأى بعضهم في شخصيتي صورة غير متزنة، بينما كان الأمر في جوهره انعكاسًا لطبيعة الموقف ولشخصية المقابل.

في لحظات معينة، قد أطلق مزاحًا هابطًا، أبعد مما يُتوقَّع مني، لكنني أعتبر هذا الجانب متنفسًا ذاتيًا يخفف وطأة الحياة المجنونة. إنه الوجه المرح من صورة مثقلة بالجدية والهموم.

 

شخص لا أحبه ... كثيرًا ما يُؤخذ على الشخصيات العامة سلوكها الشخصي، مع أن الخصوصية حق مشروع. نحن بشر ولسنا أنبياء، لكل منا عيوبه وضعفه. وأنا لم أخجل يومًا من الاعتراف بذلك، مستشهدًا بقول الله تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء}.

فالسوء جزء من طبيعة الخلق، لكنه لا يظهر مني إلا مع من يماثلني في المعايير الأخلاقية. ومع ذلك، كثيرًا ما أسترجع بعض تصرفاتي فأشعر بالخجل، غير أنني لم أنكرها قط أمام من واجهني بها. إن رفضي لهذا الجانب من نفسي يكفي لأؤكد أنني أعيبه وأحاول مقاومته، وقد يكون هذا أضعف الإيمان.

 

الخلاصة ... إن ما ذكرته ليس تعدد شخصيات، بل جوانب مختلفة في ذات واحدة. بعضها أستحسنه، وبعضها أعيبه. وما كتبته هنا لا يعدو كونه جرأة أدبية وأخلاقية في رسم صورة واضحة لذاتي، بما لها وما عليها. لم أتوقع يومًا أن أكتب عن نفسي بهذه الصراحة، لكنني أعتبرها خطوة شجاعة في مواجهة الذات.

فالاعتراف بالخطأ فضيلة لا يعرفها إلا النبلاء، ونحن العرب – منذ فجر التاريخ – جمعنا بين النبل والشجاعة. وقد صدق رسول الله ﷺ إذ قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق."

واليوم، أستطيع القول إنني كسبت التحدي في رسم خارطة تفصيلية لشخصية البارون الأخير.

في نهاية المطاف، لسنا سوى مرايا لأنفسنا؛ نرى فيها ما نحب وما نكره، وما نجرؤ على كشفه وما نلوذ بإخفائه. وما هذه السطور إلا اعتراف يحررني من قيود الصمت، ويمنحني سلامًا داخليًا لم أعهده من قبل. فأن تكتب ذاتك، يعني أن تواجه العالم كله بشجاعة القلب، وأن تظل البارون الأخير، سيد الكلمة الحرة، مهما أثقلت الحياة بخطاياها وهمومها.

الخميس، 28 أغسطس 2025

مقال

 قضايا تثير الجدل

تحت عنوان

الحب لما بعد الأربعين

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هي ظاهرة كثيرًا ما تثير الجدل بين البشر، وكثيرًا ما يرجعون الأمر برمته إلى المراهقة المتأخرة، وهذا ليس بصحيح، إذ إن الأمر يختلف بين الرجل والمرأة، وسوف نتحدث عن كلٍّ منهما على حدة.

ومن الطبيعي أن تكون هناك أسباب توصلنا إلى هذه الحالة، وفي الغالب تكون أسبابًا نفسية لا اجتماعية، ولهذا تجدها تأخذ حيزًا كبيرًا من عقليات المجتمع التي تضع اللوم على سوء الخلق، وهذه أيضًا معلومة عارية عن الصحة.

 

المرأة... كتلة كبيرة من الأحاسيس والمشاعر المتدفقة منذ اللحظة الأولى للبلوغ، وتنقسم هذه المشاعر ما بين الرغبة ومتعة الإحساس. وهنا يكون هناك محوران أساسيان في نوعية الأفعال؛ ففي السنوات الأولى للعلاقات الزوجية يكون هناك تركيز على إشباع الرغبة، ومع مرور الوقت يكون هناك نوع من الاكتفاء، على العكس من الرجل، لتتجه بعدها المرأة إلى البحث عن المحور الثاني الذي غُيّب بسبب فاعلية المحور الأول في وقته، وهذه مسألة خطيرة يجب أن يدركها الرجل المتزوج. ولهذا ترى الكثير من النساء في هذه المرحلة يبدأن رحلة البحث عن القضية المفقودة في أصل الموضوع، ولهذا يُؤخذ على المرأة أنها في هذه المرحلة تكون الأكثر جاذبية وقبولًا، وذلك بسبب حاجتها إلى قضية المشاعر البعيدة عن الرغبة. وهذا ما يدفع الكثير إلى سوء فهم عقلية المرأة في هذه المرحلة. وللتنويه: إن ما ذكرتُ لا يُعد قاعدة ثابتة تنطبق على الجميع، فهناك حالات شاذة سوف أتناولها في موضوع آخر.

 

الرجل... قضية الإحساس بالنقص النفسي الذي يولّده الزمن تجعله يريد أن يثبت لنفسه العكس. ففي العقد الرابع من حياته يسيطر على تفكيره أنه على أعتاب المرحلة ما قبل الأخيرة من العمر، فتكون هناك ردة فعل تتجسد في البحث عن دلائل تثبت له أنه ما زال بخير، متجاهلًا مسألة أن لكل فترة في هذا العالم مدة صلاحية من الناحية الصحية. فيمضي الكثير منهم بمقولة شعبية: يريد ياخذ زمنه وزمن غيره. ولهذا ترى الكثير منهم يطارد الأصغر منهم سنًا كنوع من الحافز النفسي للموضوع. ولهذا يُوصف الكثير منهم بمصطلح المتصابي بسبب هذا الفعل. وتكون قضية الإحساس والشعور هنا مفقودة بشكل كامل، والتركيز يكون على الرغبة، على العكس من المرأة.

 

الرؤى... لكل موضوع يُطرح يجب أن يكون هناك رأي لصاحب الكلمات التي يكتبها، رأيٌ يخص القضية التي يتحدث عنها مع تقديم حلول أو مقترحات تقود القارئ إلى المراد قوله في السطور المكتوبة. وهنا يكون الرابط الوحيد على هذه الأرض هو الحب وجمعها المحبة. أما الرغبات والاحتياجات الشخصية فهي ممارسات فطرية لا تقترن بالحب. ولكن ما حدث هو عملية تشويه للمصطلح من خلال ربطه بتلك القضايا البديهية في الحياة. ولهذا ترى أن هناك عدم ثقة بكلمة الحب في يومنا هذا، فقد تغيرت المعايير في كل ما يخص الموضوع. فإذا ما سألتَ المرأة ستجيبك بثقة: كل الرجال كاذبون، وهن صادقات فيما يقلن. وإذا ما سألتَ الرجال سيكون قولهم: إن جميع النساء ماديات، وهم أيضًا قد صدقوا في قولهم. وكل هذا بسبب تضارب العوامل النفسية والدوافع الشخصية التي تنتج تصرفات بعيدة عن المنطق والعقل.

 

الخلاصة... إن كلًّا من الرجل والمرأة له كيان يكمل أحدهما الآخر، وأي خلل في معايير تلك العلاقة يخلق كوارث إنسانية على الصعيد النفسي. لذا يجب خلق توازن فكري يكون بمثابة قاعدة لديمومة الحياة بينهما، فلا رجل بلا امرأة ولا امرأة بلا رجل. ومن يبوّب لغير هذه القاعدة يدخل من باب محاربة الذات الإلهية، فيُعدّ من المفسدين في الأرض. فالتغيير في الفطرة البشرية يُعتبر من الكبائر إذا ما كانوا يدركون. ويبقى الحب المصطلح الفطري الذي خلقه الله عز وجل بين البشر، ومثله كنبتة إذا ما رعيتها أثمرت ثمارًا أشبه بثمار الجنة التي ذُكرت في الكتب السماوية.

والنهاية تكون في نصيحة صغيرة مفادها: (لينظر كلٌّ منّا في مرآة العقل، وبهذا قد يرى صورته الحقيقية ليتمكن من تقويمها. ولو انشغل كلٌّ منّا بقضاياه الشخصية كما ينشغل بقضايا الغير لتغيّر وجه العالم) .

الثلاثاء، 26 أغسطس 2025

مقال

 كيف تميز الرجال

تحت عنوان

ما لا يُجرى أن يُقال أو يُكتب

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



من بديهيات الحياة أنَّه عندما يولد الإنسان يُحدد جنسه في الأوراق الحكومية بين ذكر وأنثى، وهذه هي الحقيقة الوحيدة في أصل الموضوع. ولكن اكتساب لقب رجل وامرأة يخضع لمعايير قد تغيب عن أيديولوجية الجميع في الفهم.

الرجولة في الثقافة العربية ... وفي ساحة المفاهيم العربية للرجولة يخضع المصطلح لعدد من المعايير المتعددة منها (الكرم والسخاء)، وفي التراث هناك حكايات تعزز مصداقية المصطلح في العرب. فإذا ما أردنا مثالًا حيًّا لغاية وقتنا الحالي يكون (حاتم الطائي) الذي اشتهر بكرمه عبر التاريخ. وبعدها تأتي (الشجاعة)، وهذه الصفة تكون مقترنة بصفة (الكرم)، فلن تجد شخصًا واحدًا شجاعًا قد يمتاز بالبخل، فهي علاقة طردية. وهنا تكون (المروءة وحفظ العهد)، وهي من أجمل ما قد يتحلى به الرجل في هذا الوقت، فهي تُعرف عند العامة اليوم (بالشهم)، وهي من الصفات التي تميز معادن الرجال. ليكون بعدها (النخوة ونصرة الضعيف)، وهذه الصفة من الصفات التي من الممكن أن تجعل الرجل في محيطه إلى درجة شخص نبيل. ومنها إلى (الحياء وضبط النفس)، وهذه الصفة يجب توفرها عند كل بني آدم، فليست المرأة وحدها تحتاج (الحياء)، وذلك بسبب أن هذه الميزة تكون بمثابة زينة لكل شخص يتحلى بها. وهنا تكون (الحكمة والرزانة)، وهي الصفة المكتسبة من خلال التجارب التراكمية لذوي العقول، إذا ما وُجدت العقول. ولنعود هنا إلى صفة (الغيرة على العرض والشرف)، وهذه هي ميزة العرب دون سواهم من شعوب الأرض، والذي يريد أن يميز العربي اليوم تكون هذه الصفة بمثابة بصمة فارقة دون سواهم. وفي النهاية (تحمل المسؤولية)، الرجولة هنا تعني أن يكون الرجل قادرًا على القيام بواجباته تجاه أهله ومجتمعه، فيتحمل الأعباء ولا يتهرب منها.

الرجل المعاصر ... وهو اليوم أسوأ نموذج قد تجده على مر الزمان، وذلك بسبب افتقاره إلى الصورة الجميلة التي تم عرضها في بداية الموضوع. ولنعد إلى عرض الصفات وما هي عليه اليوم. فلنبدأ بالكرم: فاليوم وبعد سيطرة المفاهيم المادية أصبح الرجل عبارة عن كتلة مجردة من القيم، وإن الكثير من المشاكل الاجتماعية اليوم سببها أن هذه الميزة عند الرجل لم يعد لها وجود يُذكر. وهذا ما جعل منه شخصًا بعيدًا عن الشجاعة، بسبب خوفه من المتطلبات المادية اليوم. وإذا ما أردنا أن نتكلم عن المروءة وحفظ العهد اليوم فحدِّث بلا حرج، فهناك الكثير منهم اكتسب الصفة النسائية في القيل والقال ونقله إلى شخص آخر بحجج واهية كدعوى المثالية الكاذبة فيما يدعون. وهذا ما دفع إلى انعدام (النخوة ونصرة الضعيف)، فبدأ الرجال يستبسلون اليوم في الإمعان بقهر الضعيف كان رجلًا أو امرأة، وهو ما تسبب في قتل العلاقات الإنسانية بين البشر. أمّا إذا ما تحدثنا عن (الحياء وضبط النفس) فهنا الطعنة القاتلة، فقد تحول الكثير منهم إلى كلاب سائبة تنهش لحوم البشر. وهذا ما استغلته بعض ضعيفات النفوس من النساء باستغلال مفاتنهن في تحقيق مكتسبات، ظنًا منهن أنهن جميلات، وهن جاهلات أن هؤلاء الرجال اليوم لو شاهدوا (كلبة) في الشارع لسال لعابهم عليها. فالقضية لها علاقة بالشهوات والرغبات الشخصية الشاذة. وبعد كل هذا فمن الطبيعي ألّا يكون هناك (الحكمة والرزانة)، فالحكمة زينة الرجل، والرزانة تكون السمة الظاهرة للرجل إذا ما حضر في المكان. وبعد كل ما ذكرت، لن يكون هناك رجل قادر على تحمل المسؤولية، فاليوم كل شخص يمتلك أهدافًا ورغبات بعيدة عن الجو العائلي والمجتمعي، ولن تجد أحدًا اليوم قادرًا على إدارة مجموعة من باب تحمّل المسؤولية.

وهنا لقد انتهى عصر الرجل الذي يحمل القيم التي ذكرتها في السطور الأولى، وبدأ عصر الانتهازيين والجبناء واللاهثين خلف شهواتهم المالية والجنسية. وهذا ما حوّل العالم بأسره إلى جانب آخر غير ما كان يُراد به في الذات الإلهية. فقد تحوّل العالم بأسره إلى حظيرة خنازير تتناحر فيما بينها من أجل البقاء. والصراع هنا ليس بالمفهوم المتعارف عليه، ولكن الصراع اليوم أخذ شكلًا ماديًا من أجل لقمة العيش. وبهذا، وبعد هذا العرض الموجز، تستطيع أن تميز الرجل إذا ما التقيت به، وإذا ما التقيت به فاعلم أنك محظوظ في هذا العالم، لأنك وجدت عملة نادرة نفتقدها هذه الأيام.

 الخاتمة ... الرجولة ليست صفةً تُمنَح بولادة الذكر، بل هي منظومة قيم وأخلاق ومسؤوليات جسام. وحينما تنهار هذه القيم، ينهار معها معنى الرجولة ويذوب الرجل في دائرة الماديات والرغبات الضيقة. إنّ العالم اليوم بأمسّ الحاجة إلى رجال حقيقيين يحملون الكرم والشجاعة والمروءة والنخوة والحياء والحكمة وتحمل المسؤولية. فوجود رجلٍ واحد بهذه المواصفات كافٍ لأن يعيد الأمل وسط هذا الخراب الإنساني. والرجولة الحقيقية، في نهاية المطاف، هي أن يكون المرء صادقًا مع نفسه، وفيًّا لعهوده، وعادلًا في مواقفه، ونبيلًا في إنسانيته.

الثلاثاء، 19 أغسطس 2025

مقال

 بحوث عن (الصحف والمجلات) نموذجًا

تحت عنوان

منهجية البحث العلمي في التاريخ

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



قبل فترة ليست ببعيدة، جرت في كلية الآداب مناقشة بحث بعنوان:

"اتجاهات الدراسات الأندلسية في الاستشراق الإسباني: مجلة القنطرة نموذجًا".

وقد انتمى هذا البحث إلى منهجية دراسة الكم في المناهج التاريخية. وهنا تبرز الحاجة إلى تقديم تعريف لهذا النوع من الدراسة:

هي أحد الأساليب الكمية المندرجة ضمن مناهج البحث التاريخي، وتعني توظيف الأرقام والإحصاءات والبيانات الرقمية في تحليل الظواهر التاريخية، وذلك بهدف قياسها ومقارنتها واستخلاص النتائج الموضوعية منها. فهي لا تكتفي بالسرد الوصفي أو التحليل الكيفي، بل تعتمد على حصر الظواهر (عدد السكان، الضرائب، الوفيات، الإنتاج الزراعي، حجم التجارة، معدلات الهجرة، إلخ) وتحويلها إلى معطيات كمية قابلة للمعالجة الإحصائية، مما يتيح للباحث الوصول إلى نتائج أكثر دقة وموضوعية، وتفسير التغيرات التاريخية في ضوء مؤشرات كمية قابلة للقياس.

غير أنّ ما دفعني لكتابة هذا المقال هو طرح رؤية مغايرة لكتابة منهجية بحث جديدة، تقوم على الرؤية التاريخية لا على المنهج الكمي فحسب، أي صياغة منهج يجمع بين معايير أكاديمية صارمة وبين أدوات تحليلية تستند إلى طبيعة المصادر التاريخية. وهنا يبرز دور الصحف والمجلات بوصفها مصدرًا ثريًا للدراسة، لما تحمله من دلالات نوعية وكمية ترتبط بالظرف السياسي والثقافي والاجتماعي الذي صدرت فيه.

ومن هذه الرؤية، يمكن للباحث أن ينطلق من عدة محاور رئيسة:

أولاً: المرجعيات

لكل صحيفة أو مجلة مرجعية ثقافية وسياسية تحدد مسارها وملامح خطابها التحريري. ومن هنا يكون على الطالب العودة إلى الأصول والبنية الأولى لتأسيسها. وتنقسم المرجعيات عادة إلى نوعين:

مرجعيات حكومية:

وهي التي تنطق باسم الدولة وتوجّهها السياسي، وتخضع لتغيّر النظام الحاكم وتبدّل سياساته.

مرجعيات مبدئية أو عقائدية:

وهي التي تعبّر عن تيارات فكرية أو عقائدية بمختلف مسمياتها، وتندرج ضمن الإطار التاريخي المرتبط بتلك العقائد، مما يفرض على الباحث التعمق في جذورها لفهم طبيعة المادة المنشورة.

ثانياً: الخلفيات التاريخية

تنقسم هذه الخلفيات إلى محورين:

رئيس التحرير:

كثيرًا ما يُسقط رئيس التحرير رؤيته الفكرية أو السياسية على المجلة أو الصحيفة، فيجعل منها منبرًا للتعبير عن اتجاه محدّد قد يكون مرتبطًا بحدث تاريخي أو رؤية تراكمية شخصية.

الأقلام الكاتبة:

وهي تمثل الخلفية الفكرية للمجلة أو الصحيفة. ففي المجلات المستقلة، تتيح هذه الأقلام مجالًا رحبًا للباحث للتقصي عن الخلفيات الفكرية والسياسية للكتاب، في حين أن الصحف الرسمية أو الأكاديمية غالبًا ما تفرض قيودًا تجعل المادة المنشورة ذات طابع مؤسساتي.

ثالثاً: الحوادث التاريخية

كثيرًا ما تغيّر الأحداث الكبرى، مثل الانقلابات السياسية أو الحروب، مسار صحيفة أو مجلة. فقد تؤدي إلى إغلاقها أو تغيير توجهها أو حتى فتح المجال أمام مشاريع جديدة للنشر. وهنا يجد الباحث مادة خصبة للتعمق في دراسة العلاقة بين الحدث التاريخي والتحول الإعلامي، مما يفتح آفاقًا واسعة لفهم التفاعلات بين التاريخ والإعلام.

الخاتمة

إن المادة البحثية تمرّ بدورة حياتية، ويمكن تطويرها باستمرار من خلال طرح رؤى جديدة ونقاط إبداعية، حتى لو جاءت أحيانًا من خارج الإطار الأكاديمي التقليدي. فالتجديد في المناهج البحثية أمر ضروري، ما دام يحافظ على هيبة البحث العلمي وصرامته المنهجية. ومن هنا، يصبح تطوير أدوات البحث ومناهجه حقًا مشروعًا لكل باحث يسعى إلى خدمة الطالب والأستاذ معًا، وفتح آفاق جديدة أمام الدراسات التاريخية والأكاديمية.

الاثنين، 18 أغسطس 2025

قصة قصيرة جدا بعنوان (بطولات صوتية)

  قصة قصيرة جدا (بطولات صوتية)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



يحكى أنّ في إحدى المزارع كان هناك ديك يعلن كل صباح عن حضوره بصياحه، حتى بدأ هذا الصوت يزعج الجميع. وفي يوم من الأيام، تسلل ذئب إلى المزرعة، وفرض على جميع الحيوانات الخضوع له، بما في ذلك الديك.

ومرت الأيام، ولم يعد أحد يسمع صياح الديك. استغرب الجميع، وعند السؤال عن السبب، كانت الإجابة أنّ الذئب قد اتخذ قراره منذ فترة بافتراس الديك. فقد كانت أعظم بطولات الديك هي صياحه بعد استباحة الذئب للمزرعة، ولم يقدر على الصمود طويلاً.

وهكذا، نتعلّم أنّ من يرضى بالهوان منذ البداية، سيواجه نهاية سوداوية لا محالة.

الأحد، 17 أغسطس 2025

مقال

 هل مات الإسلام وانقرض العرق العربي؟

تحت عنوان

فلسطين وحديث العقل

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



اليوم، كل من على هذه الأرض يتحدث، سواء في الإعلام أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وحديثهم في شتى المواضيع. ولكننا نفتقد اليوم إلى النتيجة التي نريد الوصول إليها من خلال هذا الحديث؛ فالجميع يتحدث عن المشكلة ولا أحد يتحدث عن الحل، وهنا تكمن المعضلة. وهذا بسبب ظاهرة العقول المسطحة.

موت الإسلام... هل أُعلن عن موت الإسلام بوفاة الرسول (ص)؟ هنا تكون الإجابة: نعم. وهذا ما تؤكده جملة الروايات التي أرّخها كل من هبّ ودبّ. والحقيقة أن الإنسان اليوم قد يصيبه الشك بما يخص الدين، بسبب ما يتم تداوله من أحداث تاريخية ومعارك دامية بعد فترة النبوة؛ فهي تُسقط مبدأ الدين الحنيف (البنيان المرصوص، التسامح الديني، قضية الميثاق مع الله). ثم يأتي أحدهم ليكتب أن الإسلام ما زال بخير، ولا أعلم عن أي إسلام يتحدثون

انقراض العرب... وما لا يعلمه الكثير أن العِرق العربي قد انقرض رسميًا بسقوط الدولة الأموية. وهذا يعود إلى العديد من الأسباب، ومنها تلك المصاهرات مع غير العرب التي تخص وُلاة الأمر، وهو ما فتح الباب لغير العرب في المساهمة في اتخاذ القرارات التي كانت لها نتائج كارثية ما زلنا نعيشها إلى يومنا هذا. فهناك علاقة طردية: (لا عرب بلا إسلام، ولا إسلام بلا عرب). فهم عرّابو الدين وحماته وأمناؤه. وقد تُغضب هذه الكلمات الكثير، ولكنها الحقيقة.

القضية الفلسطينية... منذ سنوات مضت كنا نتحدث عن أحقّيتنا في إقامة دولة فلسطينية، لكننا اليوم نتحدث فقط عن غزة، تلك المساحة الصغيرة من وطننا الكبير.

من البداية، أخذت هذه القضية منحى قوميًّا ودينيًّا، وكلهم كاذبون فيما يدّعون. وهنا أستشهد بمقولة الدكتور أحمد جارالله ياسين، أستاذ الأدب العربي في كلية الآداب/جامعة الموصل، عندما سُئل عن القضية الفلسطينية فأجاب بوصف رائع:

"إن القضية الفلسطينية عبارة عن ملفات تملأ رفوف الأمم المتحدة."

وفي هذا وصف صريح للحالة المزرية التي نحن عليها اليوم، وتجسيد للروح الانهزامية تجاه قضايا الأمة.

الجميع في هذه القضية كاذبون. وهنا يجب الاستشهاد بحادثة تُروى عن عبقرية السياسة العراقية في العصر الحديث، وتتجسد في شخصية الباشا نوري سعيد، رئيس الوزراء في العهد الملكي. عندما عجّت المظاهرات شوارع بغداد وارتفعت الهتافات مع بدايات القضية الفلسطينية: "ودّونا للجبهة نقاتل"، أمر الباشا أن يُنقل جميع من كان يهتف إلى أرض المعركة. عندها تغيّر الهتاف ليصبح: "رجعونا نتشاقه وياكم". وفي هذا دلالة على كذب الشعارات التي نتبناها في الحياة. ومن هنا تبدأ الحكاية: فعندما لا يكون لك إيمان بما تقول، فلن يكون لك موقف يذكره التاريخ؛ ولا تاريخ لمن لا يملك الإرادة في تحقيق ما يحلم به.

وإذا ما أجريت مسحًا على مواقع التواصل، ترى هناك أسودًا في الشعارات التي تُكتب هنا وهناك. ولكن الغريب أن الجميع يتحدث عن المشكلة، ولم أرَ أحدًا يقدم الحل لما يتحدث عنه. فاليوم أبناء غزة يحدق الموت بهم، والجميع منشغلون بمصطلح: "يمعود أريد أعيش". ولهؤلاء أقول: لا بارك الله بكم ولا بعيشكم؛ فأنتم من قيل فيهم:

{كالأَنعام بل هم أضل سبيلاً} صدق الله العظيم.

فهي مسألة وقت فقط، وسوف يُقاد الجميع إلى المذبح قرابين للشيطان: اليوم هم، وغدًا أنتم.

الخلاصة... ألا نتحدث عمّا لا نستطيع فعله، والمضي في تبنّي موقف موحّد بغضّ النظر عن الاتجاه الذي سوف يُتَّبع، وعدم الانقياد خلف الأطماع البشرية. فالعرب والمسلمون من خلفهم مثلهم مثل حبات المسبحة؛ إذا ما انفرط عقدها فلن يبقى للإسلام هيبته ولا للعرب مكانتهم بين الأمم. والغريب أن غير العرب يرى في العرب نقصانًا في صورته، وقد نسي أن النبي الذي يؤمنون به عربي، وأن القرآن قد نزل بلسان عربي. واليوم ترى الكثير منهم يعادي العرب ويحاول النيل منهم. ومن أصل هذه الفكرة خرج فكر الخوارج، الذي ساهم في هدم أركان الدين – إذا ما كنتم لا تعلمون.

الأربعاء، 13 أغسطس 2025

مقال

 قلم ومشروع ثقافي

تحت عنوان

ثقافة معاصرة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



في عصر الثقافة السمعية والمرئية، هل مات القلم؟ وهل لم يعد هناك مكان لذوي الألباب؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، يجب أن تكون هناك رؤية كاملة للمشهد الثقافي، ومعرفة القضايا التي ساهمت في تغييب دور الوعي الثقافي. فهناك فارق كبير بين من يملك الثقافة ومن يملك الوعي، والفوارق هنا شاسعة إلى حدٍّ كبير. وما سوف يُكتب هنا ليس من باب الغيرة الأدبية، لأنني أدرك جيدًا من أكون وما أمتلكه من أدوات للتعبير الإدراكي.

 

الوهم الثقافي ... الكثير اليوم ممن يظنون أنهم أصحاب أقلام هم في حقيقة الأمر مدّعو الثقافة أو متطفلون، حتى أولئك الذين يقومون بإصدار كتب لا يشتريها أحد، فيضطرون إلى أسلوب الإهداء كنوع من الإعلان على أنهم أدباء أو شعراء أو قصّاصون. ولكن الأمر بعيد كل البعد عن تلك المهاترات العبثية. فأحدهم يكتب موضوعًا أو موضوعين، وقد يصل الأمر إلى عشرة، فيشرع في طباعة كتاب ظنًّا منه أنه بلغ مستوى يجعل منه قلمًا يُشاد به بالبنان. والغريب في الأمر أن أمه التي ولدته لا تعرف أنه يمارس الكتابة، وكل ذلك بسبب المجاملات من بعض المنتفعين من هذه المشاريع الوهمية بغرض الربح.

 

الصراع في الأوساط الأدبية ... هي إحدى الظواهر المنتشرة هذه الأيام، فترى أحدهم في المجلس يعلن عن نفسه أنه محكِّم أدبي، ويطلق الأحكام على هذا وذاك في بعض الأقوال التي لا تليق بحامل القلم، الذي أراه – في مذهبي – حامل شعلة النور. فيمضي في عملية "التكسير" على أسس هشّة لا تمت للثقافة بصلة. وما لا يعلمه الكثير أنه ليس هناك أديب أو مبدع بحد ذاته، بل هناك نصٌّ إبداعي بغض النظر عن كاتبه. وليس بالضرورة أن يكون صاحب التاريخ الطويل في الكتابة كاتبًا جيدًا طوال الوقت. ولهذا ترى أن مَن يقل لديهم الإبداع يمضون في تكسير التجارب من حولهم للاحتفاظ بأمجاد الماضي.

 

اللاهثون خلف الأضواء .... التباهي بما لا تملك أحد أسوأ الطباع البشرية منذ بداية الخليقة، وهي من الأمراض التي يعاني منها الأديب المعاصر. فترى البعض يبني علاقاته على أمل أن يكون تحت الأضواء من خلال نشر قصيدة أو إجراء مقابلة، بعيدًا عن المعايير الإبداعية لصاحب القلم. ولو أدرك هؤلاء قيمة الحرف، لعلموا أنه قد شُبِّه – فيما سبق – بصياغة الذهب. فقد يقول أحدهم "صياغة النص"، وفي هذا أمر عظيم لو كانوا يدركون. ولكن يبقى الواقع أسوأ مما يمكن تصوّره، حتى وصل هذا المرض إلى الأوساط الإعلامية في التعامل مع الشخصيات الثقافية، فصار عملهم مبنيًّا على المجاملات على حساب الإبداع الأدبي، وهذا يعود إلى افتقار القائمين على تلك البرامج إلى الأصول الثقافية.

 

أسس إقامة مشروع ثقافي ... كتاب، أو مجلة، أو موقع إلكتروني، كلها مشاريع ثقافية، ولكل منها قواعد يجب الالتزام بها، ومنها أن يكون هناك هدف وغاية واضحة يجب إدراكها من خلال هذا العمل، على أن تكون سامية ونبيلة، بعيدة عن الأهداف المادية. ولكي يتحقق ذلك، يجب أن يتمتع صاحب المشروع بمزايا أساسية، منها: الالتزام بمبدأ وعدم التخلي عنه، والإيمان الصادق بما يقوم به، والابتعاد عن مبدأ التباهي أمام العامة بكونه صاحب مشروع. وما لا يعلمه الكثير أن كثيرًا ممن سبقونا كانوا من الشخصيات المضحية التي ذاقت ما ذاقت من أجل إثبات حضورها في المشهد، فلم يجاملوا سلطة ولا تغزّلوا برئيس تحرير مجلة بغرض النشر. ولهذا تجد أثرهم حاضرًا إلى اليوم، لأنهم فقط أدركوا قواعد وأسس بناء المشروع الثقافي.

 

الخلاصة ... يتساءل الكثير اليوم عن سبب عزوفي عن حضور التجمعات الأدبية أو الظهور في الإعلام. والسبب هو قرافة المشهد الثقافي المليء بالأمراض النفسية والقرف، الذي يجعلك شخصًا آخر عند حضورك بينهم، ويضطرك لأن تجعل ذاتك نسخة من صورة لا تليق بالقلم. فصاحب القلم هو نبيّ الإنسانية، ومن الطبيعي أن يكون هناك "أنبياء" كاذبون بيننا اليوم.

 

الجمعة، 8 أغسطس 2025

مقال

 في الأصول والأنساب

تحت عنوان

عشيرة الأوادم نموذجًا

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



يكثر هذه الأيام الحديث عن أصالة العروق العشائرية، والغريب أن كل من تسأله اليوم يقول لك: "أنا أصلي سيد"، أي أن جده رسول الله. ولو نظرتَ إلى أعمالهم اليوم، والله لو كان جدُّه أبو لهب ما فعل فعله! والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه: إذا كان الجميع "سادة" كما يدّعون، فأين أبناء الجواري والغلمان؟

وما لا يعرفه القارئ أن من سوء الأخلاق أن تفتخر أمام العامة بأنك "سيد"، فيكون المقابل "عبد"، وهي من باب الاستعلاء على الآخرين، وهذه ليست من أخلاق الأصول النبيلة كما كانوا يرددون، ولن تكون في موضع حسن عندها.

قال رسول الله ﷺ: "كلكم لآدم وآدم من تراب"، وصدق رسول الله وكذبوا هم، فكل الكتب السماوية لم تذكر أن أحدًا خُلق غير سيدنا آدم أبي البشرية. وحتى بعد الطوفان، كان من نجا من ذريته. ولكن لم يدرك هذا أحد، فنرى اليوم التقسيمات العرقية وقد وصل الحد عند الأغبياء إلى الانتقاص من سواهم، وهم لا يعلمون أننا لو راجعنا التاريخ، لما وجدنا عرقًا واحدًا نقيًّا على هذه الأرض، فهي كلها دماء رجل واحد.

عشيرة الأوادم هي من أرقى العشائر التي عرفتها البشرية، وقد ورد ذكرها في التراث الشعبي، فحين يُوصَف عمل جيّد يُقال: "أدمي ابن أوادم"، في إشارة إلى حسن الخلقة التي خُلق عليها آدم عليه السلام، ويكون هنا المصدر الأصل الطيب. فما فائدة أن يكون جدك محمد، وأفعالك يزينها القبح والسوء؟ فأصلك هذا لن يشفع لك، ولن يكون لك فيه شيء يُذكر.

أصلك عملك... الغريب أن كل "السادة" اليوم لم يقرأوا شيئًا عن سيرة جدهم – إذا ما صدقوا في ادعائهم – فلم يكن غليظ القلب، ولا لعّانًا أو شتّامًا، ولم أقرأ نصًا واحدًا أنه نكّل بأحد من المسلمين أو غير المسلمين. بل كان على عكس ما يدّعون: لطيفًا، ودودًا، رحيمًا، صادقًا، أمينًا، قبل أن يكون نبيًّا. فمن غير المعقول أن يكون له أحفاد صفاتهم تنحصر ما بين: قاطع رحم، وكاذب، ولص، وخائن، وغشاش، ومنافق. وكل ما ذكرتُ هي صفات العامة في يومنا هذا.

كيف تكون من الأصول النبيلة؟ ... الأمر في غاية البساطة وأكثر مما تتصور، ويكمن في معرفة سر وجودك على هذه الأرض، وما المطلوب منك، وما عليك. عندها ستدخل حيز العشيرة الأكثر قبولًا عند أهل السماء. وإذا فعلت هذا، سيكون لك مكانة أعظم مما قد تحصل عليه عندما تخبر الناس من جدك، ولو كان رسول الله. وسأعيدها: "فمحمد قد مات"، فماذا عنك أنت؟ وهل تستحق أن يخلقك الله وتكسر توقعات الملائكة أمامه؟ أم ستجعل الله في حرج مما ردد أمام الملائكة؟ والمغفلون في يومنا لا يدركون أن في هذه النقطة يكمن سر غضب الله.

وفيما كتبتُ، أشهد الله أنني لم أرد كسرًا أو طعنًا في نسب أحد، ولكنني أرى أن عشيرة الأوادم هي الأرقى والأبقى عروقًا من أي عشيرة في يومنا هذا. كان لا بد من تصحيح مسار فكري لدى العامة في تبني أيديولوجية يبغضها الله ورسوله. فقد كان هذا عمل الأنبياء فيما سبق، لكنه اليوم من مهام أصحاب الأقلام، الذين نشهد تقاعسهم عن أداء هذه الأمانة. والمجتمع اليوم بأمس الحاجة إلى ظهور شخصيات تتبنى التحديث الفكري، ولا حرمانية في ذلك.

الخلاصة ... من الأمور الخارجة عن إرادة البشر اختيار ابن مَن تكون، فلا تُحمّلوا الناس ما لم يكن لهم فيه حول ولا قوة. ويقتضي التنويه أن ما كتب هنا ليس هجومًا على من يدّعون أن نسبهم يعود إلى رسول الله، وذلك لأنني من الناس الذين يعود نسبهم إلى الباحة النبوية، ومن غير المعقول أن أهاجم ذاتي. ولكن بسبب أصلي كان لا بد من اتخاذ منهج كتابة كلمة الحق حتى ولو كانت على نفسي، وأعتبر هذا قمة الأخلاق النبيلة من وجهة نظري.

الأربعاء، 6 أغسطس 2025

مقال

 ما حدث بالأمس

تحت عنوان

إرهاصات التديّن الخاطئ

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



كم هو غريب هذا البشر الذي خلقه الله، في ما يفعل وما يتقوّل على الله. وكتمهيد للموضوع، يجب الاستشهاد بحكاية حدثت معي: سألني أحد الأشخاص قبل فترة: (لماذا تسقط القدسية عن الذين كانوا حول رسول الله ﷺ؟) وكنت أملك الإجابة، فمن غير المعقول أن يكون مثلي لا يملك التبرير لما يقول.

فأجبته: (إنّ كل من عاصر الرسول آنذاك، كانوا أناسًا عملوا لينقذوا أنفسهم من جهنم، ولم تكن في حساباتهم أن يكون هناك من يحمل له قدسية قد تساوي قدسية رسولنا الكريم محمد ﷺ).

فإذا كان هذا حال من عاصروا تلك الفترة ــ في رأيي ــ فكيف تريد مني اليوم أن أُحوِّل نفسي إلى جلدٍ، وأمنح نفسي قدسية فيما أقول؟

وما كان من تعليقات مسيئة إلى حد كبير، لم تكن سوى إرهاصات التديّن الخاطئ. ومع احتفاظي بمستوى التقدير والاحترام للجميع، فقد كانت هناك تعليقات تُعدّ كارثة في رسم ملامح الدين القويم، وسأوضح الأسباب التي ساهمت في صناعة عنوان المقال، ومنها:

أنبياء ما بعد الرسول... قال تعالى: "وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ" صدق الله العظيم.

وإذا كان هذا كلام الله عزّ وجلّ لرسوله الكريم، وهو سيد الخلق، وفيه إشارة إلى أن عملك هو تبليغ الدعوة فقط دون تجاوز هذا الدور، فماذا عنك أنت اليوم، حين تأخذ دور الجلّاد، وتتقوّل على ذاك، وتصف آخر بأوصاف قد تؤخذ عليك أمام الله؟

ودليلي في هذا ما كان يفعله سيدنا محمد ﷺ، وكما تدّعون أن قدوتكم هو رسول الله ــ وأشكّ في ما تدّعون ــ فقد كان في المدينة، ويعلم علم اليقين بالمنافقين بين جموع المسلمين، ولكن لم نقرأ نصًا واحدًا عنه أنه شهّر بأحد. وهو من هو! فتأتي أنت، فتضرب بالغيب، وتطلق الآراء بأن هذا لا يصلح، وأنك تريد خير هذه الأمة.

وأنا أقول لك، وأنا أتحمل وزر ما سوف أقول أمام الله: فوالله وتالله، إنّ ما جعل الإسلام بهذه الصورة الهشّة، هي آراء تُبنى على إرهاصات التديّن، الذي لبس اليوم ثوب العدائية ضد الإنسان. وذلك الإنسان الذي يريد الله ــ بشتى السبل ــ أن يغفر له وأن يدخله برحمته، بينما أنت اليوم، وبما تفعل، تُبعده عن الله.

كيف يجب أن تكون متديّنًا؟

من منا لا يفرح قلبه ببراءة شخص متديّن؟

ولكن هنا السؤال: من هو المتديّن؟

والإجابة يجب أن تكون بشكل سليم، لا يُغضب الله، ولا يجعل الناس تنفر من دين الله. وفي البداية يجب تعريف "الدين": هو العلاقة الشخصية بين الإنسان وخالقه، وهو أساس تنظيم هذه العلاقة. أما أن تجعل نفسك مرة نبيًّا، ومرة أخرى ربًّا، فتعمل بما أوكل الله لنفسه، فذاك مصيبة لا يُدركها الكثير، وقد ترتقي في بعض الأحيان إلى مستوى الشرك، والعياذ بالله.

وهنا أذكر سؤالًا طُرح عليّ سابقًا، مفاده: (لماذا نحن المسلمون نعيش في ضنك العيش، بينما المشركون ينعمون برغد العيش؟) والإجابة التقليدية الساذجة: أن هذه الحياة جنتهم. وهذا غير صحيح. لكنهم عملوا بمبدأ إلهيّ جاء في السيرة النبوية، وأدركوا أهمية هذا المبدأ، وهو: "تراحموا تُرحموا" وهنا لم يحدّد النص: هذا مسلم وهذا غير مسلم. والتراحم هنا يعني إدراك أن الإنسان ــ في قضية الذات الإلهية ــ هو الوسيلة والهدف. واحترام خلق الله نوعٌ من أنواع العبادة.

ولهذا، يجب أن نتّقي الله في خلقه. فلا نشتم، ولا نجرح، ولا نعيب. وإذا فعلنا هذا، سنكون في مكانة عند الله لا يعلمها الناس، وهي كبيرة عند الله. أما فيما يخصّ تعليقات الأمس على موضوع كتبته، فقد كانت "كلمة حق يُراد بها باطل". وقد يكون ما كُتب من باب الغيرة على أساسيات الدين الحنيف. ولكن ما لا يعلمه صاحب التعليق أن المسافة بين الإيمان والكفر، في بعض الأحيان، تكون بحجم شعرة! وقد يكون قد دخل من باب الغلو، وهذا ما نهى عنه ديننا الحنيف.

الخلاصة ... ما كُتب هنا ليس نقدًا للدين، ولا لشخصٍ معين، ولكن لمنهجية يتبنّاها كثير من المتديّنين في وقتنا الحالي. أما عن نصيحة أحد المعلّقين بأن "اتّقِ الله فيما تكتب"، فليَعلم أن لكلّ بشر في هذه الدنيا عطية يمنحها الله لمن يشاء، باختلاف نوعها، وأنّ الإنسان سوف يُسأل عنها. وأنا ما كتبت حرفًا يومًا إلا وكان الله شاهدًا عليه. وأحب أن أنهي قولي هذا بقول الله عزّ وجلّ: "قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" صدق الله العظيم.

مقال فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

  عمليات تتفيه العقل الجمعي تحت عنوان فضيحة جزيرة إبستين ( Little Saint James ) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين   في صباح ه...