قلم ومشروع ثقافي
تحت عنوان
ثقافة معاصرة
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
في عصر الثقافة السمعية والمرئية، هل مات القلم؟
وهل لم يعد هناك مكان لذوي الألباب؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، يجب أن تكون هناك
رؤية كاملة للمشهد الثقافي، ومعرفة القضايا التي ساهمت في تغييب دور الوعي
الثقافي. فهناك فارق كبير بين من يملك الثقافة ومن يملك الوعي، والفوارق هنا شاسعة
إلى حدٍّ كبير. وما سوف يُكتب هنا ليس من باب الغيرة الأدبية، لأنني أدرك جيدًا من
أكون وما أمتلكه من أدوات للتعبير الإدراكي.
الوهم الثقافي ... الكثير اليوم ممن يظنون أنهم أصحاب أقلام هم في حقيقة
الأمر مدّعو الثقافة أو متطفلون، حتى أولئك الذين يقومون بإصدار كتب لا يشتريها
أحد، فيضطرون إلى أسلوب الإهداء كنوع من الإعلان على أنهم أدباء أو شعراء أو
قصّاصون. ولكن الأمر بعيد كل البعد عن تلك المهاترات العبثية. فأحدهم يكتب موضوعًا
أو موضوعين، وقد يصل الأمر إلى عشرة، فيشرع في طباعة كتاب ظنًّا منه أنه بلغ مستوى
يجعل منه قلمًا يُشاد به بالبنان. والغريب في الأمر أن أمه التي ولدته لا تعرف أنه
يمارس الكتابة، وكل ذلك بسبب المجاملات من بعض المنتفعين من هذه المشاريع الوهمية
بغرض الربح.
الصراع في الأوساط الأدبية ... هي إحدى الظواهر المنتشرة هذه الأيام، فترى أحدهم في
المجلس يعلن عن نفسه أنه محكِّم أدبي، ويطلق الأحكام على هذا وذاك في بعض الأقوال
التي لا تليق بحامل القلم، الذي أراه – في مذهبي – حامل شعلة النور. فيمضي في
عملية "التكسير" على أسس هشّة لا تمت للثقافة بصلة. وما لا يعلمه الكثير
أنه ليس هناك أديب أو مبدع بحد ذاته، بل هناك نصٌّ إبداعي بغض النظر عن كاتبه.
وليس بالضرورة أن يكون صاحب التاريخ الطويل في الكتابة كاتبًا جيدًا طوال الوقت.
ولهذا ترى أن مَن يقل لديهم الإبداع يمضون في تكسير التجارب من حولهم للاحتفاظ
بأمجاد الماضي.
اللاهثون خلف الأضواء .... التباهي بما لا تملك أحد أسوأ الطباع البشرية منذ بداية
الخليقة، وهي من الأمراض التي يعاني منها الأديب المعاصر. فترى البعض يبني علاقاته
على أمل أن يكون تحت الأضواء من خلال نشر قصيدة أو إجراء مقابلة، بعيدًا عن
المعايير الإبداعية لصاحب القلم. ولو أدرك هؤلاء قيمة الحرف، لعلموا أنه قد شُبِّه
– فيما سبق – بصياغة الذهب. فقد يقول أحدهم "صياغة النص"، وفي هذا أمر
عظيم لو كانوا يدركون. ولكن يبقى الواقع أسوأ مما يمكن تصوّره، حتى وصل هذا المرض
إلى الأوساط الإعلامية في التعامل مع الشخصيات الثقافية، فصار عملهم مبنيًّا على
المجاملات على حساب الإبداع الأدبي، وهذا يعود إلى افتقار القائمين على تلك
البرامج إلى الأصول الثقافية.
أسس إقامة مشروع ثقافي ... كتاب، أو مجلة، أو موقع إلكتروني، كلها مشاريع ثقافية،
ولكل منها قواعد يجب الالتزام بها، ومنها أن يكون هناك هدف وغاية واضحة يجب
إدراكها من خلال هذا العمل، على أن تكون سامية ونبيلة، بعيدة عن الأهداف المادية.
ولكي يتحقق ذلك، يجب أن يتمتع صاحب المشروع بمزايا أساسية، منها: الالتزام بمبدأ
وعدم التخلي عنه، والإيمان الصادق بما يقوم به، والابتعاد عن مبدأ التباهي أمام
العامة بكونه صاحب مشروع. وما لا يعلمه الكثير أن كثيرًا ممن سبقونا كانوا من
الشخصيات المضحية التي ذاقت ما ذاقت من أجل إثبات حضورها في المشهد، فلم يجاملوا
سلطة ولا تغزّلوا برئيس تحرير مجلة بغرض النشر. ولهذا تجد أثرهم حاضرًا إلى اليوم،
لأنهم فقط أدركوا قواعد وأسس بناء المشروع الثقافي.
الخلاصة ... يتساءل الكثير اليوم عن سبب عزوفي عن حضور التجمعات
الأدبية أو الظهور في الإعلام. والسبب هو قرافة المشهد الثقافي المليء بالأمراض
النفسية والقرف، الذي يجعلك شخصًا آخر عند حضورك بينهم، ويضطرك لأن تجعل ذاتك نسخة
من صورة لا تليق بالقلم. فصاحب القلم هو نبيّ الإنسانية، ومن الطبيعي أن يكون هناك
"أنبياء" كاذبون بيننا اليوم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق