في الأصول والأنساب
تحت عنوان
عشيرة الأوادم نموذجًا
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
يكثر هذه الأيام الحديث عن أصالة العروق العشائرية،
والغريب أن كل من تسأله اليوم يقول لك: "أنا أصلي سيد"، أي أن جده رسول
الله. ولو نظرتَ إلى أعمالهم اليوم، والله لو كان جدُّه أبو لهب ما فعل فعله!
والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه: إذا كان الجميع "سادة" كما يدّعون، فأين
أبناء الجواري والغلمان؟
وما لا يعرفه القارئ أن من سوء الأخلاق أن تفتخر أمام
العامة بأنك "سيد"، فيكون المقابل "عبد"، وهي من باب
الاستعلاء على الآخرين، وهذه ليست من أخلاق الأصول النبيلة كما كانوا يرددون، ولن
تكون في موضع حسن عندها.
قال رسول الله ﷺ: "كلكم لآدم وآدم من تراب"،
وصدق رسول الله وكذبوا هم، فكل الكتب السماوية لم تذكر أن أحدًا خُلق غير سيدنا
آدم أبي البشرية. وحتى بعد الطوفان، كان من نجا من ذريته. ولكن لم يدرك هذا أحد،
فنرى اليوم التقسيمات العرقية وقد وصل الحد عند الأغبياء إلى الانتقاص من سواهم،
وهم لا يعلمون أننا لو راجعنا التاريخ، لما وجدنا عرقًا واحدًا نقيًّا على هذه
الأرض، فهي كلها دماء رجل واحد.
عشيرة الأوادم هي من أرقى العشائر التي عرفتها البشرية،
وقد ورد ذكرها في التراث الشعبي، فحين يُوصَف عمل جيّد يُقال: "أدمي ابن
أوادم"، في إشارة إلى حسن الخلقة التي خُلق عليها آدم عليه السلام، ويكون هنا
المصدر الأصل الطيب. فما فائدة أن يكون جدك محمد، وأفعالك يزينها القبح والسوء؟
فأصلك هذا لن يشفع لك، ولن يكون لك فيه شيء يُذكر.
أصلك عملك... الغريب أن كل "السادة" اليوم لم
يقرأوا شيئًا عن سيرة جدهم – إذا ما صدقوا في ادعائهم – فلم يكن غليظ القلب، ولا
لعّانًا أو شتّامًا، ولم أقرأ نصًا واحدًا أنه نكّل بأحد من المسلمين أو غير
المسلمين. بل كان على عكس ما يدّعون: لطيفًا، ودودًا، رحيمًا، صادقًا، أمينًا، قبل
أن يكون نبيًّا. فمن غير المعقول أن يكون له أحفاد صفاتهم تنحصر ما بين: قاطع رحم،
وكاذب، ولص، وخائن، وغشاش، ومنافق. وكل ما ذكرتُ هي صفات العامة في يومنا هذا.
كيف تكون من الأصول النبيلة؟ ... الأمر في غاية البساطة وأكثر مما تتصور، ويكمن في معرفة
سر وجودك على هذه الأرض، وما المطلوب منك، وما عليك. عندها ستدخل حيز العشيرة
الأكثر قبولًا عند أهل السماء. وإذا فعلت هذا، سيكون لك مكانة أعظم مما قد تحصل
عليه عندما تخبر الناس من جدك، ولو كان رسول الله. وسأعيدها: "فمحمد قد
مات"، فماذا عنك أنت؟ وهل تستحق أن يخلقك الله وتكسر توقعات الملائكة أمامه؟
أم ستجعل الله في حرج مما ردد أمام الملائكة؟ والمغفلون في يومنا لا يدركون أن في
هذه النقطة يكمن سر غضب الله.
وفيما كتبتُ، أشهد الله أنني لم أرد كسرًا أو طعنًا في
نسب أحد، ولكنني أرى أن عشيرة الأوادم هي الأرقى والأبقى عروقًا من أي عشيرة في
يومنا هذا. كان لا بد من تصحيح مسار فكري لدى العامة في تبني أيديولوجية يبغضها
الله ورسوله. فقد كان هذا عمل الأنبياء فيما سبق، لكنه اليوم من مهام أصحاب الأقلام،
الذين نشهد تقاعسهم عن أداء هذه الأمانة. والمجتمع اليوم بأمس الحاجة إلى ظهور
شخصيات تتبنى التحديث الفكري، ولا حرمانية في ذلك.
الخلاصة ... من الأمور الخارجة عن إرادة البشر اختيار ابن مَن تكون،
فلا تُحمّلوا الناس ما لم يكن لهم فيه حول ولا قوة. ويقتضي التنويه أن ما كتب هنا
ليس هجومًا على من يدّعون أن نسبهم يعود إلى رسول الله، وذلك لأنني من الناس الذين
يعود نسبهم إلى الباحة النبوية، ومن غير المعقول أن أهاجم ذاتي. ولكن بسبب أصلي
كان لا بد من اتخاذ منهج كتابة كلمة الحق حتى ولو كانت على نفسي، وأعتبر هذا قمة
الأخلاق النبيلة من وجهة نظري.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق