بحوث عن (الصحف والمجلات) نموذجًا
تحت عنوان
منهجية البحث العلمي في التاريخ
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
قبل فترة ليست ببعيدة، جرت في كلية الآداب مناقشة بحث
بعنوان:
"اتجاهات الدراسات الأندلسية في الاستشراق
الإسباني: مجلة القنطرة نموذجًا".
وقد انتمى هذا البحث إلى منهجية دراسة الكم في المناهج
التاريخية. وهنا تبرز الحاجة إلى تقديم تعريف لهذا النوع من الدراسة:
هي أحد الأساليب الكمية المندرجة ضمن مناهج البحث
التاريخي، وتعني توظيف الأرقام والإحصاءات والبيانات الرقمية في تحليل الظواهر
التاريخية، وذلك بهدف قياسها ومقارنتها واستخلاص النتائج الموضوعية منها. فهي لا
تكتفي بالسرد الوصفي أو التحليل الكيفي، بل تعتمد على حصر الظواهر (عدد السكان،
الضرائب، الوفيات، الإنتاج الزراعي، حجم التجارة، معدلات الهجرة، إلخ) وتحويلها
إلى معطيات كمية قابلة للمعالجة الإحصائية، مما يتيح للباحث الوصول إلى نتائج أكثر
دقة وموضوعية، وتفسير التغيرات التاريخية في ضوء مؤشرات كمية قابلة للقياس.
غير أنّ ما دفعني لكتابة هذا المقال هو طرح رؤية مغايرة
لكتابة منهجية بحث جديدة، تقوم على الرؤية التاريخية لا على المنهج الكمي فحسب، أي
صياغة منهج يجمع بين معايير أكاديمية صارمة وبين أدوات تحليلية تستند إلى طبيعة
المصادر التاريخية. وهنا يبرز دور الصحف والمجلات بوصفها مصدرًا ثريًا للدراسة،
لما تحمله من دلالات نوعية وكمية ترتبط بالظرف السياسي والثقافي والاجتماعي الذي
صدرت فيه.
ومن هذه الرؤية، يمكن للباحث أن ينطلق من عدة محاور
رئيسة:
أولاً: المرجعيات
لكل صحيفة أو مجلة مرجعية ثقافية وسياسية تحدد مسارها
وملامح خطابها التحريري. ومن هنا يكون على الطالب العودة إلى الأصول والبنية
الأولى لتأسيسها. وتنقسم المرجعيات عادة إلى نوعين:
مرجعيات حكومية:
وهي التي تنطق باسم الدولة وتوجّهها السياسي، وتخضع
لتغيّر النظام الحاكم وتبدّل سياساته.
مرجعيات مبدئية أو عقائدية:
وهي التي تعبّر عن تيارات فكرية أو عقائدية بمختلف
مسمياتها، وتندرج ضمن الإطار التاريخي المرتبط بتلك العقائد، مما يفرض على الباحث
التعمق في جذورها لفهم طبيعة المادة المنشورة.
ثانياً: الخلفيات التاريخية
تنقسم هذه الخلفيات إلى محورين:
رئيس التحرير:
كثيرًا ما يُسقط رئيس التحرير رؤيته الفكرية أو السياسية
على المجلة أو الصحيفة، فيجعل منها منبرًا للتعبير عن اتجاه محدّد قد يكون مرتبطًا
بحدث تاريخي أو رؤية تراكمية شخصية.
الأقلام الكاتبة:
وهي تمثل الخلفية الفكرية للمجلة أو الصحيفة. ففي
المجلات المستقلة، تتيح هذه الأقلام مجالًا رحبًا للباحث للتقصي عن الخلفيات
الفكرية والسياسية للكتاب، في حين أن الصحف الرسمية أو الأكاديمية غالبًا ما تفرض
قيودًا تجعل المادة المنشورة ذات طابع مؤسساتي.
ثالثاً: الحوادث التاريخية
كثيرًا ما تغيّر الأحداث الكبرى، مثل الانقلابات السياسية
أو الحروب، مسار صحيفة أو مجلة. فقد تؤدي إلى إغلاقها أو تغيير توجهها أو حتى فتح
المجال أمام مشاريع جديدة للنشر. وهنا يجد الباحث مادة خصبة للتعمق في دراسة
العلاقة بين الحدث التاريخي والتحول الإعلامي، مما يفتح آفاقًا واسعة لفهم
التفاعلات بين التاريخ والإعلام.
الخاتمة
إن المادة البحثية تمرّ بدورة حياتية، ويمكن تطويرها
باستمرار من خلال طرح رؤى جديدة ونقاط إبداعية، حتى لو جاءت أحيانًا من خارج
الإطار الأكاديمي التقليدي. فالتجديد في المناهج البحثية أمر ضروري، ما دام يحافظ
على هيبة البحث العلمي وصرامته المنهجية. ومن هنا، يصبح تطوير أدوات البحث ومناهجه
حقًا مشروعًا لكل باحث يسعى إلى خدمة الطالب والأستاذ معًا، وفتح آفاق جديدة أمام
الدراسات التاريخية والأكاديمية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق