بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 6 أغسطس 2025

مقال

 ما حدث بالأمس

تحت عنوان

إرهاصات التديّن الخاطئ

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



كم هو غريب هذا البشر الذي خلقه الله، في ما يفعل وما يتقوّل على الله. وكتمهيد للموضوع، يجب الاستشهاد بحكاية حدثت معي: سألني أحد الأشخاص قبل فترة: (لماذا تسقط القدسية عن الذين كانوا حول رسول الله ﷺ؟) وكنت أملك الإجابة، فمن غير المعقول أن يكون مثلي لا يملك التبرير لما يقول.

فأجبته: (إنّ كل من عاصر الرسول آنذاك، كانوا أناسًا عملوا لينقذوا أنفسهم من جهنم، ولم تكن في حساباتهم أن يكون هناك من يحمل له قدسية قد تساوي قدسية رسولنا الكريم محمد ﷺ).

فإذا كان هذا حال من عاصروا تلك الفترة ــ في رأيي ــ فكيف تريد مني اليوم أن أُحوِّل نفسي إلى جلدٍ، وأمنح نفسي قدسية فيما أقول؟

وما كان من تعليقات مسيئة إلى حد كبير، لم تكن سوى إرهاصات التديّن الخاطئ. ومع احتفاظي بمستوى التقدير والاحترام للجميع، فقد كانت هناك تعليقات تُعدّ كارثة في رسم ملامح الدين القويم، وسأوضح الأسباب التي ساهمت في صناعة عنوان المقال، ومنها:

أنبياء ما بعد الرسول... قال تعالى: "وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ" صدق الله العظيم.

وإذا كان هذا كلام الله عزّ وجلّ لرسوله الكريم، وهو سيد الخلق، وفيه إشارة إلى أن عملك هو تبليغ الدعوة فقط دون تجاوز هذا الدور، فماذا عنك أنت اليوم، حين تأخذ دور الجلّاد، وتتقوّل على ذاك، وتصف آخر بأوصاف قد تؤخذ عليك أمام الله؟

ودليلي في هذا ما كان يفعله سيدنا محمد ﷺ، وكما تدّعون أن قدوتكم هو رسول الله ــ وأشكّ في ما تدّعون ــ فقد كان في المدينة، ويعلم علم اليقين بالمنافقين بين جموع المسلمين، ولكن لم نقرأ نصًا واحدًا عنه أنه شهّر بأحد. وهو من هو! فتأتي أنت، فتضرب بالغيب، وتطلق الآراء بأن هذا لا يصلح، وأنك تريد خير هذه الأمة.

وأنا أقول لك، وأنا أتحمل وزر ما سوف أقول أمام الله: فوالله وتالله، إنّ ما جعل الإسلام بهذه الصورة الهشّة، هي آراء تُبنى على إرهاصات التديّن، الذي لبس اليوم ثوب العدائية ضد الإنسان. وذلك الإنسان الذي يريد الله ــ بشتى السبل ــ أن يغفر له وأن يدخله برحمته، بينما أنت اليوم، وبما تفعل، تُبعده عن الله.

كيف يجب أن تكون متديّنًا؟

من منا لا يفرح قلبه ببراءة شخص متديّن؟

ولكن هنا السؤال: من هو المتديّن؟

والإجابة يجب أن تكون بشكل سليم، لا يُغضب الله، ولا يجعل الناس تنفر من دين الله. وفي البداية يجب تعريف "الدين": هو العلاقة الشخصية بين الإنسان وخالقه، وهو أساس تنظيم هذه العلاقة. أما أن تجعل نفسك مرة نبيًّا، ومرة أخرى ربًّا، فتعمل بما أوكل الله لنفسه، فذاك مصيبة لا يُدركها الكثير، وقد ترتقي في بعض الأحيان إلى مستوى الشرك، والعياذ بالله.

وهنا أذكر سؤالًا طُرح عليّ سابقًا، مفاده: (لماذا نحن المسلمون نعيش في ضنك العيش، بينما المشركون ينعمون برغد العيش؟) والإجابة التقليدية الساذجة: أن هذه الحياة جنتهم. وهذا غير صحيح. لكنهم عملوا بمبدأ إلهيّ جاء في السيرة النبوية، وأدركوا أهمية هذا المبدأ، وهو: "تراحموا تُرحموا" وهنا لم يحدّد النص: هذا مسلم وهذا غير مسلم. والتراحم هنا يعني إدراك أن الإنسان ــ في قضية الذات الإلهية ــ هو الوسيلة والهدف. واحترام خلق الله نوعٌ من أنواع العبادة.

ولهذا، يجب أن نتّقي الله في خلقه. فلا نشتم، ولا نجرح، ولا نعيب. وإذا فعلنا هذا، سنكون في مكانة عند الله لا يعلمها الناس، وهي كبيرة عند الله. أما فيما يخصّ تعليقات الأمس على موضوع كتبته، فقد كانت "كلمة حق يُراد بها باطل". وقد يكون ما كُتب من باب الغيرة على أساسيات الدين الحنيف. ولكن ما لا يعلمه صاحب التعليق أن المسافة بين الإيمان والكفر، في بعض الأحيان، تكون بحجم شعرة! وقد يكون قد دخل من باب الغلو، وهذا ما نهى عنه ديننا الحنيف.

الخلاصة ... ما كُتب هنا ليس نقدًا للدين، ولا لشخصٍ معين، ولكن لمنهجية يتبنّاها كثير من المتديّنين في وقتنا الحالي. أما عن نصيحة أحد المعلّقين بأن "اتّقِ الله فيما تكتب"، فليَعلم أن لكلّ بشر في هذه الدنيا عطية يمنحها الله لمن يشاء، باختلاف نوعها، وأنّ الإنسان سوف يُسأل عنها. وأنا ما كتبت حرفًا يومًا إلا وكان الله شاهدًا عليه. وأحب أن أنهي قولي هذا بقول الله عزّ وجلّ: "قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" صدق الله العظيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...