بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 26 أغسطس 2025

مقال

 كيف تميز الرجال

تحت عنوان

ما لا يُجرى أن يُقال أو يُكتب

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



من بديهيات الحياة أنَّه عندما يولد الإنسان يُحدد جنسه في الأوراق الحكومية بين ذكر وأنثى، وهذه هي الحقيقة الوحيدة في أصل الموضوع. ولكن اكتساب لقب رجل وامرأة يخضع لمعايير قد تغيب عن أيديولوجية الجميع في الفهم.

الرجولة في الثقافة العربية ... وفي ساحة المفاهيم العربية للرجولة يخضع المصطلح لعدد من المعايير المتعددة منها (الكرم والسخاء)، وفي التراث هناك حكايات تعزز مصداقية المصطلح في العرب. فإذا ما أردنا مثالًا حيًّا لغاية وقتنا الحالي يكون (حاتم الطائي) الذي اشتهر بكرمه عبر التاريخ. وبعدها تأتي (الشجاعة)، وهذه الصفة تكون مقترنة بصفة (الكرم)، فلن تجد شخصًا واحدًا شجاعًا قد يمتاز بالبخل، فهي علاقة طردية. وهنا تكون (المروءة وحفظ العهد)، وهي من أجمل ما قد يتحلى به الرجل في هذا الوقت، فهي تُعرف عند العامة اليوم (بالشهم)، وهي من الصفات التي تميز معادن الرجال. ليكون بعدها (النخوة ونصرة الضعيف)، وهذه الصفة من الصفات التي من الممكن أن تجعل الرجل في محيطه إلى درجة شخص نبيل. ومنها إلى (الحياء وضبط النفس)، وهذه الصفة يجب توفرها عند كل بني آدم، فليست المرأة وحدها تحتاج (الحياء)، وذلك بسبب أن هذه الميزة تكون بمثابة زينة لكل شخص يتحلى بها. وهنا تكون (الحكمة والرزانة)، وهي الصفة المكتسبة من خلال التجارب التراكمية لذوي العقول، إذا ما وُجدت العقول. ولنعود هنا إلى صفة (الغيرة على العرض والشرف)، وهذه هي ميزة العرب دون سواهم من شعوب الأرض، والذي يريد أن يميز العربي اليوم تكون هذه الصفة بمثابة بصمة فارقة دون سواهم. وفي النهاية (تحمل المسؤولية)، الرجولة هنا تعني أن يكون الرجل قادرًا على القيام بواجباته تجاه أهله ومجتمعه، فيتحمل الأعباء ولا يتهرب منها.

الرجل المعاصر ... وهو اليوم أسوأ نموذج قد تجده على مر الزمان، وذلك بسبب افتقاره إلى الصورة الجميلة التي تم عرضها في بداية الموضوع. ولنعد إلى عرض الصفات وما هي عليه اليوم. فلنبدأ بالكرم: فاليوم وبعد سيطرة المفاهيم المادية أصبح الرجل عبارة عن كتلة مجردة من القيم، وإن الكثير من المشاكل الاجتماعية اليوم سببها أن هذه الميزة عند الرجل لم يعد لها وجود يُذكر. وهذا ما جعل منه شخصًا بعيدًا عن الشجاعة، بسبب خوفه من المتطلبات المادية اليوم. وإذا ما أردنا أن نتكلم عن المروءة وحفظ العهد اليوم فحدِّث بلا حرج، فهناك الكثير منهم اكتسب الصفة النسائية في القيل والقال ونقله إلى شخص آخر بحجج واهية كدعوى المثالية الكاذبة فيما يدعون. وهذا ما دفع إلى انعدام (النخوة ونصرة الضعيف)، فبدأ الرجال يستبسلون اليوم في الإمعان بقهر الضعيف كان رجلًا أو امرأة، وهو ما تسبب في قتل العلاقات الإنسانية بين البشر. أمّا إذا ما تحدثنا عن (الحياء وضبط النفس) فهنا الطعنة القاتلة، فقد تحول الكثير منهم إلى كلاب سائبة تنهش لحوم البشر. وهذا ما استغلته بعض ضعيفات النفوس من النساء باستغلال مفاتنهن في تحقيق مكتسبات، ظنًا منهن أنهن جميلات، وهن جاهلات أن هؤلاء الرجال اليوم لو شاهدوا (كلبة) في الشارع لسال لعابهم عليها. فالقضية لها علاقة بالشهوات والرغبات الشخصية الشاذة. وبعد كل هذا فمن الطبيعي ألّا يكون هناك (الحكمة والرزانة)، فالحكمة زينة الرجل، والرزانة تكون السمة الظاهرة للرجل إذا ما حضر في المكان. وبعد كل ما ذكرت، لن يكون هناك رجل قادر على تحمل المسؤولية، فاليوم كل شخص يمتلك أهدافًا ورغبات بعيدة عن الجو العائلي والمجتمعي، ولن تجد أحدًا اليوم قادرًا على إدارة مجموعة من باب تحمّل المسؤولية.

وهنا لقد انتهى عصر الرجل الذي يحمل القيم التي ذكرتها في السطور الأولى، وبدأ عصر الانتهازيين والجبناء واللاهثين خلف شهواتهم المالية والجنسية. وهذا ما حوّل العالم بأسره إلى جانب آخر غير ما كان يُراد به في الذات الإلهية. فقد تحوّل العالم بأسره إلى حظيرة خنازير تتناحر فيما بينها من أجل البقاء. والصراع هنا ليس بالمفهوم المتعارف عليه، ولكن الصراع اليوم أخذ شكلًا ماديًا من أجل لقمة العيش. وبهذا، وبعد هذا العرض الموجز، تستطيع أن تميز الرجل إذا ما التقيت به، وإذا ما التقيت به فاعلم أنك محظوظ في هذا العالم، لأنك وجدت عملة نادرة نفتقدها هذه الأيام.

 الخاتمة ... الرجولة ليست صفةً تُمنَح بولادة الذكر، بل هي منظومة قيم وأخلاق ومسؤوليات جسام. وحينما تنهار هذه القيم، ينهار معها معنى الرجولة ويذوب الرجل في دائرة الماديات والرغبات الضيقة. إنّ العالم اليوم بأمسّ الحاجة إلى رجال حقيقيين يحملون الكرم والشجاعة والمروءة والنخوة والحياء والحكمة وتحمل المسؤولية. فوجود رجلٍ واحد بهذه المواصفات كافٍ لأن يعيد الأمل وسط هذا الخراب الإنساني. والرجولة الحقيقية، في نهاية المطاف، هي أن يكون المرء صادقًا مع نفسه، وفيًّا لعهوده، وعادلًا في مواقفه، ونبيلًا في إنسانيته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...