كتب مثيرة للجدل «معالم في الطريق» لسيد قطب
تحت عنوان
كسر عظم
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
اليوم لسنا بصدد الطعن بشخصية ولا التشكيك بإيمان أحدهم،
ولكن اليوم نحن بصدد كسر عظم منهجية كان لها نتائج كارثية على صعيد الساحة
الإسلامية، وهذا ما لا يستطيع أحد إنكاره. واليوم نحن بصدد الحديث عن كتاب حاول
تغيير عقيدة بأكملها، والذي يتخذ منه الذين يؤيدون ذلك الفكر أنه دستور لا يمكن
المساس به، وهذه من التوابع التي خلفتها تلك العقلية التي كُتبت بها منهجية ذلك
الكتاب.
والغريب أن معتنقي تلك المنهجية على قناعة أن لا أحد
يستطيع وضع المادة التي نتحدث عنها اليوم تحت المجهر، وإظهار عيوبها وتصحيح ما ورد
فيها، وهنا سوف نكسر أيضًا تلك القناعات المريضة، وسوف نتناول الكتاب من ناحية
أبوابه، مبينين رأي الكاتب وما أخطأ به.
مضمون الكتاب من وجهة نظر أصحابه ومن يتخذ هذا المنهج يرى أن الكتاب يمثل طفرة في عالم
الفكر الإسلامي الحديث، ينظم به أساليب رسم صورة الإسلام.
اما الحقيقية فهو كتاب نقل الفكر الدعوي المشكوك في أمره
منذ بداية تأسيس الحركة إلى ما يُعرف بالفكر الجهادي، واتخذت جماعات منحرفة كثيرة
منه منهجًا لتبويب أطماعهم السياسية.
وقد حاول الكاتب هنا إمكانية استنساخ الرعيل الأول من
فجر الدعوة الإسلامية، وأعتقد هنا أنه قد غفل عن معايير المكان والزمان والشخصيات،
وقد نسي أو تناسى أن فجر الدعوة كان هناك نبي بمعجزات مدعوم بالإرادة الإلهية.
ورغم هذا، لم تكن هناك صورة مثالية لما يرمي إليه، ولو
كان المجتمع وقتها كما يتصور الكاتب، ما كانت هناك حروب الردة.
ومع تغيّر الحضارة يكون هناك تغيّر في معطيات بناء جيل
قرآني بغير ما يتحدث عنه، فالكتاب قد غفل عن مسألة مهمة جدًا، وهي المبالغة في
مثالية النموذج المراد طرحه، متشبثًا بمن كان في تلك المرحلة، في عصر النبوة.
عندما تتحول التجربة إلى عقيدة ... وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية في هذا الكتاب، فالنص لا
يكتفي بقراءة تجربة تاريخية محددة، بل يحاول أن يحولها إلى نموذج قابل للاستنساخ،
وكأن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه بالصورة ذاتها، وكأن الإنسان الذي يعيش في القرن
العشرين أو الحادي والعشرين يمكن أن يُعاد تشكيله بالمعطيات ذاتها التي صنعت إنسان
القرن الأول الهجري. وهذه واحدة من أخطر الإشكالات المنهجية التي وقع فيها الكتاب،
لأنه لم يضع الفارق بين **النص المقدس والتجربة البشرية في التاريخ**، ولم يمنح
الزمان والمكان والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حقها في صناعة الإنسان
والمجتمع.
فالجيل الأول لم يكن مجرد مجموعة من الأشخاص قرأوا
القرآن فصاروا نموذجًا مكتملًا، وإنما كان نتاج ظروف تاريخية واجتماعية وروحية
وسياسية شديدة الخصوصية، وكان يعيش في ظل قيادة نبوية مباشرة. أما محاولة استحضار
ذلك النموذج خارج شروطه التاريخية، فهي ليست قراءة للتاريخ بقدر ما هي محاولة
لإعادة إنتاجه قسرًا.
والأخطر من ذلك أن تحويل تجربة تاريخية إلى **مقياس وحيد
للحكم على المجتمعات اللاحقة** يفتح الباب أمام تقسيم الناس إلى مجتمع إسلامي
حقيقي ومجتمع جاهلي، وهذه الثنائية ليست مجرد مصطلح عابر، وإنما يمكن أن تتحول إلى
أداة لإدانة المجتمع بأكمله، ثم إلى مبرر للقطيعة معه، وربما إلى اعتبار تغييره
واجبًا بأي وسيلة.
وهنا تكمن الخطورة التي لا ينبغي تجاهلها؛ لأن الفكر
عندما ينقل الإنسان من مرحلة النقد إلى مرحلة إدانة المجتمع، ثم يقنعه بأنه يمتلك
الحقيقة الكاملة، يصبح من السهل جدًا أن تتحول الفكرة من مشروع إصلاح إلى مشروع
صدام.
من نقد الواقع إلى إلغاء الواقع ... إن المشكلة في «معالم في الطريق» ليست في كونه كتابًا
نقديًا، فالنقد ضرورة لأي مجتمع، وإنما في طبيعة العلاقة التي أقامها الكتاب مع
الواقع. فالواقع عنده يبدو في كثير من المواضع وكأنه كتلة واحدة فاسدة تحتاج إلى
إعادة تشكيل وفق نموذج سابق، بدل أن يكون واقعًا معقدًا يحتاج إلى الإصلاح
التدريجي، وإلى فهم تناقضاته، وإلى التعامل مع أفراده باعتبارهم بشرًا لا مجرد
أرقام في معادلة فكرية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يمكن إصلاح المجتمع بإلغاء
واقعه؟ وهل يمكن بناء الإنسان الجديد بتجاهل علم الاجتماع والتاريخ والسياسة
والاقتصاد وتحولات المعرفة؟ وهل كل مجتمع لم يطابق النموذج المثالي يصبح بالضرورة
مجتمعًا جاهليًا؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تكشف حجم الإشكالية؛
لأن المجتمعات لا تُبنى بالحنين إلى الماضي وحده، ولا تُدار بمنطق الاستنساخ، ولا
يمكن أن تُعاد صياغتها بمجرد إطلاق الأحكام عليها.
والأشد خطورة أن بعض القراءات اللاحقة للكتاب لم تتعامل
معه بوصفه اجتهادًا فكريًا قابلًا للنقاش والمراجعة، وإنما حولته إلى نص مغلق،
وكأن مناقشة أفكاره خروج عن الدين ذاته. وهنا تتحول الفكرة من اجتهاد بشري إلى ما
يشبه المقدس، ويصبح صاحبها فوق النقد، ويصبح الكتاب فوق المراجعة، ويصبح أتباعه
أسرى لنص لا يسمح لهم حتى بالسؤال.
وهذه هي اللحظة التي يموت فيها الفكر؛ لأن الفكر الذي
يخاف من السؤال يتحول إلى عقيدة مغلقة، والعقيدة المغلقة عندما تدخل ميدان السياسة
قد تتحول إلى سلطة، وعندما تدخل ميدان الصراع قد تتحول إلى أداة إقصاء.
كسر العظم
الحقيقي ... لذلك فإن كسر العظم
الذي نقصده هنا ليس كسر شخص أو إسقاط قيمة كاتب، وإنما كسر تلك الهالة التي صُنعت
حول الكتاب، وإعادته إلى مكانه الطبيعي: **كتاب بشري كتبه بشر، ومن حق البشر أن
يقرأوه ويناقشوه ويختلفوا معه ويكشفوا مواطن القوة والخلل فيه.**
فليس من المنطق أن نطالب الناس بإعمال عقولهم في كل شيء،
ثم نضع كتابًا بشريًا في منطقة محرمة لا يجوز الاقتراب منها.
وإذا كان الكتاب قد فتح بابًا واسعًا للنقاش حول علاقة
الإسلام بالمجتمع والدولة والحاكمية والجاهلية، فإن هذا لا يمنحه حصانة من النقد،
بل على العكس، كلما كان تأثير الكتاب أكبر، أصبحت مسؤولية نقده أكبر.
فالكتب لا تُقدس لأنها اشتهرت، والأفكار لا تصبح صحيحة
لأنها وجدت أتباعًا، والتاريخ لا يتحول إلى دستور لمجرد أن أحدًا قرأه بهذه
الطريقة.
وهنا تحديدًا يبدأ **كسر العظم الحقيقي**... أن نكسر
أولًا وهم العصمة عن الفكرة، ثم نعيد العقل إلى مكانه، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث
لأي أمة ليس أن تختلف حول كتاب، وإنما أن تتوقف عن الاختلاف معه.
الخلاصة... سوف يشكك بما كُتب هنا أصحابه والتابعون لهذا الفكر، كما
فعل أحدهم حين قال لي: «إنك لم تقرأ وتكتب». وهذه حجة الضعيف عندما لا يجد ما
يُبطل ما أكتبه، فهذه دعوة لمن يعترض أن يردّ عليه بالحجة إذا ما استطاع ذلك، ولكن
لتكن هناك أدلة، لا مجرد «قال فلان» و«قال علان».
فنحن اليوم أمام منعطف تاريخي، يجب أن تكون هناك مصفاة
لتصفية الفكر الذي قد يهدم الدين بدل بنائه، وأن نمتلك الشجاعة الكافية للتمييز
بين ما يخدم الإسلام وما يسيء إليه، وبين الفكر الذي يدعو إلى الإصلاح والفكر الذي
قد يقود إلى الصدام والانغلاق.
إن احترام الكاتب لا يعني تقديس أفكاره، والاختلاف معه
لا يعني الإساءة إليه، كما أن نقد كتابه لا يعني الطعن بدينه أو شخصه. فالكتب تبقى
كتبًا، والأفكار تبقى أفكارًا، والميزان الحقيقي لها هو قدرتها على الصمود أمام
السؤال والنقد والدليل.
أما أن نضع كتابًا بشريًا في مرتبة لا يجوز الاقتراب
منها، ونمنع العقل من مساءلته، ونعتبر كل من يختلف معه جاهلًا أو منحرفًا، فهنا لا
نكون قد دافعنا عن الفكر، بل نكون قد أغلقنا أبواب الفكر.
ولهذا فإن معركتنا ليست مع سيد قطب كشخص، وإنما مع
منهجية وأفكار نرى أنها تستحق أن توضع تحت المجهر، وأن تُقرأ بعيدًا عن الهالة،
وأن تُناقش بعيدًا عن الخوف والتقديس. فما وافق الدليل نأخذه، وما أخطأ فيه الكاتب
نرده، وما يحتاج إلى مراجعة نراجعه، لأن الدين أكبر من أن يُختزل في قراءة رجل،
والإسلام أوسع من أن يكون أسيرًا لكتاب مهما بلغ تأثيره.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله بديننا أن نحوله
إلى منطقة محرمة على العقل، وأخطر ما يمكن أن نفعله بعقولنا أن نسلمها لكتاب ونمنع
عنها السؤال.
**فالفكر الذي لا يقبل النقد ليس فكرًا قويًا، والكتاب
الذي يخشى صاحبه من وضعه تحت المجهر ليس بحاجة إلى أتباع يدافعون عنه، بل إلى حجج
تدافع عنه... وهنا فقط يكون العقل قد بدأ مهمته الحقيقية.**
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق