معضلة القلم بين الأدب
والصحافة
تحت عنوان
صراعات عبثية
بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين
كثيرة هي الأسماء اليوم التي تتوزع بين الأدب
والصحافة، ولكن هل تلك الأقلام حقيقية أم لا؟
وهنا معضلة القضية: الحقيقة . وهنا نستشهد
بمقولة معززة للمقال مفادها: «العلوم مكاسب والفنون مواهب»، وكل شيء خارج هذا
المفهوم يُعتبر شذوذًا.
وفي وقت ما سألت الدكتور أحمد جارالله ياسين،
أستاذ الأدب العربي في كلية الآداب: ما رأيك في «البارون الأخير» شاعرًا؟ فكانت
الإجابة، كما عودنا منه، غير تقليدية: «إن البارون الأخير لا يحتاج لكتابة قصيدة،
لأنه قصيدة بحد ذاته» .
ولهذا القول دلالات تصب في أصل الفكرة، وهي أن
للقلم حياة يترجمها الكاتب بالحروف والكلمات، وغير ذلك يكون النص فاقدًا لأهم عنصر
من عناصره، وهي **روح النص** التي تتجسد في تجربة وجدانية عاشها الأديب أو الصحفي.
فالكثير من النتاج الأدبي الذي خلّده التاريخ كان عبارة عن ترجمة حياتية.
التجمعات لا تصنع القلم... نرى اليوم الكثير من
الأقلام تتهافت على مسألة الانضمام إلى الاتحادات والنقابات والحصول على هوية
العضوية، ولهذا ترى مدارس في المحاباة والمجاملات في تلك التجمعات، ما يضعف أداءها
في نوعية النتاج الأدبي.
وهذا يعود إلى بعض الأسباب، منها التباهي بهذه
الصفة أو الجري خلف المكاسب المادية. ولكن ماذا عن جودة النص؟ والإجابة تكون أنها
خارج حسابات تلك الجمعيات والنقابات، وهذا لا ينطبق فقط على جماعة الأدب والصحافة
والإعلام أيضًا.
فقبل مدة كنت متواجدًا في تجمع صحفي، فنظرت من
حولي، فوجدت أن جميع المتواجدين هم شخصيات مجهولة الاسم والشكل، وهذا ما يتنافى مع
أصل العمل؛ فمن يزاول مهنة الكتابة في المدينة هم شخوص معلومة، أعرفهم وقرأت لهم،
ولكن الحاضرين كانوا غير ذلك، وهذا ما يساهم في تعزيز نظرتي إلى الموضوع.
كيف تكون أديبًا أو صحفيًا... الموهبة هي
البداية والنهاية، وليس عيبًا أن لا تكون موهوبًا، ولكن العيب أن توهم من حولك
بحقيقة لا تملكها وهناك الكثير من الأسماء تملك الموهبة قبل شروعها في دخول تلك
التجمعات، مثل (الشاعر كرم الأعرجي، والدكتور أحمد جارالله، والدكتور حسام الطحان)
، وغيرهم الكثير ممن كان لهم الأثر الكبير في الحركة الثقافية في المدينة.
والغريب أن الكثير اليوم يرى أن توجيه الدعوات
لحضور مهرجانات أو مؤتمرات أو جلسات أدبية دليل على التميز، وهذا أمر عارٍ عن
الصحة؛ فالنصوص القيمة لا تحتاج إلى أن يُعلن عنها، فهي من تفرض نفسها على المجتمع
كنتاج إبداعي.
فكل الأسماء التي وردت في التاريخ، مثل امرئ
القيس أو عنترة، أو حتى في التاريخ الحديث أمثال نزار قباني وغيره الكثير، والتي
ذاع صيتها، كانت تجارب حياتية لم تكن تحتاج إلى تجمعات أو اتحادات لتقيمها كنوع من
الإبداع.
أما أن تكون قد أتقنت بعض مهارة معينة، كالعَروض
في الشعر، فهذا لا يصنع منك شاعرًا، وكذلك بقية أنواع الأدب؛ فللقلم حياة يجسدها
النص.
أما الصحافة والإعلام... فتلك تنضوي تحت مهارات
تتوزع ما بين الكتابة السمعية والبصرية، واليوم نرى الكثير ممن هم محسوبون على هذه
الفئة ليس لديهم مقال صحفي واحد، لا في جريدة ولا حتى على مواقع التواصل
الاجتماعي.
ولكن ما يوهم نفسه بأنه صحفي هي تلك الأخبار
العقيمة التي لا تتجاوز كلمة أو كلمتين، مثل: «تم رفع الراتب» أو «نزل الراتب» وبما
أن ذلك الأمر يشغل الكثير من الناس، يتصور أنه إعلامي أو صحفي، وهذا ما يوهمه بأنه
امتلك تلك الصفة.
المضمون... اليوم نرى انتشار المسوخ في عالم
الأدب والثقافة، الذين هم عبارة عن «بالونات» فارغة من المضمون الإبداعي، كل عملهم
الجري خلف القائمين على تلك التجمعات لنيل العضوية.
وهنا لا أريد فقط تجريم تلك الفئة، ولكن من ساهم
في رسم هذه الصورة هم أيضًا المسؤولون في الاتحادات والتجمعات، من خلال تنصيب
أنفسهم دهاة العصر والزمن فيما يخص نتاج القلم، والمعايير المزاجية في التعامل مع
المشهد الثقافي.
فالقلم الذي لا يطبل لهم هو قلم فاقد للأهلية
ولا يستحق تسليط الضوء عليه، وهذا يشمل الصحافة والأدب وهذه حقيقة، فالأمر برمته
مبني على نوعية العلاقات مع القائمين على تلك التجمعات، مما جعل هناك تراجعًا في
المستوى الأدبي.
فلا زلت أتذكر الأيام الأولى لتجربتي الكتابية،
حين قدمني الشاعر الدكتور مزاحم علاوي ، رحمه الله، كموهبة شابة للاتحاد في
تسعينيات القرن الماضي. لم يكن بيننا ما يسمى بالمحاباة أو المجاملات، فقد كنت
أعمل في كلية الآداب، وهو في كلية التربية، ورغم هذا كان الرجل يتصف بالعدالة
المفقودة هذه الأيام، التي يكون الحضور والاحتفاء فيها تحت شعار: «هذا نريدو وهذا
ما من جمعتنا» وهنا تكمن الكارثة، وهي المزاجية في التعامل مع النتاج الأدبي، مما
أضعف الحركة الأدبية في المدينة.
الطريق إلى القمة... لا يحتاج إلى هوية عضوية
وإنعاش الشعور السلطوي لبعض الشخصيات من خلال إعطائهم الشرعية، ولهذا ترى تهافتهم
على رئاسة تلك التجمعات.
ولكن ليكن هذا من خلال إثبات الاحترافية التي
يتمتع بها قلمك، حتى ولو كره الكارهون؛ فعدم اعتراف هؤلاء بك لا يسقط عنك صفة ولا
يمنحك إياها، ولكن نصوصك قد تمنحك الشرعية والحق في الكتابة.
أما الجري خلف فلان وعلان لتكون كاتبًا، فمضيعة
للوقت لا أكثر؛ فليس هناك متسع للجري خلف السراب.
فأعد ترتيب ذهنك لتقيّم موهبتك من خلال قراءتك
للنصوص والحياة، التي في الغالب تكون الرافد لتكوين نص أدبي أو صحفي يحظى
بالاحترام.
وهنا لا أدعو إلى مقاطعة تلك التجمعات، ولا ضرر
في التواصل معهم فقط للاطلاع، ولكن لا تجعل منها مرجعية لعملك الكتابي.
الخلاصة... قلمك يعتبر الدفّة لزورق في بحر
هائج، فلا تعطِ دفة زورقك لمن لا يرضى أن يطغى تميزك عليه، ففي ذلك نوع من الحماقة
التي لا تليق بك كأديب أو صحفي.
فالتميز لن يمنحه إلا قلمك وما يسطره من الإبداع
الفكري، عندها سوف تكون أكبر من تجمعات قائمة فقط على إعطاء الشرعية لوجهة نظرهم
من خلال وجودك، إلا من خلال بطاقة، وهي لن تجعل منك يومًا ما كاتبًا أو صحفيًا.
وهنا سوف يأتي أحدهم ليقول إن ما كُتب هنا هو
نتاج الذكاء الاصطناعي، لأقول له: **أمانة، توصل سلامي وتحياتي للذكاء الاصطناعي،
لأنه قد كتب حقيقة تخافونها.** وإذا ما قورنت كلماتي بما يكتبه الذكاء الاصطناعي،
فذلك أمر يدعو للفخر؛ لأني قد وصلت إلى مرحلة تتخطى حدود الاحترافية في الكتابة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق