بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

مقال

 

 الصحافة الموصلية والعجوز الخرف

تحت عنوان

تصدير التفاهة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



من تجعل المقهى مرجعًا ثقافيًا، فهناك مشكلة، وعندما تقوم بتلميع الفارغين ثقافيًا، فهناك مشكلة، وعندما يتحول المشهد الثقافي إلى أيديولوجيات عصابات أدمنت الجلوس في المقهى، فهناك مشكلة. ولهذا سوف نستعرض بعض الممارسات لمن يصف نفسه بعرّاب الصحافة والأقلام في المدينة.

جاي وجذب... طالما ارتبط هذا المصطلح بالمقاهي، وقد تم تداوله مؤخرًا في مضمار الأعمال الكوميدية للتعبير عن تفاهة تلك الشخصية التي نحن بصدد الحديث عنها. والكارثة أن تُبوَّب هذه الأيديولوجية لتكون الواجهة الثقافية للمدينة، فجمع المبطلين في المقهى لا يعني أن هناك تميزًا، وإنما يعني أن هناك أساليب لترسيخ (اللواكة) في العمل الثقافي.

 

تلميع الأوعية الفارغة... التطبيل العلني بقصد الشهرة منتهى الوضاعة الفكرية، أن تجد من يبحث عن أشخاص يعانون من عقدة الشهرة لغرض استغلالهم. وما يفعله العجوز اليوم هو أن يأتي بشخصيات مغمورة، لا نتاج أدبيًا ولا فنيًا ولا فكريًا لها، وهم حديثو العهد بهذا المجال، ثم يقدمهم على أنهم رموز، وهذه جريمة يقترفها ذلك العجوز الخرف، وهو بذلك يساهم في تتفيه المشهد الثقافي.

وقد يكون هذا العمل من باب إبراز ذاته، النابع من سلوكه الشخصي القائم على التفاهة ونتاجه الفكري تحت شعار (تساوي العصي).

 

أيديولوجيات الإيقاف الزمني... يبدو أن عقلية العجوز الخرف ما زالت تعيش في خمسينيات القرن الماضي، وهذه معضلة يجب الحذر منها. وبسبب هذه الشخصيات نعاني اليوم من التخلف مقارنة بالأقوام التي حولنا.

فمن الطبيعي أن تخرج علينا مظاهرات في العالم الغربي بلفتات كتب عليها: «ارجعوا لجمالكم»، وهذا بسبب تصدّر العاهات للمشهد الثقافي كواجهة، ومحاولات فرض فكر متهالك أثبت فشله في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي. وهذا لا يعدو أن يكون حماقة تنبع من غباء متجذر عبر سنوات طويلة.

 

الثقافة الحفظية... ينتمي هذا العجوز إلى هذا النوع من الثقافة التي تعتمد على حفظ بعض أسماء أصحاب الأقلام وبعض العناوين، يستعرض بها أمام الحاضرين ليوهمهم بأنه يمتلك ثقافة عميقة، والحقيقة أنه عبارة عن (طبل) يصدر الأصوات من فراغ.

وقد يعود هذا إلى توجهاته السياسية العفنة التي أكل عليها الدهر وشرب، والتي أثبتت فشلها الاجتماعي. وها هو اليوم يحاول تنصيب نفسه زعيمًا يمنح الألقاب والصفات، ويقصي من يعارضه، بغض النظر عن الجانب الإبداعي.

ويذكرني هذا بقصة عن جحا: (يحكى أن جحا قد وصل إلى سن الزواج، فطلبت منه أمه أن يخرج ويرى الناس لعله يختار عروسًا. وعند خروجه عاد مسرعًا، فسألته أمه: ما الذي أعادك بهذه السرعة؟ فقال: إني لم أرضَ بأحد. فضحكت الأم وقالت: ويحك، أنت جحا، فمن يرضى بك حتى ترضى عن الناس؟)

ومن هنا نفهم وضعية هذا التافه الذي بدأ يرمي بالتهم على أصحاب الأقلام، وذلك بسبب عجزه عن مجاراتهم.

 

النتائج التي ساهم بها ذلك العجوز الخرف... وهنا لا يقول أحدكم إن هناك من يتميز في عالم الثقافة الموصلية بمنتوجه الفكري والإبداعي، فالساحة اليوم تحولت إلى قضية محاباة وعلاقات تخلو من التميز، وهذا بسبب العقلية التي رسخها ضعفاء النفوس، وهو من يتربع على عرش التفاهات الأخلاقية في العمل الصحفي.

ولهذا ترى الكثير من الأسماء التي تعتبر نفسها نجومًا كتابية لا يعرفها أحد، وكتبًا لا تساوي الحبر الذي طُبعت به، ومع ذلك يتم الكتابة عنها والإشادة بها، ومنها تتشكل تكتلات عقيمة لا تعمل لخدمة المدينة، وهدفها الوحيد إبراز أصحاب الأطماع المريضة بالشهرة.

ومن هنا تدرك خطورة ذلك الفكر المنحرف الذي يحاول فرضه ذلك الخرف من خلال المجاملات في تلميع بعض الكتب، والإعلان عنها على أنها نتاج إبداعي، أو تلميع شخصيات ليس لها نتاج فني يُذكر.

فتجد الفنان التشكيلي أو الفنانة التشكيلية ممن لا يملكون معرضًا شخصيًا واحدًا خارج إطار دراستهم الأكاديمية، ومع ذلك يقدمون بوصفهم رموزًا إبداعية. ومن هنا نفهم حقيقة الجرم الذي يرتكبه ذلك الأحمق الخرف في التغطية على شخوص مغمورة إبداعيًا، وترك الإبداع الحقيقي الذي لا يلائم فكره المنحرف.

وهكذا باتت المدينة بأكملها تفتقر إلى الاستعراض الحقيقي لفكرة الإبداع، بعدما أصبح معيار الحضور هو العلاقة والمحسوبية، لا قيمة المنجز.

المشكلة الحقيقية...

ليست القضية في قضاء معظم الوقت في المقهى، ولكن في الاعتياش على من يجمعهم من حوله. فالرجل الذي لا يملك الشجاعة لدفع ثمن كوب الشاي الذي يشربه، لن يكون قادرًا على امتلاك الشجاعة لقول الحقيقة التي قد تعمّق شعوره بالنقص.

ومن الأخطاء التي وقع فيها أيضًا تقديس الشخصيات بمعزل عن النص الإبداعي، وهذا يخدم هوسه المرضي بتصدّر المشهد.

والحقيقة أنه يحمل اليوم المجتمع بأكمله مسؤولية تهميشه في الحقبة الماضية، ولا يعترف بأنه كان، في جانب من المشكلة، ينتمي إلى ثقافة قشرية محبة للظهور.

فتراه اليوم، كل يوم، يتهم هذا وذاك بأن نتاجهم من صنيعة الذكاء الاصطناعي، بينما يبني نظرية على أساس أنه يكتب نصوصًا تضاهي الكتب السماوية، وهي في حقيقتها مواد هزيلة لا يكتب مثلها طالب في المرحلة الابتدائية في درس الإنشاء.

ولهذا تراه يعمل على تسقيط الشخصيات التي يرى أنها دخلت عالم الاحتراف في الكتابة، وكأن نجاح الآخرين يشكل تهديدًا مباشرًا لوجوده.

 

هذا الرجل عفطي... هذا هو التوصيف الدقيق لهذه الشخصية، وإذا ما عدنا إلى معنى كلمة (العفطية)، فهي سلوك منحرف يعمل على تسقيط كل من حوله ممن يتميز عنه.

وهذا السلوك قد يتسبب في خلق كثير من الشخصيات التي تنتهج الأسلوب ذاته، مما يخلق حالة من الارتباك الفكري والإبداعي في المدينة، لأننا لا نعود أمام منافسة إبداعية حقيقية، وإنما أمام محاولة مستمرة لإسقاط الآخر بدلًا من مجاراته.

 

الخلاصة... أنا لا أكره هذا الرجل، ولكن كان يجب أن أكون له بمثابة مرآة يرى فيها صورته القبيحة، لعله يستحي مما يفعل. ولكن يبدو أن هذا قد يكون غير مجدٍ بسبب مقولة: (لا يصلح العطار ما أفسده الدهر).

فقد نشأ على فكر منحرف يرفض فكرة الاختلاف والتميز، ولهذا فإن من يصف نفسه اليوم بعرّاب صحافة المقهى ليس في الحقيقة سوى (عجوز خرف)، يحاول أن يجعل من تفاهته مشروعًا ثقافيًا، ومن علاقاته معيارًا للتميز، ومن إقصاء الآخرين وسيلة لإثبات حضوره.

وهنا تبقى المشكلة ليست في عجوزٍ خرف، ولا في مقهى يجلس فيه، وإنما في مدينة ثقافية تسمح للتفاهة أن تتحول إلى مرجع، وللفارغ أن يصبح رمزًا، وللضجيج أن يتقدم على الإبداع.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

    الصحافة الموصلية والعجوز الخرف تحت عنوان تصدير التفاهة بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين من تجعل المقهى مرجعًا ثقافيًا، فهن...