بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 14 سبتمبر 2026

مقال

سياسة مجنون بني عبس

تحت عنوان

بين المحاباة وقول الحقيقة

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



لتكن البداية من القضية التي استفزتني لكتابة الموضوع، فبالأمس كان هناك إعلان من جهة حكومية لصرف بعض المستحقات، والغريب أن الكثير بدأ يعتبر أن صرف المستحقات على أنه إنجازات تُحسب لشخص، لتنهال التعليقات مشيدةً بدور رئيس المؤسسة في هذا الإنجاز، وكلها تنضوي تحت مصطلح (اللواكة)، وليس هذا موضوعنا.

ولكن ما حدث ذكرني بحادثة شهيرة في تاريخ الحجاج (رحمه الله)، عندما التقى بأحد الرجال في البادية وسأله عن رأيه بوالي الحجاز، فكانت الإجابة الصادمة في قوله: (لعنه الله ولعن من ولاه). فكانت الإجابة: ويحك، أتعرف من أنا؟ فكانت الإجابة: ومن تكون؟ فصاح: أنا الحجاج. فخرَّ الرجل خوفًا، فقال: وتعلم أنت من أكون أنا؟ مجنون بني عبس، يصيبني الصرع في اليوم مرتين، وأصاب من أثرها بالجنون، وهذه واحدة منها.

وفي هذه الحادثة دلالة واضحة لجملة السياسات التي تتبعها العقلية الجمعية فيما يخص القضايا التي تلامس حياتها بشكل مباشر، وكان الأمر برمته استنساخًا لمنهجية العبيد، وبما أننا هنا قد ورد مصطلح العبيد، يجب أن نستذكر قولًا لأحد الفلاسفة عند سؤاله: (إذا ما كان له الخيار في قتل الطاغية أو قتل العبيد؟) فكانت الإجابة وجوب قتل العبيد، لأن منهجيتهم هي من صُنْعة الطغاة.

وما يحصل اليوم من أزمات متلاحقة، من قضية البنزين وغيرها الكثير مما يعاني منه المواطن، هو بسبب سياسة مجنون بني عبس، وهذا ما أتاح للنظام فكرة تمجيد الواجب، وتلك القناعات التي تدفع العامة للتكالب على كتابة التعليقات التي تساهم في دعم السلطات المقصرة من الأصل، ما يحول دون ابتكار فكرة الإصلاح. وهذا بسبب رأيهم في استحصال الحقوق على أنه إنجاز يُحسب للنظام والسلطة ورجالها، وهذا الفعل يذكرني بمثال شعبي: (الذي يرى الموت يرضى بالحمى).

ومن هنا يكون السؤال الأهم في الموضوع: (ما الذي يمنعنا من قول الحقيقة؟) هل هو الخوف والتراكمات الزمنية التي عملت على ترسيخها الأنظمة المتعاقبة، حتى أصبحت الشجاعة في موضع كهذا نوعًا من السذاجة العقلية؟

 

شرعنة الخوف... ليعلم القارئ هنا أن هذه الحالة التي نعيشها اليوم ليست وليدة اللحظة، ولكن هناك موروثًا شعبيًا يعزز هذا المصطلح في حياتنا اليوم، ومنها (الهزيمة ثلثين المرجلة)، والحقيقة ليس هناك علاقة ما بين المرجلة والهزيمة، ولكن لتبرير الحالة الانهزامية التي يعيشها الكثير، ومنها عدم قدرتهم على قول الحقيقة.

ولو عدنا بالزمن، نرى أمثلة عظيمة في الإقدام على قول الحقيقة، ومنهم أنبياء الله عليهم السلام أجمعين. وهنا لا أريد أن تكون نبيًا، فقد انتهى عصر الأنبياء، ولكن كن إنسانًا فقط في معرفة ما لك وما عليك، وإذا ما فشل اليوم أحدنا في هذا، يذهب لإيجاد الأعذار لتبرير فشله أمام ذاته، وفي ذلك نوع من الحماقة التي تزدهر في عصرنا هذا.

 

هذه هي مكانتكم... وهنا أستشهد بمقولة كان أبي (رحمه الله) يرددها، مفادها: (إذا تشوف واحد على المنارة، قل له الله يزيدك، وإذا تشوف أحد بالطهارة، قل له الله يزيدك، لأن الاثنين يستحقان ما هم عليه).

وفي هذا دلالة على أن الإنسان هو من يختار مكانته في المجتمع، فإذا ما أردت أن تكون طبلًا فسوف تصفق حتى لذلك الذي يذلك كل يوم، وإذا ما أردت أن تكون بشرًا يستحق الحياة، فقول الحقيقة سوف يمنحك هذه الفرصة.

ولهذا تراني قليلًا ما أتحدث عن معاناة العامة بشكل خاص، وهذا بسبب استنتاج لي من قراءة التجارب التي سبقتنا، فالعقلية التي أدت إلى اعتقال (جيفارا)، وهي أنه كان صوت رصاص الحرية، تزعج غنم الراعي الذي يمثل عقلية المجتمع، ليكون كل ما نكتبه أو نفعله من أجل الآخرين بلا قيمة.

ولكن سوف أكتب الحقيقة التي تنضوي تحت عنوان (لله والتاريخ)، فالاثنان هنا لا يعرفان معنى النسيان، ويكفي فخرًا أن تُذكر أسماؤنا في قوائم الشجعان، ولو خرجت من هذه الحياة بلا شيء آخر يُذكر، على أن أملك العالم وأنا لا أستطيع الوقوف أمام المرآة، وأنا لا أحظى بالاحترام أمام نفسي على الأقل.

 

الخلاصة... لم أعد أغضب لرؤية المتخاذلين والجبناء، وقد يكون بسبب أنها أصبحت الظاهرة الأوسع انتشارًا اليوم، وهذا يعود إلى أن الشجعان في هذه الحياة لا يعيشون طويلًا، فالمجد للأبطال، والحياة وكل ما فيها للجبناء الذين يفضلون العيش بذل على قول الحقيقة.

وسوف أقولها كما قالها من قبلي: أفضل أن ألقى الله وأنا قادر على قول الحق، بدل لقائه وأنا على قوائم المنافقين فقط؛ لأنني أريد الحياة.

فعندما تتحول الواجبات إلى إنجازات، تسهم في سيل من التطبيل والتهويل، يكون مجنون بني عبس وسياسته هو أفضل من قول الحقيقة لاقول هنا «فاتقوا الله بأنفسكم، لعلكم تُرحمون.»


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

سياسة مجنون بني عبس تحت عنوان بين المحاباة وقول الحقيقة بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين لتكن البداية من القضية التي استفزتني ...