بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

مقال

 

 تجريم الفعل لا تجريم الشخوص

تحت عنوان

قصف المدينة المنورة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



من المسلّمات التي لا تقبل الجدال بها أن إراقة قطرة دم عراقي فهو عمل باطل، ولكن ماذا عن الجرأة على الله وما له في الأرض؟ ولتكن هذه قاعدة مقالي هذا.

أذكر رواية لجدتي كانت ترويها لنا ونحن صغار، مفادها: «إن بيت الله الحرام ومقام قبر رسوله الكريم سوف يُهجر أربعين عامًا، حتى يصبح مرتعًا للوحوش». وبغض النظر عن مصداقية الرواية، كان هناك سؤال في ذهن ذلك الطفل: هل يحدث هذا بسبب انقراض المسلمين وقتها؟ ولكن لم يكن يعلم أن من سوف ينقرض هو الإسلام.

وبغض النظر عن الفاعل، فإنه جريمة، ولو فعله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشا أن يفعلوا مثل هذا. وإذا ما عدنا إلى التاريخ، فسوف نرى صورًا أبشع مما نحن بصدد الحديث عنه، فيها تعرّض بيت الله للضرب بالمنجنيق مرتين، وكانت حجة من ضربها شرعية كما يدّعون.

ورأيي هنا أن لله ورسوله حرمة المكان والزمان، وتحت أي مسمّى تريدون، فمن ضمن تعظيم شعائر الله بيته وقبر نبيه الكريم. ولمن لا يعلم، فإن لله حدودًا يجب أن تُحترم، والطائرة أو الصاروخ الذي اتجه إلى أرض تحتضن قبر خير من مشى على هذه الأرض، فعلٌ يرفضه كل من في قلبه ذرة إيمان، ويبدو أن هناك من ليس لديه ما يربطه بالله عز وجل من الأصل، ولو ادعى غير ذلك.

وهنا أستشهد بقول الشاعر أبي الأسود الدؤلي:

لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَهُ

                                   عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ

فالأمس واليوم، وكل الطوائف الإسلامية تستنكر فعل ضرب الكعبة بالمنجنيق، بغض النظر عمّن فعلها، ولكن نجد اليوم من يفعل ذات الفعل بتغيير الأسماء والأمكنة، والغريب أن فاعله يبدو أنه يستحي من الناس أو يخافهم، ولكنه لم يستحِ أو يخفِ الله بما فعل. وهذا يضعنا أمام منعطف شرعي، وهو استسهال التطاول على ما يخص الله عز وجل. فالمقذوف من صنع البشر، فماذا لو أخطأ هدفه وأصاب الحضرة الشريفة؟ فماذا سوف يقول فاعلها يومئذٍ للرسول يوم اللقاء؟ هل سوف يقول: كنت أدافع عن دينك، فضربتك؟ والله إنكم قومًا لا تؤمنون ولا تستحون، فويل لمن كان خصمه يوم القيامة رسولنا محمد.

وهنا أتوقع إجابة تلك الزمرة الفاعلة للفعل، سوف تقول: والله إننا كنا نقاتل اليهود والنصارى. وأي يهود ونصارى اليوم في مهد النبوة، المدينة المنورة؟ أو سوف يقولون: إننا استهدفنا مصادر الطاقة. ولكن السؤال هنا: لماذا تم اختيار نقطة الضربة قريبة من قبر رسولنا الكريم؟ ألم تكن هناك نقاط ثانية؟ ولكن اختيار هذا المكان لأنه خارج حماية الدولة، وهنا يكون العذر أقبح من الذنب و المصيبة ليست دائمًا في الفعل وحده، وإنما في العذر الذي يأتي بعده ليحاول أن يغسل عاره ويمنحه ثوبًا شرعيًا أو وطنيًا أو عسكريًا. فحين يكون المكان معلومًا، والهدف معلومًا، والنتيجة المحتملة معلومة، ثم يأتي الفاعل ليقول: لم نقصد، أو كنا نستهدف شيئًا آخر، فهنا لا يصبح العذر مبررًا، بل يصبح جريمة ثانية تضاف إلى الجريمة الأولى. لأن الخطأ في مثل هذه المواضع ليس كمن أخطأ الطريق، وإنما كمن اختار الطريق وهو يعلم إلى أين يقوده.

أنا لا أناقش هنا أسماء الفاعلين ولا انتماءاتهم، ولا أبحث عن تبرئة طرف وإدانة طرف، لأن قاعدة مقالي واضحة: الفعل يُجرَّم ولا تُجرَّم الشخوص. فمن أخطأ يُحاسب على فعله، ومن أصاب يُقال له أحسنت، حتى لو كان من أقرب الناس إلينا أو من أبعدهم. فالحق لا يتغير بتغير أسماء أصحابه، وحرمة الأماكن لا تصبح مباحة لأن من اقترب منها رفع شعارًا يراه هو مقدسًا.

ثم أي منطق هذا الذي يجعل حماية هدف عسكري مبررًا للمجازفة بمكان يحتضن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل أصبحت الضرورة العسكرية أوسع من حدود الحرمة؟ وهل كل هدف يمكن ضربه لمجرد أن وراءه احتمالًا عسكريًا؟ إن كان هذا هو المنطق، فأين تقف الحدود؟ وأين يتوقف الصاروخ حين يكون أمامه مكان له حرمة في عقيدة ملايين المسلمين؟

والأشد إيلامًا أن يتحول الخطأ إلى بطولة، وأن تتحول المجازفة بحرمة المكان إلى مجرد تفصيل عسكري، ثم يُطلب من الناس أن يصفقوا للعذر بدل أن يسألوا عن الفعل. لا يا سادة، العذر لا يمسح آثار الذنب، والشعار لا يطهّر الفعل، والعدو الذي نحاربه لا يمنحنا رخصة للاستهانة بما نعظّمه ونقدسه.

فإذا كان الفاعل قد أخطأ في تقدير الهدف، فهذه ليست فضيلة تُذكر، وإنما مسؤولية يجب أن تُحاسب. وإذا كان يعلم قرب المكان وحرمته ثم أقدم، فالمصيبة أعظم. وفي الحالتين لا يجوز لنا أن ندفن السؤال تحت ركام الشعارات؛ لأن من حق المؤمن أن يسأل: هل كان بالإمكان اختيار هدف آخر؟ هل كانت هناك وسيلة أخرى؟ هل رُوعيت حرمة المكان؟ وهل كانت حياة الناس وأمنهم ومقدساتهم حاضرة في حسابات من ضغط على زر الإطلاق؟

وهنا أقولها بلا مواربة: حين يصبح الاعتذار عن الفعل أسوأ من الفعل نفسه، وحين يتحول الخطأ إلى تبرير، والتبرير إلى عقيدة، والعقيدة إلى حق مكتسب، فنحن لا نواجه مجرد خطأ عابر، وإنما نواجه خللًا في ميزان القيم. وعندها يصبح السكوت مشاركة في صناعة هذا الخلل، لأن الذي يسكت عن الخطأ بحجة الانتماء أو الخصومة السياسية أو العسكرية، قد يجد نفسه غدًا مضطرًا إلى تبرير خطأ أكبر.

إن حرمة المدينة المنورة ليست قضية طرف سياسي، ولا ورقة في صراع عسكري، ولا تفصيلًا يمكن تجاوزه عند رسم الأهداف. إنها في وجدان المسلمين رمز ديني عظيم، ومن هنا فإن الاقتراب منها يستوجب أعلى درجات الحذر، لا البحث عن أعذار بعد وقوع الكارثة. فالذنب قد يكون فعلًا واحدًا، أما العذر الذي يشرّع له ويدافع عنه ويحوّله إلى بطولة، فقد يكون بداية الطريق إلى ألف ذنب.

وقد تكون هذه كلماتي من أخطر ما كتبت، ولكن ليس مهمًا؛ فالدفاع عن حدود الله واجب لكل من يؤمن. وإن قرأت ما كتبت ولم تتأثر، ولم تكتب ما يرضي الله ورسوله، فذاك شأنك، ولكن ليس من شأن من يؤمن أن يصمت عن فعل يبغضه الله والرسول والمؤمنون.

 

الخلاصة ...  أقولها بلا مساحيق ولا مجاملات: هناك أفعال لا يغسلها العذر، وأماكن لا يجوز أن تكون حقلًا لتجارب الصواريخ والحسابات العسكرية، ومقدسات لا ينبغي أن تدخل أصلًا في قاموس المساومات والخرائط الحربية.

ومن يعتقد أن رفع شعار الدفاع عن الدين يمنحه صكًّا مفتوحًا للاستهانة بحرمة المدينة المنورة، فعليه أن يعيد قراءة معنى الدين قبل أن يتحدث باسمه.

أنا لا أطلب من أحد أن يحب خصمه، ولا أن يترك ساحة القتال، ولا أن يتنازل عن حقه في الدفاع عن نفسه، ولكنني أقول: (لا تجعلوا الدين شماعة لأفعالكم، ولا تجعلوا المقدسات ضحية لأخطائكم، ثم تطلبوا من الناس أن يسمّوا الخطأ بطولة) فالله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى صاروخ أعمى، ولا إلى قذيفة تقترب من قبر نبيه حتى يثبت أحدٌ أنه يدافع عن الإسلام.

والأشد قسوة من سقوط المقذوف هو سقوط هيبة الحرمة في نفوس من أطلقوه ومن برروا لهم. فحين يصبح الاقتراب من المدينة المنورة أمرًا عاديًا، وحين يصبح احتمال إصابة موضع يحتضن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد «خطأ محتمل»، فالمشكلة لم تعد في السلاح وحده، بل في العقل الذي أعطى السلاح حق الاقتراب أصلًا.

ولست هنا قاضيًا على النيات، ولا مفتشًا في صدور الرجال؛ **أنا أحاكم فعلًا ظاهرًا، وأرفض أن يتحول الخطأ إلى بطولة، والجريمة إلى ضرورة، والضرورة إلى مبرر، والمبرر إلى عقيدة.** فمن أراد أن يقاتل فليقاتل في ميدان القتال، ومن أراد أن يواجه خصمه فليواجهه، أما أن تُوضع المدينة المنورة في مرمى الخطر ثم يُطلب منا أن نبتلع الحكاية كاملة مع عذرها، فهذا ما لا أقبله ولا أستطيع أن أصفق له.

وأقولها بأشد ما أستطيع: (إن كان العذر هو أنكم أخطأتم الهدف، فهذه مصيبة، وإن كان الهدف معلومًا فالمصيبة أعظم، وإن كان اقتراب السلاح من المدينة مقصودًا ثم جرى البحث عن عذر بعد ذلك، فهنا يصبح العذر أقبح من الذنب) وفي جميع الأحوال، لا تجعلوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدًا على أخطائكم يوم القيامة، ولا تجعلوا الدفاع عن الدين ذريعة لفعلٍ يسيء إلى حرمة ما عظّمه الدين.

فأنا لا أجامل أحدًا في هذه القضية، ولا يهمني اسم الفاعل ولا رايته ولا مذهبه؛ (فحين تكون القضية متعلقة بحرمة رسول الله ومدينته، تسقط كل الرايات ويبقى الحق وحده واقفًا) ومن لم يعجبه هذا الكلام فليجادلني في الفعل، لا في ولائي، وليناقش الدليل، لا أن يهرب إلى الشتائم والشعارات.

فالدين ليس غطاءً للصاروخ، والمدينة المنورة ليست هدفًا عسكريًا، وحرمة رسول الله ليست هامشًا في دفتر العمليات، ومن يخطئ في حق المقدسات ثم يبحث عن عذر، عليه أن يتذكر جيدًا: قد تستطيع أن تقنع الناس بعذرك، لكنك لن تستطيع أن تخدع الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

    تجريم الفعل لا تجريم الشخوص تحت عنوان قصف المدينة المنورة بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين من المسلّمات التي لا تقبل الجدا...