شاعر المدينة والصورة في قصيدة (خُطى) نموذجاً
تحت عنوان
الشاعر كرم الاعرجي
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
عملاق هو من
العمالقة الكبار ولان اقول عنه انه يكتب الشعر ولكن هو يكتب الاساطير ان صح القول
فعندما بدأنا مشوارنا الادبي كان هو من الكبار ذلك الوقت الذي كانت الساحة الادبية
تزدحم بالاقلام الكبير وقد صنع له مجد من نوع خاص ومازال بذلك التوهج الرائع
المنقطع النظير ولو اردنا التحدث عن سيرته الادبية سوف يطول بنا الحديث ولكن هو
الذي بدأ الكتابة من سبعينيات القرن الماضي وله العديد من الدواوين والمشاركات
المحلية والعربية والحاصل ايضاً على جوائز عديدة كيف لا وهو من يكتب الاساطير
الشعرية وله أراء نقدية عديدة ليس بمضمار الشعر فقط ولكنها قد شمل المسرح ايضاً
ولهذا الشاعر ارتباط ضمني بمدينته الموصل فسطر اعظم الصور الشعرية في ما كتب ويكتب
واليوم نتناول اهم تلك الصور من خلال قراءة متواضعة في قصيدة بعنوان (خُطى) فالرجل
متمكن من كل الادوات الشعرية لرسم صور تحاكي تلك المدينة وهي الموصل ومن تلك الصور
الصور
المكانية
خطوة
خطوة؛ فوق
جسرنا العتيق
وهنا يصور
الشاعر المكان بكلمات توحي للقارئ تلك الخطى التي تكون على ذلك الجسر الذي يتوسط
المدينة وأيحاء ارتباطه بذلك الموقع من خلال البطء في السير ليكون لدى القارئ تلك
الصورة التي يتضمنه النص ومن هنا نفهم لم أرد الشاعر ان يوصل الى ما يجول في مخيلة
من يقرأ النص حيث كان الجسر العتيق الصورة المكانية التي يرسم بها وجه المدينة
والمكان الذي تعرف به المدينة ولم يكتفي الشاعر من خلال النص بهذه الصورة وهنا كان
يقول :
حمائم (
أقليعات)
وحبال الغسيل
على أسطح معابرها
اقليعات وهو
حي شعبي في المدينة القديمة ويجسد في تلك الكلمات مدى الارتباط بين الصورة
المكانية للنص بتاريخ المدينة ولهذا الشاعر هنا مخيله عظيمة لايمكن مجاراتها بكل
المصطلحات الادبية فالسطوح اصبحت نقطة داله زمانية اذا ما اردنا تحليل النص بالطرق
التقليدية المتبعه عند بعض النقاد حيث قد كان هناك صورة مكانية هي بمثابة تاريخ
لتلك المنطقة لرسم احدث تمر بالمكان وهذا ليس بالامر السهل للشاعر فالتجرد من الذات
للعبور عبر الاماكن المطله على النهر هي عملية موافقة بشكل مميز وملحوض في خبايا
النص هنا فعملية توضيف النص بهذا الشكل تحتاج لحرفية من نوع خاص فلا يمكن التوضيف
بطريقة عشوائية وهذا ما ابتعد عنه الشاعر بهذا النص فكان (النهر) وقضية ارتباطه في
المدينة القديمة محور النص ف كان المكان الشعري يتسم بخاصيات التأمكن والتشظي والتشتت
والاختراق، فإنه من جهة رؤية الذات لمكانها، نجد أن الذات تعبر عن قلق دفين ترى به
مكانها معتبرة إياه مكان عبور لا يتوقف نحو حالات وأفعال وأماكن قديمة وجديدة إن
المكان الشعري الحديث لم يتغير على مستوى نوعيته فقط، بل تعدى ذلك أيضا إلى تغيير
الوظيفة الشعرية نفسها للمكان داخل نصه. لقد تحددت شعرية المكان القديم بالذات في
الإبدالات الممكنة لعلاقة الذات بالمكان، في حين بقي المكان نفسه في حدود معينة
لوضعه المرجعي. أما في الشعر الحديث فطال التغيير هوية المكان والعلاقة به معا. لم
يعد الشاعر يكتفي برصد صورة المكان أو التقديم التخييلي للعلاقة به. أصبح المكان
إما عتبة لما بعد المكان من محتمل، أو مكانا إشكاليا يوضع موضع سؤال لا إجابة عنه.
حيث يصبح المكان مكانا للا مكان وهنا كان الشاعر يقصد المكان بصورة شعرية . لأن
علاقة الشاعر بالمكان الواقعي وخاصة المديني منه، هي في حد ذاتها علاقة تنابذ
وتناف يتحول بها المكان في تلقي الشاعر له إلى هاوية فراغ وتيه. وهناك صور اخرى في
نصوص اخرى .
الصورة
الزمنية
رتبط الشعر
بالزمن ارتباطا عميقا، يصل لحد التماهي الكامل بين مكنونات الشاعر والعالم
الخارجي، فهو يظهر الاستخدام المكثف لصور الزمن في النص الواحد؛ حيث يتلاحم الماضي
مع الحاضر والمستقبل في بنية واحدة متماسكة، تعبر عن اجتياز الشعر لبنى الزمان
المتقطعة، محاولة لدمجها معا واستحضار زمن مختلف مبني على ظاهرة فريدة للشعر
الموسوم بالرؤيا، والخارج عن النظر الزمني المحدود، الكاشف عن مناطق مجهولة،
وغائرة في البعد التي كلما حاولنا أن نسبر ملامحها تنبثق دلالات وعلامات أخرى أكثر
ملامسة لحاضر الشاعر ومناخاته المتعددة ؛ إذ يغالب الزمن ويترامى مع أشكاله كي يجد
طريقة مختلفة للتفاعل مع العالم المحيط به، وليؤسس وجودا صريحا وغامضا في الوقت
ذاته، مماثلا لقضية الزمن التي أيضا تتصف بالواضح والمبهم ، وفي نظام النظر إليها،
وهذا النظام المختلف في النظر إلى الأشياء يعمق صلة الشاعر بتجربته ويبرهن رابطته
بالكون، وبالحياة والأشياء، فيجعل من هذه الصلة، لا نقاط تماس مجردة، بل انصهارا
حادا واندماجا في تيار جارف، شديد الفرادة، ولا يمكن لصلة الشاعر بعالمه أن تكون
على هذا المستوى إلا إذا كان مسكونا برؤيا حقة، تتيح له تمثل العالم، والانغمار
فيه والتفاعل معه تفاعلا داخلا وهاجا ، لم
يبتعد الشاعر بالمكان هنا عن الزمان فما حل في المدينة كانت هناك حالة توثيق في
الصورة الزمانية في النص فقد جسد فترة الخراب في النص من خلال التوظيف الصوري في
قوله :
الرصاص
خدّرنا بثقوب
جدراننا
البيض.
وهنا يرسم
الشاعر الصورة التي على الارض بطريقة شعرية فالرصاص والجدران هي شاهد زمني لفترة
مرت بها المدينة وقد نجح الشاعر هنا بطريقة منفردة في رسم صورة الفوضى التي قد مرت
بها المدينة في الامس القريب وقد يكون التوظيف هنا اعمق مما قد يتوقعه القارئ لهذا
النص فهو يحتوي على عمق في تفاصيل رسم تلك الصورة بالكلمات فما افسد تلك الجدارن
في المدينة هي تلك الاثار التي تركتها تلك المعارك بأثر الرصاص عليها وثم انتقل
الى قوله :
تحت غابة من
خراب
وهنا يكمن
التجسيد للصورة الزمني في النص ولهذا يكون الشاعر في هذا النص له توثيق للصورة
الزمنية والمكانية في مدى ارتباطه بالمدينة من خلال هذا النص ويستحق لقب (شاعر
المدينة)
خُطى
..
( أَذْرَعُ)
النهر جسرا من العبرات
أقضم أظافر الوقت
واكفر بالأسباب
خطوة
خطوة؛ فوق جسرنا العتيق
أتذكر
أتذكر
حمائم ( أقليعات)
وحبال الغسيل على أسطح معابرها
اقليعات
صورة الجمال المطلّ
على النهر ( الحر) حيث جنِّيات الموج
تفتش عن السحر
في ابيار العتمة والاقفال.
ودمعة (الكبريت)
لعافية الجلود من أجسادنا.
خراطيم المياه في الصباح
ترش حدائقنا
التي غطى عشبها الأسفلت.
الرصاص
خدّرنا بثقوب جدراننا
البيض.
أين الترانيم
وهلاهل القوارير
والفرح.
لا تتعب نفسك أيها الخامل في الجَرْي
خلف ابتسامة لاتجيء
ولتبق ( تَذْرع)
شوارع صفائك في الأمنية؛
التي شِخْتَ بها
ايها المتمدّن
تحت غابة من خراب.
آه كنا
اه
اه
نحن الذين (
نَذرع) صباحاتنا بالورد.....