بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

مقال

 

 الصحافة الموصلية والعجوز الخرف

تحت عنوان

تصدير التفاهة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



من تجعل المقهى مرجعًا ثقافيًا، فهناك مشكلة، وعندما تقوم بتلميع الفارغين ثقافيًا، فهناك مشكلة، وعندما يتحول المشهد الثقافي إلى أيديولوجيات عصابات أدمنت الجلوس في المقهى، فهناك مشكلة. ولهذا سوف نستعرض بعض الممارسات لمن يصف نفسه بعرّاب الصحافة والأقلام في المدينة.

جاي وجذب... طالما ارتبط هذا المصطلح بالمقاهي، وقد تم تداوله مؤخرًا في مضمار الأعمال الكوميدية للتعبير عن تفاهة تلك الشخصية التي نحن بصدد الحديث عنها. والكارثة أن تُبوَّب هذه الأيديولوجية لتكون الواجهة الثقافية للمدينة، فجمع المبطلين في المقهى لا يعني أن هناك تميزًا، وإنما يعني أن هناك أساليب لترسيخ (اللواكة) في العمل الثقافي.

 

تلميع الأوعية الفارغة... التطبيل العلني بقصد الشهرة منتهى الوضاعة الفكرية، أن تجد من يبحث عن أشخاص يعانون من عقدة الشهرة لغرض استغلالهم. وما يفعله العجوز اليوم هو أن يأتي بشخصيات مغمورة، لا نتاج أدبيًا ولا فنيًا ولا فكريًا لها، وهم حديثو العهد بهذا المجال، ثم يقدمهم على أنهم رموز، وهذه جريمة يقترفها ذلك العجوز الخرف، وهو بذلك يساهم في تتفيه المشهد الثقافي.

وقد يكون هذا العمل من باب إبراز ذاته، النابع من سلوكه الشخصي القائم على التفاهة ونتاجه الفكري تحت شعار (تساوي العصي).

 

أيديولوجيات الإيقاف الزمني... يبدو أن عقلية العجوز الخرف ما زالت تعيش في خمسينيات القرن الماضي، وهذه معضلة يجب الحذر منها. وبسبب هذه الشخصيات نعاني اليوم من التخلف مقارنة بالأقوام التي حولنا.

فمن الطبيعي أن تخرج علينا مظاهرات في العالم الغربي بلفتات كتب عليها: «ارجعوا لجمالكم»، وهذا بسبب تصدّر العاهات للمشهد الثقافي كواجهة، ومحاولات فرض فكر متهالك أثبت فشله في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي. وهذا لا يعدو أن يكون حماقة تنبع من غباء متجذر عبر سنوات طويلة.

 

الثقافة الحفظية... ينتمي هذا العجوز إلى هذا النوع من الثقافة التي تعتمد على حفظ بعض أسماء أصحاب الأقلام وبعض العناوين، يستعرض بها أمام الحاضرين ليوهمهم بأنه يمتلك ثقافة عميقة، والحقيقة أنه عبارة عن (طبل) يصدر الأصوات من فراغ.

وقد يعود هذا إلى توجهاته السياسية العفنة التي أكل عليها الدهر وشرب، والتي أثبتت فشلها الاجتماعي. وها هو اليوم يحاول تنصيب نفسه زعيمًا يمنح الألقاب والصفات، ويقصي من يعارضه، بغض النظر عن الجانب الإبداعي.

ويذكرني هذا بقصة عن جحا: (يحكى أن جحا قد وصل إلى سن الزواج، فطلبت منه أمه أن يخرج ويرى الناس لعله يختار عروسًا. وعند خروجه عاد مسرعًا، فسألته أمه: ما الذي أعادك بهذه السرعة؟ فقال: إني لم أرضَ بأحد. فضحكت الأم وقالت: ويحك، أنت جحا، فمن يرضى بك حتى ترضى عن الناس؟)

ومن هنا نفهم وضعية هذا التافه الذي بدأ يرمي بالتهم على أصحاب الأقلام، وذلك بسبب عجزه عن مجاراتهم.

 

النتائج التي ساهم بها ذلك العجوز الخرف... وهنا لا يقول أحدكم إن هناك من يتميز في عالم الثقافة الموصلية بمنتوجه الفكري والإبداعي، فالساحة اليوم تحولت إلى قضية محاباة وعلاقات تخلو من التميز، وهذا بسبب العقلية التي رسخها ضعفاء النفوس، وهو من يتربع على عرش التفاهات الأخلاقية في العمل الصحفي.

ولهذا ترى الكثير من الأسماء التي تعتبر نفسها نجومًا كتابية لا يعرفها أحد، وكتبًا لا تساوي الحبر الذي طُبعت به، ومع ذلك يتم الكتابة عنها والإشادة بها، ومنها تتشكل تكتلات عقيمة لا تعمل لخدمة المدينة، وهدفها الوحيد إبراز أصحاب الأطماع المريضة بالشهرة.

ومن هنا تدرك خطورة ذلك الفكر المنحرف الذي يحاول فرضه ذلك الخرف من خلال المجاملات في تلميع بعض الكتب، والإعلان عنها على أنها نتاج إبداعي، أو تلميع شخصيات ليس لها نتاج فني يُذكر.

فتجد الفنان التشكيلي أو الفنانة التشكيلية ممن لا يملكون معرضًا شخصيًا واحدًا خارج إطار دراستهم الأكاديمية، ومع ذلك يقدمون بوصفهم رموزًا إبداعية. ومن هنا نفهم حقيقة الجرم الذي يرتكبه ذلك الأحمق الخرف في التغطية على شخوص مغمورة إبداعيًا، وترك الإبداع الحقيقي الذي لا يلائم فكره المنحرف.

وهكذا باتت المدينة بأكملها تفتقر إلى الاستعراض الحقيقي لفكرة الإبداع، بعدما أصبح معيار الحضور هو العلاقة والمحسوبية، لا قيمة المنجز.

المشكلة الحقيقية...

ليست القضية في قضاء معظم الوقت في المقهى، ولكن في الاعتياش على من يجمعهم من حوله. فالرجل الذي لا يملك الشجاعة لدفع ثمن كوب الشاي الذي يشربه، لن يكون قادرًا على امتلاك الشجاعة لقول الحقيقة التي قد تعمّق شعوره بالنقص.

ومن الأخطاء التي وقع فيها أيضًا تقديس الشخصيات بمعزل عن النص الإبداعي، وهذا يخدم هوسه المرضي بتصدّر المشهد.

والحقيقة أنه يحمل اليوم المجتمع بأكمله مسؤولية تهميشه في الحقبة الماضية، ولا يعترف بأنه كان، في جانب من المشكلة، ينتمي إلى ثقافة قشرية محبة للظهور.

فتراه اليوم، كل يوم، يتهم هذا وذاك بأن نتاجهم من صنيعة الذكاء الاصطناعي، بينما يبني نظرية على أساس أنه يكتب نصوصًا تضاهي الكتب السماوية، وهي في حقيقتها مواد هزيلة لا يكتب مثلها طالب في المرحلة الابتدائية في درس الإنشاء.

ولهذا تراه يعمل على تسقيط الشخصيات التي يرى أنها دخلت عالم الاحتراف في الكتابة، وكأن نجاح الآخرين يشكل تهديدًا مباشرًا لوجوده.

 

هذا الرجل عفطي... هذا هو التوصيف الدقيق لهذه الشخصية، وإذا ما عدنا إلى معنى كلمة (العفطية)، فهي سلوك منحرف يعمل على تسقيط كل من حوله ممن يتميز عنه.

وهذا السلوك قد يتسبب في خلق كثير من الشخصيات التي تنتهج الأسلوب ذاته، مما يخلق حالة من الارتباك الفكري والإبداعي في المدينة، لأننا لا نعود أمام منافسة إبداعية حقيقية، وإنما أمام محاولة مستمرة لإسقاط الآخر بدلًا من مجاراته.

 

الخلاصة... أنا لا أكره هذا الرجل، ولكن كان يجب أن أكون له بمثابة مرآة يرى فيها صورته القبيحة، لعله يستحي مما يفعل. ولكن يبدو أن هذا قد يكون غير مجدٍ بسبب مقولة: (لا يصلح العطار ما أفسده الدهر).

فقد نشأ على فكر منحرف يرفض فكرة الاختلاف والتميز، ولهذا فإن من يصف نفسه اليوم بعرّاب صحافة المقهى ليس في الحقيقة سوى (عجوز خرف)، يحاول أن يجعل من تفاهته مشروعًا ثقافيًا، ومن علاقاته معيارًا للتميز، ومن إقصاء الآخرين وسيلة لإثبات حضوره.

وهنا تبقى المشكلة ليست في عجوزٍ خرف، ولا في مقهى يجلس فيه، وإنما في مدينة ثقافية تسمح للتفاهة أن تتحول إلى مرجع، وللفارغ أن يصبح رمزًا، وللضجيج أن يتقدم على الإبداع.

 

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

مقال

 

كتاب لتوثيق يوميات برؤى مختلفة

تحت عنوان

(أوراق منسية) للدكتور عبد السلام الجبوري

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين

 



العنوان / أوراق منسية

المؤلف / د. عبد السلام محمد الجبوري

عدد الصفحات / 108

دار النشر / دار الميثاق ـــ سنة النشر 2026

 

البداية من سبب كتابتي عن مضمون الكتاب، حيث اتهمني سيادته بأنني حين أكتب لا أقرأ، وهذا رأيه وأنا أحترم جميع الآراء، ولهذا كان اليوم موضوعي عن كتاب لا تجده على النت، أو حتى لم يُحط به الذكاء الاصطناعي بعد.

المعلن أنه مجموعة قصصية، لكنني لم أستطع من خلال قراءتي للكتاب تحديد النمط الأدبي الذي ينطوي تحت مضمونه، فلا تستطيع أن تقول عنه مجموعة مقالات أو خواطر أو نصوص نثرية، ولكنها أقرب إلى التوثيق الحياتي بطريقة أقرب إلى المدرسة الانطباعية.

حيث يضم الكثير من العناوين المستلهمة من يوميات ومعاناة الكاتب ذاته، وإذا ما كنت خُيّرت باختيار عنوان آخر لهذا الكتاب، فسوف يكون (الرقص فوق جثث الموتى)، وهذا بسبب أن كل الذين جاء ذكرهم بشكل مباشر أو غير مباشر هم أموات، فمنهم من لهم قبور وشواهد، وآخرون أموات من الناحية المعنوية من خلال عنوان فرعي (شواهد بلا قبور)، وهنا سوف أختار جزءاً من العناوين الفرعية بشكل عشوائي للتحدث عنها، ومنها:

 

الغرفة (15) ... وكما يقال في التراث: (أول الرقص حنجلة)، في الغالب تعودنا أن أصحاب المنجزات الكتابية تكون لهم أيديولوجيات في تصميم المنهج واختيار مواضيع مشجعة للقارئ، كنوع من الإغراء لضمان مواصلة القراءة، ولكن أن تكون البداية في كارثة إنسانية بكل المقاييس، قد تحدث نوعاً من الانطباع عند الكثير بأنها مادة (لطمية).

وتتضمن هذه الفقرة من الكتاب معاناة الكاتب الحقيقية في مسألة فقدان من نحب، وهنا تكون وفاة الزوجة، وهنا لا أقلل من هول الحدث، ولكن هناك ما يُعرف بمنهجية تكوين مادة الكتاب لغرض تقبّل المتلقي للمادة، ولكن، وعلى ما يبدو، أن الكتاب برمته كُتب من أجل هذا الموضوع كنوع من أنواع التنفيس عن معاناة الذات، ولم يكن هذا الموضوع الوحيد، فهناك موضوع آخر يحكي ذات الفكرة، وهو موت الابن، وأعان الله كاتب الكتاب على تلك الأهوال التي ألمّت به.

ثم انتقل الكاتب إلى موضوع مكمل للفكرة، وهو بعنوان (مجلس العزاء)، مستعرضاً حالة اللامبالاة التي يتحلى بها الكثير ممن يحضرون المناسبات المؤلمة، بالإضافة إلى عملية الإسقاط لبعض السلوكيات التي تمارس عند رؤية المسؤول.

 

الإسقاط البيئي ... وهنا يتخذ المؤلف في بعض المواضيع رؤية تعكس بيئته التي ينتمي إليها، ومنها استعمال مصطلح (الدبكة) في عنوان (محطات)، وفي هذا استعارة مكانية حاضرة، دلالة على البيئة التي ينتمي إليها، ولا أجد ضرراً في هذا، فمن الطبيعي أن تكون في النصوص المكتوبة لأي من الألوان الأدبية مرايا عاكسة للبيئة.

 

الإسقاط النفسي ... يكثر الكاتب هنا وهناك، بين الصفحات، في جعل نفسه في مكانة الراوي من خلال تجارب حية خاضها، ويبدو للقارئ أن هناك إسقاطاً نفسياً في الكثير من النصوص، حتى إنك ومن أول عشر صفحات يتبين للقارئ أن المحتوى عبارة عن توثيق نفسي لا حياتي، وهذا ما قد يضعف النص في بعض جوانب الكتاب.

 

أيديولوجيات الوصف المكاني ... وفي الغالب ما تُستعمل هذه التقنية في الروايات والقصص، ولكن تجدها اليوم بين صفحات هذا الكتاب من خلال بعض العناوين الفرعية، وهنا أذكر منها (المرحاض)، فهناك مبالغة وصفية للمكان بما لا ينبغي أن يكون، وهذا ما قد يدخل المادة إلى مسارات تخرج عن الموضع المراد منها، وقد يلمّح إلى مواضيع محرمة فكرية أو سياسية أو اجتماعية كنوع من التقيّة.

 

شكالية تحديد الجنس الأدبي وهي معضلة الكتاب ... ربما تكون الإشكالية الأكبر في هذا الكتاب ليست في مضمون ما كتب، وإنما في السؤال الذي يفرض نفسه على القارئ منذ الصفحات الأولى: إلى أي جنس أدبي ينتمي هذا الكتاب؟ وهنا تبدأ المعضلة، لأن الكاتب وضعه في خانة المجموعة القصصية، ولكن القارئ عندما يدخل بين صفحاته لا يجد تلك الحدود الواضحة التي تفصل القصة عن المقالة، أو الخاطرة عن النص النثري، أو التوثيق عن السيرة الذاتية.

وهنا لا أريد أن أضع الكاتب في قفص التصنيف الأدبي لمجرد التصنيف، ولكن تحديد الجنس الأدبي ليس مسألة شكلية كما قد يعتقد البعض، بل هو جزء من هوية العمل، لأن القارئ عندما يمسك كتاباً يحمل عنوان مجموعة قصصية يدخل إليه وهو يمتلك توقعات معينة، وعندما لا يجد مقومات القصة بمفهومها الفني المعروف يبدأ السؤال: هل المشكلة في القارئ أم في النص أم في التصنيف؟

فالقصة تحتاج إلى بناء، وشخوص، وحركة، وحدث، ومسار يقود المتلقي إلى نتيجة، بينما النص الانطباعي يقوم على إحساس وانطباع ورؤية، والمقال يقوم على فكرة ومحاولة لمعالجتها، أما السيرة فتقوم على استحضار التجربة الذاتية وربطها بالزمن والحدث. وعندما تجتمع هذه العناصر جميعاً في كتاب واحد دون أن تكون هناك حدود واضحة بينها، يصبح من الصعب أن تمنح العمل هوية أدبية محددة.

وهذا بالضبط ما وجدته في (أوراق منسية)، فأنا أمام نصوص تتنقل بين التجربة الشخصية، والتأمل، والوصف، واستحضار الشخصيات، وتسجيل بعض المواقف، وأحياناً الاقتراب من القصة، ولكنها لا تستقر طويلاً في جنس أدبي واحد، وكأن الكاتب ترك الباب مفتوحاً أمام أكثر من اتجاه، وربما كان ذلك مقصوداً، وربما جاء نتيجة طبيعية لطبيعة التجربة التي أراد توثيقها.

ولكن الإشكالية هنا أن القارئ لا يستطيع دائماً أن يقرأ النص بمعزل عن العنوان الذي وضعه المؤلف له، فالتصنيف يخلق عقداً ضمنياً بين الكاتب والقارئ، والكاتب يقول لك من البداية: هذه مجموعة قصصية، وأنت تدخل إلى النص بحثاً عن القصة، فإذا وجدت شيئاً آخر تبدأ عملية البحث عن الهوية الحقيقية للنص.

وقد يقول البعض إن الأدب لا يحتاج إلى صناديق، وهذا كلام صحيح إلى حد كبير، فالإبداع الحقيقي قد يتمرد على التصنيفات، وقد يولد جنساً أدبياً جديداً من رحم التجربة، ولكن الفرق بين التمرد على القاعدة وبين عدم القدرة على تحديد القاعدة هو أن الأول مشروع إبداعي واعٍ، أما الثاني فقد يجعل العمل يبدو مشتتاً بين أكثر من هوية.

وهنا أجد أن معضلة الكتاب الحقيقية ليست في أن النصوص غير قابلة للقراءة، بل في أن القارئ يحتاج إلى مفتاح مختلف للدخول إليها، لأن الكاتب لا يقدم له جنساً أدبياً واضح المعالم، وإنما يقدم له أوراقاً من تجربة إنسانية متراكمة، بعضها شخصي وبعضها اجتماعي وبعضها أقرب إلى التأمل، ولهذا فإن قراءة الكتاب بوصفه مجموعة قصصية فقط قد تكون قراءة ناقصة، كما أن التعامل معه بوصفه سيرة ذاتية كاملة سيكون أيضاً غير دقيق.

ومن هنا أرى أن المشكلة ليست بالضرورة في النص ذاته، وإنما في عملية التقديم والتصنيف، لأن النص قد يمتلك قيمته بعيداً عن اللافتة التي وضعت فوقه، ولكن اللافتة أحياناً تكون هي أول ما يحاكمه القارئ.

وربما كان من الأفضل أن يقدم الكتاب بوصفه نصوصاً أو أوراقاً من الذاكرة والتجربة، لأن هذا العنوان الواسع كان سيمنحه مساحة أكبر للحركة بين الأجناس الأدبية، ويمنح القارئ حرية أكبر في استقبال المادة دون أن يبحث في كل صفحة عن مقومات القصة التقليدية.

وبعيداً عن كل ذلك، تبقى التجربة جديرة بالقراءة، لأن الكاتب عندما يفتح أوراقه الخاصة أمام القارئ فإنه لا يقدم له مجرد حكايات، وإنما يقدم جزءاً من ذاكرته، والذاكرة بطبيعتها لا تسير وفق منهج أدبي محدد، فهي تقفز بين الأشخاص والأماكن والموت والحياة والمواقف، وقد تكون هذه الفوضى نفسها جزءاً من طبيعة التجربة التي أراد الكاتب توثيقها.

ولهذا فإنني لا أتعامل مع إشكالية الجنس الأدبي هنا باعتبارها حكماً بالإدانة، وإنما باعتبارها سؤالاً نقدياً مشروعاً: هل نحن أمام مجموعة قصصية بالفعل، أم أمام تجربة كتابية عابرة للأجناس؟ وفي تقديري أن الكتاب أقرب إلى الاحتمال الثاني، وهذه هي معضلته من جهة، وربما خصوصيته من جهة أخرى.**

 

الخلاصة ... إن ما ورد هنا لا يعتبر تقليلاً من شأن المنتج الكتابي، ولكن لكل شخص أو قارئ رؤى تختلف في موضوع معين، وقد أكون أصبت في مكان وأخطأت في موضع آخر، وهذا لا يعني أن رأيي قد يكون هو الصواب، ولكن كتابة رؤية نقدية قد تدفع الكثير للقراءة من باب الفضول، ويبقى الهدف واحداً لا يتغير، وهو تقديم نتاج كتابي يكون بمثابة توثيق تاريخي بصيغة أدبية، يوثق بعض القضايا التي تتوزع ما بين الانطباعية والنفسية والاجتماعية.

وهذا لا يعني أن نبخس الناس أشياءهم، وتبقى محاولة كتابية تحظى بالاحترام، وإن كانت مجرد محاولة وبعد كل ما ذكرت، يبقى نتاجاً فكرياً يحظى بكل التقدير والاحترام.

 

 

الأحد، 6 سبتمبر 2026

مقال

 

 الدراما السعودية وجرأة الطرح

تحت عنوان

قراءة نقدية وفنية لمسلسل «أحمر ولا أبيض»

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



في الغالب، ما عوّدتنا الدراما الخليجية بموضوعاتها الملتزمة التي تنحصر ما بين الأعمال الاجتماعية والكوميدية، ولكن طرح عمل مخالف للعادة يُعدّ مجازفة قاتلة. غير أن هذا العمل قد ذهب بعيدًا في طرحه الإبداعي من خلال عدة عوامل رئيسة أسهمت في نجاحه وتقديمه بشكل يحظى بالتقدير. ويُعدّ العمل من الأعمال القصيرة، إذ يتكون من ثماني حلقات، وهو من إنتاج عام 2026، ومن إخراج منير الزعبي.

وقد ينتمي العمل، من خلال المشاهدة الأولى، إلى نوعية أعمال الأكشن، ولكن في حقيقة الأمر هو ينتمي إلى الأعمال التي تعمل على نظام التوعية الاجتماعية، من خلال تناوله موضوع التجارة المحرمة، وتحديدًا **صناعة وتجارة الخمور**، حيث يرتكز العمل على عدد من الموضوعات الفرعية التي تدور حول الموضوع الرئيس، ومنها:

 

الحب... قدّم العمل هذه القضية بمعيار يختلف عمّا هو متعارف عليه من الناحية التقليدية، وما يحيل دون ديمومة هذا الحب من عوائق اجتماعية. وقد نجحت، إلى حد كبير، التقنيات الكتابية في رسم صور درامية عالية الدقة من ناحية معالجة النص وتوظيفه في بناء الأحداث والشخصيات.

 

الخيانة... وتُعدّ هنا محور الصراع الأساسي في العمل، وهي التي كانت سببًا في تعميق الخلافات الدائرة في مجرى الأحداث. ولم تكن الخيانة تقليدية، وإنما كانت خيانة لمواثيق وعهود غير موثقة، من خلال عمل عصاباتي لإدارة أعمال غير مشروعة، الأمر الذي جعل الخيانة تتحول من موقف فردي إلى عنصر محوري في صناعة الصراع الدرامي.

 

محور الصراع... يتجسد في الصراع من أجل الاستحواذ على سلطة المال، تلك السلطة التي تستسهل كل شيء من أجل الوصول إلى الهدف، حتى لو كان الثمن هو (الشرف والدم)، مع غياب القيم الأخلاقية عن الفرد. وهذا، في تقديري، كان الهدف الحقيقي الذي أراد العمل إيصاله؛ فحين يتحول المال إلى غاية مطلقة، تصبح القيم مجرد عوائق يمكن تجاوزها أو التضحية بها.

 

مشاهد مستفزة... من أكثر المشاهد استفزازًا في العمل مشهد قتل أحد العاملين معهم، حيث تجسّد الحدث في أن رئيس العصابة سأل أحد العاملين المتقاعسين: «هل تصلي؟»، وكانت الإجابة بالنفي، فقال لأحد رجاله: «اقتله». فأجاب الرجل بأنه صاحب عائلة، عندها قال: «فليكن».

وهذا المشهد يجسد الازدواجية في المعايير التي يتعامل بها الكثير من رجال العصابات في يومنا هذا، ويكشف غياب المعيار الإنساني عندما يصبح الأمر متعلقًا بالمال والمصلحة. وهنا نجد عملية إسقاط إبداعي أراد من خلالها العمل أن يضع المشاهد أمام مفارقة قاسية: كيف يمكن للإنسان أن يتحدث عن بعض القيم حين تخدم مصلحته، ثم يتخلى عن أبسط المعايير الإنسانية عندما تتعارض تلك القيم مع مصالحه؟

 

توظيف العمل... من خلال مجريات العمل الدرامي، يبدو أنه تم توظيفه بشكل احترافي لدعم القوات الأمنية العاملة في المملكة، ولا أرى ضررًا في ذلك يُبطل نجاح العمل إذا ما كان قد قُدّم بصورة احترافية عالية الجودة، وهي الجودة التي لمسناها في المسلسل. فلكل عمل درامي أهدافه ورسائله، وفي الفترة الحالية تقدّم الكثير من الأعمال الدرامية لهذا الغرض، وقد كانت للدراما المصرية دور الريادة في هذا المجال، من خلال توظيف الدراما في معالجة قضايا اجتماعية وأمنية وإنسانية مختلفة.

 

التقنية الإخراجية... وهنا يُحسب للكادر الإخراجي دوره الإبداعي في المعالجة الفنية للنص وترجمته إلى مشاهد تُعدّ احترافية ومتكاملة، تخدم فكرة الحوار وتدفع بالأحداث نحو مسارات أكثر تأثيرًا. وهذا ليس بغريب عن الدراما الخليجية، فقد اعتادت تقديم هذه النوعية من الرصانة الإبداعية منذ زمن طويل، مع تطور واضح في أدوات الإخراج والصورة وبناء المشهد الدرامي، بما يجعل العمل قادرًا على الجمع بين الرسالة الفنية ومتطلبات المشاهدة الحديثة.

 

البعد الاجتماعي... إن القيمة الحقيقية لأي عمل درامي لا تكمن فقط في قدرته على جذب المشاهد، وإنما في قدرته على جعله يفكر فيما وراء المشهد. وهذا ما حاول العمل الوصول إليه من خلال تقديم نموذج اجتماعي تتداخل فيه المصالح مع العلاقات الإنسانية، حتى يصبح الإنسان في بعض اللحظات أمام اختبار حقيقي بين ما يؤمن به وما تفرضه عليه ظروف الحياة.

فالانحراف لا يبدأ دائمًا بجريمة كبيرة، وإنما قد يبدأ بخطوة صغيرة يبررها الإنسان لنفسه، ثم تتحول تلك الخطوة إلى طريق يصعب الرجوع منه. وهنا تكمن خطورة المال غير المشروع، فهو لا يشتري الأشياء فقط، وإنما يستطيع أن يشتري بعض الذمم ويعيد ترتيب الأولويات ويجعل الخطأ في نظر صاحبه أمرًا قابلًا للتبرير.

 

الإنسان بين الاختيار والنتيجة... ومن الزاوية الفلسفية، يضعنا العمل أمام سؤال مهم: هل الإنسان هو الذي يصنع مصيره، أم أن الظروف هي التي تدفعه إلى ما يصبح عليه؟

والحقيقة أن العمل لا يقدم إجابة مباشرة، وإنما يترك المشاهد أمام مجموعة من الاحتمالات. فكل شخصية تحمل ماضيها وقراراتها، وكل قرار له ثمن، وكل اختيار يفتح بابًا جديدًا من النتائج. وهذه من أجمل المساحات التي يمكن للدراما أن تتحرك فيها؛ لأنها لا تقدم الإنسان بصورة الملائكي أو الشرير المطلق، وإنما تقدمه كما هو في الحياة، كائنًا تتصارع داخله الرغبة والخوف والمصلحة والضمير.

 

دلالة العنوان... أما عنوان العمل «أحمر ولا أبيض» فإنه يحمل في داخله مساحة رمزية تستحق التوقف عندها، فالأحمر يمكن أن يحيل إلى الدم والعنف والخسارة، بينما الأبيض يقف في الجهة المقابلة بوصفه رمزًا للنجاة والصفاء والسلام.

وبين اللونين تقف الشخصيات، وكأنها أمام طريقين لا ثالث لهما؛ طريق تقود إليه الرغبة في الانتقام، وطريق آخر يمكن أن يقود إلى الخلاص. وهنا يصبح العنوان جزءًا من البناء الدرامي وليس مجرد تسمية للعمل، لأنه يختصر الصراع الداخلي الذي تعيشه الشخصيات ويترك السؤال مفتوحًا أمام المشاهد: (أي طريق نختار عندما نصل إلى لحظة الاختيار؟)

 

الرسالة الأهم... وربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من هذا العمل أن الجريمة لا تصنع ضحاياها فقط، وإنما تصنع دائرة كاملة من الخاسرين؛ فهناك من يخسر ماله، ومن يخسر حريته، ومن يخسر أهله، ومن يخسر نفسه قبل كل شيء.

وهنا تتجاوز الدراما حدود الحكاية لتتحول إلى مرآة للمجتمع، فالعمل الناجح ليس الذي يجعلنا نعيش أحداثه أثناء المشاهدة فقط، وإنما ذلك الذي يجعلنا نستعيد أسئلته بعد انتهاء الحلقة الأخيرة. وهذه هي المسافة الفاصلة بين عمل يُستهلك للمشاهدة، وعمل يبقى في الذاكرة لأنه ترك خلفه سؤالًا لم ينتهِ بانتهاء الأحداث.

 

الخلاصة ... في النهاية، «أحمر ولا أبيض» ليس مجرد عمل درامي مرّ بنا ثم انتهى بانتهاء حلقاته، وإنما تجربة تستحق التوقف عندها، لأنها استطاعت أن تضع المشاهد أمام مساحة من الأسئلة أكثر مما قدمت له من إجابات. فالدراما الحقيقية لا تقاس بعدد المشاهد ولا بحجم الإنتاج، وإنما بقدرتها على أن تترك شيئًا في عقل المشاهد بعد انتهاء العمل.

لقد نجح المسلسل في أن يجعلنا نقف أمام حقيقة قاسية، وهي أن الإنسان عندما يفقد بوصلته الأخلاقية يصبح المال أقوى من القانون، والمصلحة أقوى من العائلة، والخيانة أسهل من الوفاء، والدم أقرب من التسامح. ولكن تبقى المسألة الأهم: هل يستطيع الإنسان أن يعود من الطريق الذي اختاره، أم أن بعض الطرق عندما نسلكها لا تترك لنا فرصة للعودة؟

وهنا تكمن قيمة «أحمر ولا أبيض»؛ فهو لا يضعنا أمام لونين فحسب، وإنما أمام خيارين في الحياة... بين طريق يترك خلفه الدم والخسارة، وطريق يبحث عن النجاة والسلام.

وربما لهذا السبب كان العنوان أكثر من مجرد عنوان، فقد ترك لنا العمل السؤال مفتوحًا: عندما تتساوى المصالح مع المبادئ، وعندما يصبح الاختيار بين المال والقيمة، وبين الانتقام والغفران... هل نختار الأحمر، أم نبحث عن الأبيض؟

ومن هنا أقول إن الدراما السعودية اليوم لم تعد مجرد محاولة لإرضاء المشاهد، وإنما بدأت تدخل مناطق أكثر جرأة في الطرح وأكثر نضجًا في المعالجة، وهذا بحد ذاته مؤشر يستحق التقدير. فالعمل الذي يجرؤ على الاقتراب من المسكوت عنه، ثم يقدمه بصورة فنية رصينة، هو عمل يستحق أن يُناقش، حتى وإن اختلفنا مع بعض تفاصيله.

وأخيرًا... قد تنتهي الحلقة الأخيرة، وتُغلق الشاشة، وتنتهي الحكاية، لكن العمل الحقيقي يبدأ بعد ذلك... حين يبقى السؤال في داخلنا، وحين نكتشف أن أخطر المعارك ليست تلك التي تدور بين الشخصيات، وإنما تلك التي تدور داخل الإنسان نفسه... بين أحمر يغريه، وأبيض يبحث عنه.

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

مقال

 

 معضلة القلم بين الأدب والصحافة

تحت عنوان

صراعات عبثية   

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



كثيرة هي الأسماء اليوم التي تتوزع بين الأدب والصحافة، ولكن هل تلك الأقلام حقيقية أم لا؟

وهنا معضلة القضية: الحقيقة . وهنا نستشهد بمقولة معززة للمقال مفادها: «العلوم مكاسب والفنون مواهب»، وكل شيء خارج هذا المفهوم يُعتبر شذوذًا.

وفي وقت ما سألت الدكتور أحمد جارالله ياسين، أستاذ الأدب العربي في كلية الآداب: ما رأيك في «البارون الأخير» شاعرًا؟ فكانت الإجابة، كما عودنا منه، غير تقليدية: «إن البارون الأخير لا يحتاج لكتابة قصيدة، لأنه قصيدة بحد ذاته» .

ولهذا القول دلالات تصب في أصل الفكرة، وهي أن للقلم حياة يترجمها الكاتب بالحروف والكلمات، وغير ذلك يكون النص فاقدًا لأهم عنصر من عناصره، وهي **روح النص** التي تتجسد في تجربة وجدانية عاشها الأديب أو الصحفي. فالكثير من النتاج الأدبي الذي خلّده التاريخ كان عبارة عن ترجمة حياتية.

 

التجمعات لا تصنع القلم... نرى اليوم الكثير من الأقلام تتهافت على مسألة الانضمام إلى الاتحادات والنقابات والحصول على هوية العضوية، ولهذا ترى مدارس في المحاباة والمجاملات في تلك التجمعات، ما يضعف أداءها في نوعية النتاج الأدبي.

وهذا يعود إلى بعض الأسباب، منها التباهي بهذه الصفة أو الجري خلف المكاسب المادية. ولكن ماذا عن جودة النص؟ والإجابة تكون أنها خارج حسابات تلك الجمعيات والنقابات، وهذا لا ينطبق فقط على جماعة الأدب والصحافة والإعلام أيضًا.

فقبل مدة كنت متواجدًا في تجمع صحفي، فنظرت من حولي، فوجدت أن جميع المتواجدين هم شخصيات مجهولة الاسم والشكل، وهذا ما يتنافى مع أصل العمل؛ فمن يزاول مهنة الكتابة في المدينة هم شخوص معلومة، أعرفهم وقرأت لهم، ولكن الحاضرين كانوا غير ذلك، وهذا ما يساهم في تعزيز نظرتي إلى الموضوع.

 

كيف تكون أديبًا أو صحفيًا... الموهبة هي البداية والنهاية، وليس عيبًا أن لا تكون موهوبًا، ولكن العيب أن توهم من حولك بحقيقة لا تملكها وهناك الكثير من الأسماء تملك الموهبة قبل شروعها في دخول تلك التجمعات، مثل (الشاعر كرم الأعرجي، والدكتور أحمد جارالله، والدكتور حسام الطحان) ، وغيرهم الكثير ممن كان لهم الأثر الكبير في الحركة الثقافية في المدينة.

والغريب أن الكثير اليوم يرى أن توجيه الدعوات لحضور مهرجانات أو مؤتمرات أو جلسات أدبية دليل على التميز، وهذا أمر عارٍ عن الصحة؛ فالنصوص القيمة لا تحتاج إلى أن يُعلن عنها، فهي من تفرض نفسها على المجتمع كنتاج إبداعي.

فكل الأسماء التي وردت في التاريخ، مثل امرئ القيس أو عنترة، أو حتى في التاريخ الحديث أمثال نزار قباني وغيره الكثير، والتي ذاع صيتها، كانت تجارب حياتية لم تكن تحتاج إلى تجمعات أو اتحادات لتقيمها كنوع من الإبداع.

أما أن تكون قد أتقنت بعض مهارة معينة، كالعَروض في الشعر، فهذا لا يصنع منك شاعرًا، وكذلك بقية أنواع الأدب؛ فللقلم حياة يجسدها النص.

 

أما الصحافة والإعلام... فتلك تنضوي تحت مهارات تتوزع ما بين الكتابة السمعية والبصرية، واليوم نرى الكثير ممن هم محسوبون على هذه الفئة ليس لديهم مقال صحفي واحد، لا في جريدة ولا حتى على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولكن ما يوهم نفسه بأنه صحفي هي تلك الأخبار العقيمة التي لا تتجاوز كلمة أو كلمتين، مثل: «تم رفع الراتب» أو «نزل الراتب» وبما أن ذلك الأمر يشغل الكثير من الناس، يتصور أنه إعلامي أو صحفي، وهذا ما يوهمه بأنه امتلك تلك الصفة.

 

المضمون... اليوم نرى انتشار المسوخ في عالم الأدب والثقافة، الذين هم عبارة عن «بالونات» فارغة من المضمون الإبداعي، كل عملهم الجري خلف القائمين على تلك التجمعات لنيل العضوية.

وهنا لا أريد فقط تجريم تلك الفئة، ولكن من ساهم في رسم هذه الصورة هم أيضًا المسؤولون في الاتحادات والتجمعات، من خلال تنصيب أنفسهم دهاة العصر والزمن فيما يخص نتاج القلم، والمعايير المزاجية في التعامل مع المشهد الثقافي.

فالقلم الذي لا يطبل لهم هو قلم فاقد للأهلية ولا يستحق تسليط الضوء عليه، وهذا يشمل الصحافة والأدب وهذه حقيقة، فالأمر برمته مبني على نوعية العلاقات مع القائمين على تلك التجمعات، مما جعل هناك تراجعًا في المستوى الأدبي.

فلا زلت أتذكر الأيام الأولى لتجربتي الكتابية، حين قدمني الشاعر الدكتور مزاحم علاوي ، رحمه الله، كموهبة شابة للاتحاد في تسعينيات القرن الماضي. لم يكن بيننا ما يسمى بالمحاباة أو المجاملات، فقد كنت أعمل في كلية الآداب، وهو في كلية التربية، ورغم هذا كان الرجل يتصف بالعدالة المفقودة هذه الأيام، التي يكون الحضور والاحتفاء فيها تحت شعار: «هذا نريدو وهذا ما من جمعتنا» وهنا تكمن الكارثة، وهي المزاجية في التعامل مع النتاج الأدبي، مما أضعف الحركة الأدبية في المدينة.

 

الطريق إلى القمة... لا يحتاج إلى هوية عضوية وإنعاش الشعور السلطوي لبعض الشخصيات من خلال إعطائهم الشرعية، ولهذا ترى تهافتهم على رئاسة تلك التجمعات.

ولكن ليكن هذا من خلال إثبات الاحترافية التي يتمتع بها قلمك، حتى ولو كره الكارهون؛ فعدم اعتراف هؤلاء بك لا يسقط عنك صفة ولا يمنحك إياها، ولكن نصوصك قد تمنحك الشرعية والحق في الكتابة.

أما الجري خلف فلان وعلان لتكون كاتبًا، فمضيعة للوقت لا أكثر؛ فليس هناك متسع للجري خلف السراب.

فأعد ترتيب ذهنك لتقيّم موهبتك من خلال قراءتك للنصوص والحياة، التي في الغالب تكون الرافد لتكوين نص أدبي أو صحفي يحظى بالاحترام.

وهنا لا أدعو إلى مقاطعة تلك التجمعات، ولا ضرر في التواصل معهم فقط للاطلاع، ولكن لا تجعل منها مرجعية لعملك الكتابي.

 

الخلاصة... قلمك يعتبر الدفّة لزورق في بحر هائج، فلا تعطِ دفة زورقك لمن لا يرضى أن يطغى تميزك عليه، ففي ذلك نوع من الحماقة التي لا تليق بك كأديب أو صحفي.

فالتميز لن يمنحه إلا قلمك وما يسطره من الإبداع الفكري، عندها سوف تكون أكبر من تجمعات قائمة فقط على إعطاء الشرعية لوجهة نظرهم من خلال وجودك، إلا من خلال بطاقة، وهي لن تجعل منك يومًا ما كاتبًا أو صحفيًا.

وهنا سوف يأتي أحدهم ليقول إن ما كُتب هنا هو نتاج الذكاء الاصطناعي، لأقول له: **أمانة، توصل سلامي وتحياتي للذكاء الاصطناعي، لأنه قد كتب حقيقة تخافونها.** وإذا ما قورنت كلماتي بما يكتبه الذكاء الاصطناعي، فذلك أمر يدعو للفخر؛ لأني قد وصلت إلى مرحلة تتخطى حدود الاحترافية في الكتابة.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

مقال

 

 كتب مثيرة للجدل «معالم في الطريق» لسيد قطب

تحت عنوان

كسر عظم

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



اليوم لسنا بصدد الطعن بشخصية ولا التشكيك بإيمان أحدهم، ولكن اليوم نحن بصدد كسر عظم منهجية كان لها نتائج كارثية على صعيد الساحة الإسلامية، وهذا ما لا يستطيع أحد إنكاره. واليوم نحن بصدد الحديث عن كتاب حاول تغيير عقيدة بأكملها، والذي يتخذ منه الذين يؤيدون ذلك الفكر أنه دستور لا يمكن المساس به، وهذه من التوابع التي خلفتها تلك العقلية التي كُتبت بها منهجية ذلك الكتاب.

والغريب أن معتنقي تلك المنهجية على قناعة أن لا أحد يستطيع وضع المادة التي نتحدث عنها اليوم تحت المجهر، وإظهار عيوبها وتصحيح ما ورد فيها، وهنا سوف نكسر أيضًا تلك القناعات المريضة، وسوف نتناول الكتاب من ناحية أبوابه، مبينين رأي الكاتب وما أخطأ به.

مضمون الكتاب من وجهة نظر أصحابه ومن يتخذ هذا المنهج يرى أن الكتاب يمثل طفرة في عالم الفكر الإسلامي الحديث، ينظم به أساليب رسم صورة الإسلام.

اما الحقيقية فهو كتاب نقل الفكر الدعوي المشكوك في أمره منذ بداية تأسيس الحركة إلى ما يُعرف بالفكر الجهادي، واتخذت جماعات منحرفة كثيرة منه منهجًا لتبويب أطماعهم السياسية.

وقد حاول الكاتب هنا إمكانية استنساخ الرعيل الأول من فجر الدعوة الإسلامية، وأعتقد هنا أنه قد غفل عن معايير المكان والزمان والشخصيات، وقد نسي أو تناسى أن فجر الدعوة كان هناك نبي بمعجزات مدعوم بالإرادة الإلهية.

ورغم هذا، لم تكن هناك صورة مثالية لما يرمي إليه، ولو كان المجتمع وقتها كما يتصور الكاتب، ما كانت هناك حروب الردة.

ومع تغيّر الحضارة يكون هناك تغيّر في معطيات بناء جيل قرآني بغير ما يتحدث عنه، فالكتاب قد غفل عن مسألة مهمة جدًا، وهي المبالغة في مثالية النموذج المراد طرحه، متشبثًا بمن كان في تلك المرحلة، في عصر النبوة.

 

عندما تتحول التجربة إلى عقيدة ... وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية في هذا الكتاب، فالنص لا يكتفي بقراءة تجربة تاريخية محددة، بل يحاول أن يحولها إلى نموذج قابل للاستنساخ، وكأن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه بالصورة ذاتها، وكأن الإنسان الذي يعيش في القرن العشرين أو الحادي والعشرين يمكن أن يُعاد تشكيله بالمعطيات ذاتها التي صنعت إنسان القرن الأول الهجري. وهذه واحدة من أخطر الإشكالات المنهجية التي وقع فيها الكتاب، لأنه لم يضع الفارق بين **النص المقدس والتجربة البشرية في التاريخ**، ولم يمنح الزمان والمكان والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حقها في صناعة الإنسان والمجتمع.

فالجيل الأول لم يكن مجرد مجموعة من الأشخاص قرأوا القرآن فصاروا نموذجًا مكتملًا، وإنما كان نتاج ظروف تاريخية واجتماعية وروحية وسياسية شديدة الخصوصية، وكان يعيش في ظل قيادة نبوية مباشرة. أما محاولة استحضار ذلك النموذج خارج شروطه التاريخية، فهي ليست قراءة للتاريخ بقدر ما هي محاولة لإعادة إنتاجه قسرًا.

والأخطر من ذلك أن تحويل تجربة تاريخية إلى **مقياس وحيد للحكم على المجتمعات اللاحقة** يفتح الباب أمام تقسيم الناس إلى مجتمع إسلامي حقيقي ومجتمع جاهلي، وهذه الثنائية ليست مجرد مصطلح عابر، وإنما يمكن أن تتحول إلى أداة لإدانة المجتمع بأكمله، ثم إلى مبرر للقطيعة معه، وربما إلى اعتبار تغييره واجبًا بأي وسيلة.

وهنا تكمن الخطورة التي لا ينبغي تجاهلها؛ لأن الفكر عندما ينقل الإنسان من مرحلة النقد إلى مرحلة إدانة المجتمع، ثم يقنعه بأنه يمتلك الحقيقة الكاملة، يصبح من السهل جدًا أن تتحول الفكرة من مشروع إصلاح إلى مشروع صدام.

 

من نقد الواقع إلى إلغاء الواقع ... إن المشكلة في «معالم في الطريق» ليست في كونه كتابًا نقديًا، فالنقد ضرورة لأي مجتمع، وإنما في طبيعة العلاقة التي أقامها الكتاب مع الواقع. فالواقع عنده يبدو في كثير من المواضع وكأنه كتلة واحدة فاسدة تحتاج إلى إعادة تشكيل وفق نموذج سابق، بدل أن يكون واقعًا معقدًا يحتاج إلى الإصلاح التدريجي، وإلى فهم تناقضاته، وإلى التعامل مع أفراده باعتبارهم بشرًا لا مجرد أرقام في معادلة فكرية.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يمكن إصلاح المجتمع بإلغاء واقعه؟ وهل يمكن بناء الإنسان الجديد بتجاهل علم الاجتماع والتاريخ والسياسة والاقتصاد وتحولات المعرفة؟ وهل كل مجتمع لم يطابق النموذج المثالي يصبح بالضرورة مجتمعًا جاهليًا؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تكشف حجم الإشكالية؛ لأن المجتمعات لا تُبنى بالحنين إلى الماضي وحده، ولا تُدار بمنطق الاستنساخ، ولا يمكن أن تُعاد صياغتها بمجرد إطلاق الأحكام عليها.

والأشد خطورة أن بعض القراءات اللاحقة للكتاب لم تتعامل معه بوصفه اجتهادًا فكريًا قابلًا للنقاش والمراجعة، وإنما حولته إلى نص مغلق، وكأن مناقشة أفكاره خروج عن الدين ذاته. وهنا تتحول الفكرة من اجتهاد بشري إلى ما يشبه المقدس، ويصبح صاحبها فوق النقد، ويصبح الكتاب فوق المراجعة، ويصبح أتباعه أسرى لنص لا يسمح لهم حتى بالسؤال.

وهذه هي اللحظة التي يموت فيها الفكر؛ لأن الفكر الذي يخاف من السؤال يتحول إلى عقيدة مغلقة، والعقيدة المغلقة عندما تدخل ميدان السياسة قد تتحول إلى سلطة، وعندما تدخل ميدان الصراع قد تتحول إلى أداة إقصاء.

 

 كسر العظم الحقيقي ... لذلك فإن كسر العظم الذي نقصده هنا ليس كسر شخص أو إسقاط قيمة كاتب، وإنما كسر تلك الهالة التي صُنعت حول الكتاب، وإعادته إلى مكانه الطبيعي: **كتاب بشري كتبه بشر، ومن حق البشر أن يقرأوه ويناقشوه ويختلفوا معه ويكشفوا مواطن القوة والخلل فيه.**

 

فليس من المنطق أن نطالب الناس بإعمال عقولهم في كل شيء، ثم نضع كتابًا بشريًا في منطقة محرمة لا يجوز الاقتراب منها.

وإذا كان الكتاب قد فتح بابًا واسعًا للنقاش حول علاقة الإسلام بالمجتمع والدولة والحاكمية والجاهلية، فإن هذا لا يمنحه حصانة من النقد، بل على العكس، كلما كان تأثير الكتاب أكبر، أصبحت مسؤولية نقده أكبر.

فالكتب لا تُقدس لأنها اشتهرت، والأفكار لا تصبح صحيحة لأنها وجدت أتباعًا، والتاريخ لا يتحول إلى دستور لمجرد أن أحدًا قرأه بهذه الطريقة.

وهنا تحديدًا يبدأ **كسر العظم الحقيقي**... أن نكسر أولًا وهم العصمة عن الفكرة، ثم نعيد العقل إلى مكانه، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة ليس أن تختلف حول كتاب، وإنما أن تتوقف عن الاختلاف معه.

 

 الخلاصة... سوف يشكك بما كُتب هنا أصحابه والتابعون لهذا الفكر، كما فعل أحدهم حين قال لي: «إنك لم تقرأ وتكتب». وهذه حجة الضعيف عندما لا يجد ما يُبطل ما أكتبه، فهذه دعوة لمن يعترض أن يردّ عليه بالحجة إذا ما استطاع ذلك، ولكن لتكن هناك أدلة، لا مجرد «قال فلان» و«قال علان».

فنحن اليوم أمام منعطف تاريخي، يجب أن تكون هناك مصفاة لتصفية الفكر الذي قد يهدم الدين بدل بنائه، وأن نمتلك الشجاعة الكافية للتمييز بين ما يخدم الإسلام وما يسيء إليه، وبين الفكر الذي يدعو إلى الإصلاح والفكر الذي قد يقود إلى الصدام والانغلاق.

إن احترام الكاتب لا يعني تقديس أفكاره، والاختلاف معه لا يعني الإساءة إليه، كما أن نقد كتابه لا يعني الطعن بدينه أو شخصه. فالكتب تبقى كتبًا، والأفكار تبقى أفكارًا، والميزان الحقيقي لها هو قدرتها على الصمود أمام السؤال والنقد والدليل.

أما أن نضع كتابًا بشريًا في مرتبة لا يجوز الاقتراب منها، ونمنع العقل من مساءلته، ونعتبر كل من يختلف معه جاهلًا أو منحرفًا، فهنا لا نكون قد دافعنا عن الفكر، بل نكون قد أغلقنا أبواب الفكر.

ولهذا فإن معركتنا ليست مع سيد قطب كشخص، وإنما مع منهجية وأفكار نرى أنها تستحق أن توضع تحت المجهر، وأن تُقرأ بعيدًا عن الهالة، وأن تُناقش بعيدًا عن الخوف والتقديس. فما وافق الدليل نأخذه، وما أخطأ فيه الكاتب نرده، وما يحتاج إلى مراجعة نراجعه، لأن الدين أكبر من أن يُختزل في قراءة رجل، والإسلام أوسع من أن يكون أسيرًا لكتاب مهما بلغ تأثيره.

وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله بديننا أن نحوله إلى منطقة محرمة على العقل، وأخطر ما يمكن أن نفعله بعقولنا أن نسلمها لكتاب ونمنع عنها السؤال.

**فالفكر الذي لا يقبل النقد ليس فكرًا قويًا، والكتاب الذي يخشى صاحبه من وضعه تحت المجهر ليس بحاجة إلى أتباع يدافعون عنه، بل إلى حجج تدافع عنه... وهنا فقط يكون العقل قد بدأ مهمته الحقيقية.**

مقال فني

  الدراما التركية وأيديولوجية صناعة التاريخ الافتراضي تحت عنوان قراءة في مسلسل (الملحمة) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين دعنا...