بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

مقال فني

 

الدراما التركية وأيديولوجية صناعة التاريخ الافتراضي

تحت عنوان

قراءة في مسلسل (الملحمة)

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



دعنا نتفق في البداية على أنه ليس من العيب ألّا يكون لفئة من البشر تاريخ موثّق، ولكن من المعيب أن تصنع تاريخًا افتراضيًا. فمنذ أعوام طويلة، كان الكثير من العرب يتخذون من فيلم «الرسالة» المصدر الوحيد الضمني لتاريخ الإسلام.

وهنا نكون قد رسمنا القاعدة الأساسية لبناء فكرة المقال، فمسلسل «الملحمة – Destan» هو عمل درامي تركي من إنتاج شركة (Bozdağ Film) ، ومن إنتاج وتصميم مشروع محمد بوزداغ، وإخراج أمير خليل زادة وآخرين. بدأ عرضه في تركيا على قناة (ATV) بتاريخ 23 نوفمبر 2021.

يعتمد المسلسل برمّته على مرويات تراثية متناقلة شفهيًا، وهنا لا تكون المشكلة في بنية العمل الدرامية بحد ذاتها، وإنما في جعل تلك الموروثات حقائق تاريخية يجري ترسيخها في مخيلة المشاهد. وهذا ما عمل عليه القائمون على العمل، وهنا سوف نستعرض بعض القضايا التي وُظِّفت بشكل سيئ.

 

المدن والحقبة التاريخية ... ورد في سياق العمل العديد من أسماء المدن والممالك، ومنها مملكة بوك ومملكة الجبل، وتدور أحداثه في القرن السابع والثامن الميلاديين. ولكن ما تذكره المصادر التاريخية، بحسب ما أطرحه هنا، ينفي وجود تلك المسميات بوصفها كيانات تاريخية على النحو الذي ظهر في المسلسل. فقد كانت تلك الحقب، في الحقيقة، تشهد وجود خاقانيات متفرقة، تشكّل نظمًا قبلية لا تنضوي بالضرورة تحت سلطة موحّدة. وهذا ما يعزّز فرضيتي منذ البداية.

 

الرموز التاريخية ... تناول العمل العديد من الرموز التي وُظِّفت لخدمة ما يُعرف بمتعة المشاهدة، من خلال إشغال العقل الباطن برموز تخلق نوعًا من التغييب الفكري وفرض أجندة مرسومة. ومن هذه الرموز  «بقعة الدم» عند ولادة الشخصيات العظيمة، في إشارة إلى أن «كتوز»، الجد الأول للترك، وُلد على هذه الشاكلة. ولم يكتفِ العمل بذلك، بل عزّز هذه الفكرة بما يُعرف بـ «الذئب الفضي» . وكل تلك الرموز، وفق قراءتي، لا أجد لها أصولًا ثابتة في الحقائق التاريخية.

 

صناعة البطل ... يضم المسلسل العديد من الشخصيات التي صُنِع منها أبطال أسطوريون، مثل «أكيز»، التي يُطلق عليها لقب **«مخلب الذئب ذي الرأسين» ، وهي المحاربة التي تتخذ دور المعارضة للحكم. والحقيقة أن الشخصية، في تصوري، مستنسخة من أسطورة الأمازونيات. كما أن العمل لم ينجح في صياغة صورة تتماشى مع تاريخ الترك، وأنا على يقين بأنه لو كانت ميزانية العمل تسمح بذلك، لجعلوا لها أجنحة تطير بها، فقط لتقديمها بوصفها امرأة مثالية في التاريخ الافتراضي المزعوم.

 

بطل ذو إعاقة ... «باتوغا» هو البطل الذي يُعدّ محور المسلسل، والذي يطلق عليه العمل لقب «الذئب ذو الرأسين» ، في محاولة للإيحاء بصورة البطل الخارق. ولكن، وللمرة الأولى، يكون البطل من ذوي الإعاقة، ثم يتحول بمرور الزمن إلى شخصية خارقة تصلح لقيادة القبائل التركية. وهنا يتبيّن أن القائمين على العمل قد أمعنوا في الذهاب نحو الفانتازيا في صياغة أحداث المسلسل وشخصياته.

ملاحظة / جميع ما ورد في المسلسل من شخصيات وأماكن وأحداث لا يستند، وفق الطرح الذي أقدّمه في هذا المقال، إلى توثيق تاريخي معلوم، والعمل برمّته من خيال الكاتب.

 

حين تتحول الدراما إلى مصنع للتاريخ المزيف ... إن خطورة الدراما التاريخية لا تكمن في قدرتها على صناعة مشاهد مبهرة أو تقديم شخصيات خارقة للعادة، فذلك يدخل في صميم العمل الفني الذي لا يعترض عليه أحد، وإنما تكمن الخطورة الحقيقية عندما تتحول الشاشة إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وعندما يصبح الخيال الذي نسجه كاتب في غرفة مغلقة بديلًا عن الوقائع التي حفظتها المصادر التاريخية. وهنا نكون أمام إشكالية تتجاوز حدود الترفيه، لتصل إلى مرحلة العبث بالذاكرة الإنسانية، لأن المشاهد البسيط لا يمتلك بالضرورة أدوات المؤرخ الذي يستطيع التمييز بين الرواية الموثقة والأسطورة المتناقلة، بل قد يستقبل المشهد الدرامي بوصفه حقيقة لا تقبل النقاش، خصوصًا عندما يُقدَّم العمل بلغة الواثق، وتُحاط شخصياته بهالة من العظمة والبطولة.

ولعل المصيبة الأكبر أن الصورة المرئية تمتلك من القدرة على التأثير ما لا تمتلكه صفحات الكتب عند كثير من الناس، فمشهد واحد قد يرسخ في الذاكرة أكثر مما ترسخه عشرات الصفحات من الدراسات التاريخية. وعندما تتكرر المشاهد ذاتها، وتُعاد صياغة الشخصيات وفق رؤية محددة، يصبح الخيال مع مرور الزمن جزءًا من الذاكرة المتداولة، حتى ينسى المشاهد أين انتهت الحقيقة وأين بدأت حكاية المؤلف. وعندها لا يعود السؤال: ماذا حدث فعلًا؟ بل يصبح: لماذا لا يوافق التاريخ ما شاهدناه على الشاشة؟ وكأن المؤرخ مطالب بالاعتذار لكاتب السيناريو لأنه لم يكتب التاريخ بالطريقة التي أرادها الأخير!

إن صناعة التاريخ الافتراضي ليست مجرد إضافة معركة لم تقع، أو اختراع شخصية لم يعرفها المؤرخون، أو منح بطل درامي قدرات خارقة، وإنما هي عملية قد تتجاوز ذلك إلى إعادة بناء صورة الماضي وفق احتياجات الحاضر، بحيث يُعاد توزيع الأدوار، ويُصنع الأبطال، ويُختلق الأعداء، وتُمنح بعض الشخصيات صفات لم تثبت لها، ثم تُقدَّم هذه الصورة إلى الجمهور وكأنها خلاصة تاريخية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. وهنا تتحول الدراما من وسيلة لاستحضار الماضي إلى وسيلة لصناعة ماضٍ جديد، ماضٍ لا يحتاج إلى وثيقة أو شاهد، بل يكفي أن يمتلك مخرجًا بارعًا وموسيقى مؤثرة وممثلًا يجيد رفع حاجبيه في اللحظة المناسبة!

ولا أقول إن على الدراما أن تتحول إلى محاضرة جامعية جافة، أو أن يُمنع الكاتب من استخدام الخيال، فالفن بطبيعته يمتلك مساحته الخاصة في التعبير والتأويل، ولكن من حق المشاهد أن يعرف متى يكون أمام واقعة تاريخية، ومتى يكون أمام معالجة فنية، ومتى تكون الشخصية مستندة إلى مصدر، ومتى تكون من اختراع الكاتب. فالفارق كبير بين أن تستلهم الأسطورة وتقدمها بوصفها أسطورة، وبين أن تلبسها ثوب الحقيقة ثم تطالب الناس بتصديقها. الأول إبداع فني، أما الثاني فيفتح الباب أمام تضليل الذاكرة وتغييب الوعي.

ولذلك فإن المسؤولية لا تقع على الكاتب والمخرج وحدهما، بل تمتد إلى المؤسسات الإعلامية والثقافية، وإلى النقاد الذين يتعاملون مع هذه الأعمال، وإلى المشاهد الذي ينبغي ألّا يمنح الشاشة صكًّا تاريخيًا مفتوحًا لمجرد أنها قدمت له مشهدًا مؤثرًا. فالتاريخ ليس ملكًا لشركة إنتاج، ولا إرثًا خاصًا بمخرج، ولا ساحة مفتوحة لكل من أراد أن يضيف إلى الماضي ما يشاء ثم يطالب الآخرين بالتصفيق له. التاريخ ذاكرة أجيال، والعبث به عبثٌ بما تتكئ عليه الشعوب في فهم حاضرها وتفسير ماضيها.

وهنا أعود إلى جوهر مقالي: إن المشكلة ليست في أن تصنع الدراما حكاية من الخيال، بل في أن تُقدَّم الحكاية على أنها تاريخ، ثم يُترك المشاهد أسيرًا لصورة قد لا يكون لها أصل في الواقع. فحين تصبح الأسطورة وثيقة، ويصبح المؤلف مؤرخًا بقرار من نفسه، وتتحول المشاهد المصنوعة إلى حقائق راسخة في عقول الجمهور، نكون قد دخلنا مرحلة خطيرة يصبح فيها تزوير الماضي أسهل من البحث عنه، ويصبح تصحيح الوعي أصعب من صناعة الوهم.

فالتاريخ لا يحتاج إلى أبطال بأجنحة، ولا إلى ذئاب فضية تمنحهم شرعية العظمة، بل يحتاج إلى عقل يسأل، ومصدر يُفحَص، وحقيقة لا تخضع لمزاج كاتب أو رغبة شركة إنتاج. أما تحويل الخيال إلى ذاكرة، فليس إبداعًا مهما بلغت براعة صانعيه، بل هو وصفة جاهزة لصناعة أجيال تحفظ ما لم يحدث، ثم تدافع عنه وكأنها كانت شاهدة على وقوعه!

 

الخلاصة ... وفي ختام هذه المهزلة الدرامية، أقول لمن يتوهمون أن بإمكانهم صناعة التاريخ على مقاسات أحلامهم: إن التاريخ ليس دكانًا لبيع الأساطير، ولا أرضًا سائبة يعبث بها كتّاب السيناريو كلما أعوزتهم الحقيقة، وليس من حق أحد أن يختلق ممالك وشخصيات وأحداثًا، ثم يضع عليها ختم التاريخ لمجرد أنه يمتلك كاميرا وميزانية إنتاج ومجموعة من الممثلين يجيدون الصراخ فوق ظهور الخيل! فالتاريخ أكبر من أن تختصره شركة إنتاج، وأعمق من أن تعبث به مخيلة كاتب قرر أن يمنح أبطاله ما لم تمنحهم إياه الوقائع.

إن ما نشاهده في مثل هذه الأعمال ليس مجرد مبالغة فنية عابرة، بل هو استخفاف بعقل المشاهد حين يُدفع إلى استهلاك الوهم على أنه حقيقة، وتُحشر الأساطير في ذاكرته حشرًا، حتى يصبح الدفاع عن الخيال أشد حماسة من البحث عن الحقيقة. وهنا تكمن الكارثة؛ أن يتحول المتلقي إلى حارسٍ لرواية لم يعرف مصدرها، وأن يصبح السؤال عن الدليل جريمة في نظر من استبدلوا الوثيقة بمشهد تمثيلي، والمصدر التاريخي بموسيقى تصويرية!

يا سادة، إن صناعة البطل لا تصنع تاريخًا، وتكثير المعارك لا يمنح الرواية مصداقية، وإلباس الشخصيات ألقابًا أسطورية لا يحوّلها إلى رموز تاريخية. فالحقيقة لا تحتاج إلى أجنحة تطير بها، ولا إلى ذئب فضي يقودها، ولا إلى بقعة دم تمنحها شهادة ميلاد مزيفة. الحقيقة تحتاج إلى دليل، ومن لا يمتلك الدليل فليتوقف عن بيع الأوهام للناس باسم التاريخ.

أما أنتم، يا صُنّاع هذه الحكايات، فاكتبوا ما شئتم من الأساطير، واصنعوا ما شئتم من العوالم الخيالية، ولكن لا تطلبوا من التاريخ أن يشهد زورًا لمصلحتكم، ولا من عقولنا أن تنحني أمام شاشة تتقن صناعة الوهم أكثر مما تتقن احترام الحقيقة. فالتاريخ ليس مسرحًا لبطولاتكم المصطنعة، ولا ذاكرةً مستباحةً تعبثون بها كما تشاؤون؛ ومن أراد أن يكتب رواية فليسمّها رواية، ومن أراد أن يصنع أسطورة فليعلن أنها أسطورة، أما أن يبيع الخيال على أنه تاريخ، فهذه ليست بطولة درامية، بل مهزلة تستحق أن تُسدل عليها الستارة، قبل أن يصفق الوهم لنفسه ويطالب الحقيقة بمغادرة المسرح!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال فني

  الدراما التركية وأيديولوجية صناعة التاريخ الافتراضي تحت عنوان قراءة في مسلسل (الملحمة) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين دعنا...