الدراما
السعودية وجرأة الطرح
تحت
عنوان
قراءة
نقدية وفنية لمسلسل «أحمر ولا أبيض»
بقلم /
البارون الأخير محمود صلاح الدين
في
الغالب، ما عوّدتنا الدراما الخليجية بموضوعاتها الملتزمة التي تنحصر ما بين
الأعمال الاجتماعية والكوميدية، ولكن طرح عمل مخالف للعادة يُعدّ مجازفة قاتلة.
غير أن هذا العمل قد ذهب بعيدًا في طرحه الإبداعي من خلال عدة عوامل رئيسة أسهمت
في نجاحه وتقديمه بشكل يحظى بالتقدير. ويُعدّ العمل من الأعمال القصيرة، إذ يتكون
من ثماني حلقات، وهو من إنتاج عام 2026، ومن إخراج منير الزعبي.
وقد
ينتمي العمل، من خلال المشاهدة الأولى، إلى نوعية أعمال الأكشن، ولكن في حقيقة
الأمر هو ينتمي إلى الأعمال التي تعمل على نظام التوعية الاجتماعية، من خلال
تناوله موضوع التجارة المحرمة، وتحديدًا **صناعة وتجارة الخمور**، حيث يرتكز العمل
على عدد من الموضوعات الفرعية التي تدور حول الموضوع الرئيس، ومنها:
الحب... قدّم
العمل هذه القضية بمعيار يختلف عمّا هو متعارف عليه من الناحية التقليدية، وما
يحيل دون ديمومة هذا الحب من عوائق اجتماعية. وقد نجحت، إلى حد كبير، التقنيات
الكتابية في رسم صور درامية عالية الدقة من ناحية معالجة النص وتوظيفه في بناء
الأحداث والشخصيات.
الخيانة...
وتُعدّ هنا محور الصراع الأساسي في العمل، وهي التي كانت سببًا في تعميق الخلافات
الدائرة في مجرى الأحداث. ولم تكن الخيانة تقليدية، وإنما كانت خيانة لمواثيق
وعهود غير موثقة، من خلال عمل عصاباتي لإدارة أعمال غير مشروعة، الأمر الذي جعل
الخيانة تتحول من موقف فردي إلى عنصر محوري في صناعة الصراع الدرامي.
محور
الصراع... يتجسد في الصراع من أجل الاستحواذ على سلطة المال، تلك السلطة التي
تستسهل كل شيء من أجل الوصول إلى الهدف، حتى لو كان الثمن هو (الشرف والدم)، مع
غياب القيم الأخلاقية عن الفرد. وهذا، في تقديري، كان الهدف الحقيقي الذي أراد
العمل إيصاله؛ فحين يتحول المال إلى غاية مطلقة، تصبح القيم مجرد عوائق يمكن
تجاوزها أو التضحية بها.
مشاهد
مستفزة... من أكثر المشاهد استفزازًا في العمل مشهد قتل أحد العاملين معهم، حيث
تجسّد الحدث في أن رئيس العصابة سأل أحد العاملين المتقاعسين: «هل تصلي؟»، وكانت
الإجابة بالنفي، فقال لأحد رجاله: «اقتله». فأجاب الرجل بأنه صاحب عائلة، عندها
قال: «فليكن».
وهذا
المشهد يجسد الازدواجية في المعايير التي يتعامل بها الكثير من رجال العصابات في
يومنا هذا، ويكشف غياب المعيار الإنساني عندما يصبح الأمر متعلقًا بالمال
والمصلحة. وهنا نجد عملية إسقاط إبداعي أراد من خلالها العمل أن يضع المشاهد أمام
مفارقة قاسية: كيف يمكن للإنسان أن يتحدث عن بعض القيم حين تخدم مصلحته، ثم يتخلى
عن أبسط المعايير الإنسانية عندما تتعارض تلك القيم مع مصالحه؟
توظيف
العمل... من خلال مجريات العمل الدرامي، يبدو أنه تم توظيفه بشكل احترافي لدعم
القوات الأمنية العاملة في المملكة، ولا أرى ضررًا في ذلك يُبطل نجاح العمل إذا ما
كان قد قُدّم بصورة احترافية عالية الجودة، وهي الجودة التي لمسناها في المسلسل.
فلكل عمل درامي أهدافه ورسائله، وفي الفترة الحالية تقدّم الكثير من الأعمال
الدرامية لهذا الغرض، وقد كانت للدراما المصرية دور الريادة في هذا المجال، من
خلال توظيف الدراما في معالجة قضايا اجتماعية وأمنية وإنسانية مختلفة.
التقنية
الإخراجية... وهنا يُحسب للكادر الإخراجي دوره الإبداعي في المعالجة الفنية للنص
وترجمته إلى مشاهد تُعدّ احترافية ومتكاملة، تخدم فكرة الحوار وتدفع بالأحداث نحو
مسارات أكثر تأثيرًا. وهذا ليس بغريب عن الدراما الخليجية، فقد اعتادت تقديم هذه
النوعية من الرصانة الإبداعية منذ زمن طويل، مع تطور واضح في أدوات الإخراج
والصورة وبناء المشهد الدرامي، بما يجعل العمل قادرًا على الجمع بين الرسالة
الفنية ومتطلبات المشاهدة الحديثة.
البعد
الاجتماعي... إن القيمة الحقيقية لأي عمل درامي لا تكمن فقط في قدرته على جذب
المشاهد، وإنما في قدرته على جعله يفكر فيما وراء المشهد. وهذا ما حاول العمل
الوصول إليه من خلال تقديم نموذج اجتماعي تتداخل فيه المصالح مع العلاقات
الإنسانية، حتى يصبح الإنسان في بعض اللحظات أمام اختبار حقيقي بين ما يؤمن به وما
تفرضه عليه ظروف الحياة.
فالانحراف
لا يبدأ دائمًا بجريمة كبيرة، وإنما قد يبدأ بخطوة صغيرة يبررها الإنسان لنفسه، ثم
تتحول تلك الخطوة إلى طريق يصعب الرجوع منه. وهنا تكمن خطورة المال غير المشروع،
فهو لا يشتري الأشياء فقط، وإنما يستطيع أن يشتري بعض الذمم ويعيد ترتيب الأولويات
ويجعل الخطأ في نظر صاحبه أمرًا قابلًا للتبرير.
الإنسان
بين الاختيار والنتيجة... ومن الزاوية الفلسفية، يضعنا العمل أمام سؤال مهم: هل
الإنسان هو الذي يصنع مصيره، أم أن الظروف هي التي تدفعه إلى ما يصبح عليه؟
والحقيقة
أن العمل لا يقدم إجابة مباشرة، وإنما يترك المشاهد أمام مجموعة من الاحتمالات.
فكل شخصية تحمل ماضيها وقراراتها، وكل قرار له ثمن، وكل اختيار يفتح بابًا جديدًا
من النتائج. وهذه من أجمل المساحات التي يمكن للدراما أن تتحرك فيها؛ لأنها لا
تقدم الإنسان بصورة الملائكي أو الشرير المطلق، وإنما تقدمه كما هو في الحياة،
كائنًا تتصارع داخله الرغبة والخوف والمصلحة والضمير.
دلالة
العنوان... أما عنوان العمل «أحمر ولا أبيض» فإنه يحمل في داخله مساحة رمزية تستحق
التوقف عندها، فالأحمر يمكن أن يحيل إلى الدم والعنف والخسارة، بينما الأبيض يقف
في الجهة المقابلة بوصفه رمزًا للنجاة والصفاء والسلام.
وبين
اللونين تقف الشخصيات، وكأنها أمام طريقين لا ثالث لهما؛ طريق تقود إليه الرغبة في
الانتقام، وطريق آخر يمكن أن يقود إلى الخلاص. وهنا يصبح العنوان جزءًا من البناء
الدرامي وليس مجرد تسمية للعمل، لأنه يختصر الصراع الداخلي الذي تعيشه الشخصيات
ويترك السؤال مفتوحًا أمام المشاهد: (أي طريق نختار عندما نصل إلى لحظة الاختيار؟)
الرسالة
الأهم... وربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من هذا العمل أن الجريمة
لا تصنع ضحاياها فقط، وإنما تصنع دائرة كاملة من الخاسرين؛ فهناك من يخسر ماله،
ومن يخسر حريته، ومن يخسر أهله، ومن يخسر نفسه قبل كل شيء.
وهنا
تتجاوز الدراما حدود الحكاية لتتحول إلى مرآة للمجتمع، فالعمل الناجح ليس الذي
يجعلنا نعيش أحداثه أثناء المشاهدة فقط، وإنما ذلك الذي يجعلنا نستعيد أسئلته بعد
انتهاء الحلقة الأخيرة. وهذه هي المسافة الفاصلة بين عمل يُستهلك للمشاهدة، وعمل
يبقى في الذاكرة لأنه ترك خلفه سؤالًا لم ينتهِ بانتهاء الأحداث.
الخلاصة ...
في النهاية، «أحمر ولا أبيض» ليس مجرد عمل درامي مرّ بنا ثم انتهى بانتهاء حلقاته،
وإنما تجربة تستحق التوقف عندها، لأنها استطاعت أن تضع المشاهد أمام مساحة من
الأسئلة أكثر مما قدمت له من إجابات. فالدراما الحقيقية لا تقاس بعدد المشاهد ولا
بحجم الإنتاج، وإنما بقدرتها على أن تترك شيئًا في عقل المشاهد بعد انتهاء العمل.
لقد نجح
المسلسل في أن يجعلنا نقف أمام حقيقة قاسية، وهي أن الإنسان عندما يفقد بوصلته
الأخلاقية يصبح المال أقوى من القانون، والمصلحة أقوى من العائلة، والخيانة أسهل
من الوفاء، والدم أقرب من التسامح. ولكن تبقى المسألة الأهم: هل يستطيع الإنسان أن
يعود من الطريق الذي اختاره، أم أن بعض الطرق عندما نسلكها لا تترك لنا فرصة
للعودة؟
وهنا
تكمن قيمة «أحمر ولا أبيض»؛ فهو لا يضعنا أمام لونين فحسب، وإنما أمام خيارين في
الحياة... بين طريق يترك خلفه الدم والخسارة، وطريق يبحث عن النجاة والسلام.
وربما
لهذا السبب كان العنوان أكثر من مجرد عنوان، فقد ترك لنا العمل السؤال مفتوحًا:
عندما تتساوى المصالح مع المبادئ، وعندما يصبح الاختيار بين المال والقيمة، وبين
الانتقام والغفران... هل نختار الأحمر، أم نبحث عن الأبيض؟
ومن هنا
أقول إن الدراما السعودية اليوم لم تعد مجرد محاولة لإرضاء المشاهد، وإنما بدأت
تدخل مناطق أكثر جرأة في الطرح وأكثر نضجًا في المعالجة، وهذا بحد ذاته مؤشر يستحق
التقدير. فالعمل الذي يجرؤ على الاقتراب من المسكوت عنه، ثم يقدمه بصورة فنية
رصينة، هو عمل يستحق أن يُناقش، حتى وإن اختلفنا مع بعض تفاصيله.
وأخيرًا...
قد تنتهي الحلقة الأخيرة، وتُغلق الشاشة، وتنتهي الحكاية، لكن العمل الحقيقي يبدأ
بعد ذلك... حين يبقى السؤال في داخلنا، وحين نكتشف أن أخطر المعارك ليست تلك التي
تدور بين الشخصيات، وإنما تلك التي تدور داخل الإنسان نفسه... بين أحمر يغريه،
وأبيض يبحث عنه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق