ظاهرة سيئة في المجتمع الموصلي
تحت عنوان
(الدخدخ)
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
هي كلمة من اللهجة العامية في الموصل، وتعني (إخفاء
الحقائق). وكثيراً ما يتحدث الناس في المدينة عن أننا مجتمع مثالي، وفي هذا جزء من
الحقيقة، وليست الحقيقة كاملة، ولكن هناك ما يُعرف بالحفاظ على هذه الصورة، حتى
ولو كان ذلك على حساب الحقيقة، وفي هذا شيء من مفهوم التزييف.
إن المجتمعات لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، وإنما بما
تسمح للحقيقة أن تكشفه عنها. فهناك فرق كبير بين مجتمع يمتلك تاريخاً حضارياً يعتز
به، ومجتمع يستخدم ذلك التاريخ ستاراً لإخفاء عيوب الحاضر. فالتاريخ ليس شهادة حسن
سلوك دائمة، ولا الإرث الحضاري صك براءة يمنح الأجيال اللاحقة حق التغاضي عن
أخطائها. والمشكلة تبدأ عندما تتحول السمعة الاجتماعية إلى غاية بحد ذاتها، فيصبح
الدفاع عن الصورة أهم من الدفاع عن الحقيقة، وعندها لا يعود إخفاء العيوب نوعاً من
الحكمة الاجتماعية، بل يتحول إلى مشاركة غير مباشرة في استمرارها .. ولنبدأ من
الأول.
الاعتراف بالحق فضيلة ... هي جزء من أهم ميزات الفضائل، فالحقيقة لم تكن في يوم من
الأيام نقيصة قد يخجل أحدنا منها، فهذه صورنا وأفعالنا، ونحن خُلقنا عليها، ولهذا
يجب علينا التمسك بها كنوع من المصداقية أو التصالح مع الذات.
إن الاعتراف بالحقيقة لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل
يمنحه فرصة مراجعة ذاته، فالإنسان الذي يستطيع مواجهة أخطائه أكثر احتراماً من ذلك
الذي يقضي حياته في اختراع المبررات لتجميلها. ومن المؤسف أن بعض المجتمعات تتعامل
مع الاعتراف بالخطأ وكأنه عملية تشهير أو انتقاص من المكانة الاجتماعية، بينما هو
في حقيقته أحد أهم مظاهر النضج الإنساني. فليس مطلوباً منا أن نكون مثاليين، وإنما
المطلوب ألا ندّعي المثالية ونحن نعرف جيداً حجم التناقضات التي نعيشها.
فالمصداقية لا تعني أن نظهر بصورة خالية من العيوب، بل أن نمتلك الشجاعة الكافية
لعدم إنكارها.
كوارث حدثت بسبب هذا المصطلح ... من منا لا يتذكر الأيام
التي سبقت اجتياح العصابات الظلامية للمدينة؟ وهنا يجب أن نشير إلى تلك الفترة،
حيث كانت هناك أحداث في المدينة يخفيها الجميع، وهو ما ساعد تلك الجماعات على
اجتياح المدينة والتنكيل بأهالي الموصل. فالجميع كان على علم بتحركاتهم، وآخرون كانوا
يدفعون الإتاوات لهم من مختلف شرائح المجتمع، ومع هذا لم يكن أحد يجرؤ على قول
الحقيقة، وإن هناك خطراً يهدد المدينة، ليحدث ما حدث.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن تتحول معرفة
الخطر إلى معلومة متداولة بين الناس دون أن تتحول إلى موقف. فالصمت عندما يتعلق
الأمر بمصير مدينة لا يمكن اعتباره حياداً، والتغاضي عن المؤشرات الخطيرة بحجة عدم
إثارة المشكلات قد يجعل المجتمع شريكاً في صناعة الكارثة، ولو من خلال الامتناع عن
التحذير. ولعل الدرس الأهم مما حدث في الموصل أن المدن لا تسقط فقط عندما تكون قوة
المهاجم أكبر من قوة المدافع، بل قد تسقط أيضاً عندما تتراجع المسؤولية
الاجتماعية، وتتقدم المصالح الشخصية، ويصبح كل فرد منشغلاً بحساباته الخاصة.
فالكارثة لا تبدأ دائماً من لحظة دخول الغزاة، بل قد تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما
يتعلم المجتمع كيف يرى الخطر ولا يتحدث عنه.
ما نحن عليه اليوم ... (فوضى أخلاقية) على جميع
المستويات الاجتماعية والسياسية، ولكن إذا ما سألت أحدهم، يخبرك بأننا بخير، ولا
أحد يريد الاعتراف بالحقيقة المريرة. فانتشار مظاهر (الانتهازية والأنانية) أصبح
شائعاً إلى حد كبير، لأسباب تتوزع ما بين (الخوف والطمع)، وهذا ما انعكس على بعض
التصرفات الحياتية لدى الفرد الموصلي، وتجسد في محاباة فرق منحرفة أو حتى
موالاتها، من خلال التخلي عن القيم التراثية والمعتقدات، وقد وصل الحال ببعضهم إلى
تبنّي أسماء ليست للمدينة، وآخرين ينضمون في مواقع التواصل الاجتماعي إلى سلوكيات
لا تنتمي إلى المدينة، كنوع من التباهي بشيء لا يمثلنا.
إن الانتهازية ليست مجرد سلوك فردي عابر، وإنما تتحول
إلى ظاهرة خطيرة عندما تصبح وسيلة مقبولة لتحقيق المصالح، وعندما يجد صاحب الموقف
المتلون من يصفق له بدلاً من مساءلته. فالمجتمع الذي يكافئ الوصوليين ويهمّش أصحاب
المواقف لا يمكنه أن ينتظر نتائج مختلفة. والأكثر إشكالية أن بعض الناس لم يعودوا
يميزون بين الانفتاح على الثقافات الأخرى والتخلي عن الشخصية الثقافية الخاصة بهم،
فليس عيباً أن يتأثر الإنسان بغيره، ولكن العيب أن يتحول التأثر إلى حالة من
التنكر للذات، أو إلى وسيلة للتباهي بالانتماء إلى ما لا يمثل قناعاته الحقيقية.
فالهوية ليست زياً نرتديه أمام الناس ونخلعه عندما تتغير المصالح، وإنما هي منظومة
من القيم والسلوكيات التي تظهر في المواقف قبل الشعارات.
الفئات الاجتماعية ... تتميز المدينة بالتنوع الاجتماعي
عبر تاريخها الحضاري، ولكن في الفترة الأخيرة ظهر ما يُعرف بصراع الهويات
الاجتماعية، من خلال فرض إرادات خارج منطق العقل، مما جعل الأمر برمته يأخذ مستوى
من القرف. والغريب أن الجميع اليوم له انتماءات بعيدة عن صورة المدينة التي ترسخت
في الأذهان منذ زمن بعيد، فانتشرت ظاهرة فرض مبدأ القوة التي تريد ابتلاع المدينة
على حساب الشرائح الأخرى، ولا أجد اليوم أحداً يتحدث عن هذا بوضوح.
إن التنوع الاجتماعي الذي عُرفت به الموصل لم يكن يوماً
مجرد تعدد في الأسماء أو الانتماءات، بل كان جزءاً من تكوينها الحضاري، حيث كانت
قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه من سلوك وموقف، لا بما يحمله من عنوان اجتماعي. أما
عندما تتحول الهويات إلى أدوات للمنافسة وفرض الإرادات، فإننا نكون أمام مشكلة
تتجاوز الاختلاف الطبيعي إلى محاولة إعادة تشكيل المجتمع وفق مصالح قوى أو جماعات
معينة. ولا توجد هوية اجتماعية تمنح أصحابها حق الوصاية على الآخرين، كما لا توجد
جماعة تمتلك من التاريخ ما يجعلها أحق من غيرها بالمدينة. فالموصل ليست ملكاً
لفئة، ولا إرثاً حصرياً لجماعة، وإنما هي مساحة تاريخية مشتركة، وكل محاولة
لابتلاعها اجتماعياً أو ثقافياً إنما هي اعتداء على فكرة المدينة نفسها.
الدخدخ ... لا تتكلم بسبب (الخوف والعيب وصورتنا أمام
الناس)، ولا أرى منطقية في تلك الأسباب عندما تكون المدينة ونسيجها الاجتماعي في
خطر. فالمدينة بين (مسؤول يفرض عليها، وقاضٍ يدين بالولاء لمنصبه ومكتسباته
الشخصية، ومواطن يؤمن بمبدأ: أنا شَعَلَيَّ؟)، ولهذا تجد أن المسارات قد تخرج عما
هو معقول، لتأخذ صورة مشوهة للمدينة، بينما يتمسك الجميع بذات المصطلح للحفاظ فقط
على الصورة التي لا حقيقة لها على أرض الواقع.
إن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يُمارس في وضح النهار
فقط، بل ذلك الذي يجد مجتمعاً يتواطأ معه بالصمت، ويمنحه غطاءً من التبريرات
الاجتماعية. فالمسؤول الذي يستغل موقعه، والقاضي الذي يسمح للمصلحة الشخصية
بالتأثير في استقلال موقفه، والمواطن الذي يختصر مسؤوليته بعبارة (أنا شَعَلَيَّ)،
جميعهم يمثلون حلقات مختلفة في سلسلة واحدة من التراجع. ولا يمكن بناء مجتمع سليم
بعقلية تتجنب المواجهة، أو بمؤسسات تخشى المساءلة، أو بأفراد يعتقدون أن النجاة
الشخصية أهم من سلامة المحيط الذي يعيشون فيه. فالصمت قد يحمي صاحبه مؤقتاً، لكنه
لا يحمي المدينة، والتستر قد يحافظ على صورة اجتماعية لبعض الوقت، لكنه لا يمنع
الحقيقة من الظهور في النهاية.
الخلاصة ... فإن (الدخدخ) ليس مجرد مفردة من مفردات
اللهجة الموصلية، بل أصبح عند البعض منهجاً في التعامل مع الحقيقة، ووسيلة لتجميل
القبيح، وتغطية الفشل، وحماية المصالح، وإبقاء المجتمع أسيراً لصورة وهمية لا
علاقة لها بما يجري على أرض الواقع. ولهذا فإن جرد هذا المصطلح لا يكتمل دون جرد
أولئك الذين يتبنونه ويمارسونه؛ فهناك من يخفي الحقيقة خوفاً، وهناك من يخفيها
طمعاً، وهناك من يتقن إخفاءها لأنه مستفيد من بقائها مخفية، وهناك من يرفع شعار
سمعة المدينة كلما اقترب الحديث من مساءلة سلوكه أو كشف مصالحه. وهؤلاء جميعاً،
مهما اختلفت دوافعهم، يلتقون عند نتيجة واحدة: تعطيل الحقيقة وإبقاء الأخطاء حية.
ولست معنياً بمن سيغضب من هذا الكلام، ولا بمن سيجد فيه
إساءة إلى صورة الموصل، لأن الإساءة الحقيقية ليست في كشف الخلل، بل في الإصرار
على وجوده والتستر عليه. فالمدينة لا تحتاج إلى من يجمّل صورتها أمام الناس بقدر
حاجتها إلى من يحمي كرامتها من العبث، ولا تحتاج إلى خطابات تمجّد ماضيها بينما
يتآكل حاضرها بصمت. ومن يعتقد أن الصمت فضيلة في كل الأحوال، فليدرك أن الصمت أمام
الخطأ قد يتحول إلى شراكة فيه.
أما أولئك الذين لا يرون في الموصل إلا مدينة مثالية لا
يحق لأحد أن ينتقدها، فأقول لهم: أنتم لا تدافعون عن الموصل، بل تدافعون عن الصورة
التي صنعتموها لأنفسكم داخلها. فالمدينة أكبر منكم، وتاريخها أعمق من أن تحموه
بالأكاذيب، وكرامتها لا تُصان بإخفاء عيوب أبنائها.
وأخيراً، ليس من البطولة أن نتحدث عن أمجاد الماضي، ولا
من الوفاء أن ندفن أخطاء الحاضر، بل البطولة الحقيقية أن نمتلك شجاعة تسمية
الأشياء بأسمائها، حتى لو خسرنا بسبب ذلك رضا البعض. أما (الدخدخ)، فسيبقى ثقافة
العاجزين عن مواجهة الحقيقة، وسلوك المنتفعين من غيابها، ومرآة مجتمع يخشى أن يرى
وجهه الحقيقي.
فالمدينة لا يسيء إليها من يكشف جروحها، وإنما يسيء
إليها من يراها تنزف ثم ينشغل بإخفاء الدماء عن أعين الناس!





