فنون لا تعرفها العرب
تحت عنوان
فن البانتومايم
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
يُعرف فن البانتومايم أو فن الميم (Mime) بأنه فنٌّ مسرحيٌّ صامت، يعتمد على التعبير الجسدي
والإيماءات بدلًا من الكلام لنقل الأفكار والمشاعر.
وقد عُرف هذا الفن في العصور الوسطى بوصفه من فنون
البلاط الملكي، حيث ارتبط بشخصية المهرّج. وللأمانة التاريخية، فإن فن المسرح
بأكمله يُعدّ دخيلًا على الثقافة العربية، إذ لم تعرفه المجتمعات العربية إلا مع
بدايات القرن التاسع عشر إبّان عصر النهضة الفكرية في ذلك الوقت.
أما الفن الصامت (البانتومايم) فقد اشتهر عالميًا بفضل
تشارلي تشابلن، الذي يُعدّ رائدًا في هذا النوع من الإبداع، واستمرّ هذا الفن حتى
بعد ظهور السينما الناطقة، حيث برز فيه لاحقًا مستر بن (Rowan Atkinson)، وكلاهما
اعتمد على التقنيات الاحترافية التي تمزج بين الكوميديا والسخرية.
رسالة وأخلاقيات ... ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو مشاهدتي لأحد
الفنانين الذين يمارسون هذا الفن، وهو Romi Harki، الذي لفت انتباهي بأخلاقياته العالية
وسلوكه الإنساني. فعندما يرى امرأة تحمل طفلًا أو حقيبة ثقيلة، يسارع إلى حمل
الأغراض عنها وتسليمها إلى زوجها في رسالة توعوية راقية .. وقد أعجبني فيه تصرّف آخر ينمّ عن وعي عميق واحترام
ثقافي، إذ حين تمرّ بجانبه امرأة مسلمة محتشمة، لا يُقدِم على أي فعل سوى إلقاء
التحية، في إشارة إلى أن الفن خُلق قبل أن يكون ترفيهًا .. ولهذا السبب لا نجد بين المتطرفين فنانًا أو موسيقيًا أو
رسّامًا حقيقيًا، لأن الفن بطبيعته يزرع الجمال ويهذّب الروح.
الخطر المحدق ... إن العالم بلا فنٍّ هو عالم هشّ البنية فكريًا وروحيًا،
ولهذا لا بد من نشر الوعي الفني والثقافي، وتعريف الأجيال بأهمية الفنون
وإنجازاتها على المستوى الإنساني.. فقد يكون الفن هو طوق النجاة الوحيد لمحاربة التطرف
وبناء مجتمع سليم. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال إعادة الفن إلى مكانته في الوعي
الجمعي، وإدخاله بجدية ضمن المناهج التعليمية للأطفال .. ولنا في الماضي القريب عبرة؛ فمنذ ثمانينيات القرن
الماضي، كانت بعض الإدارات المدرسية تعتبر حصص الفنية والرياضة مواد غير مهمة،
وتُلغيها لصالح المواد العلمية، مما أدّى إلى نشوء أجيال لا تقدّر الفن ولا تعرف
قيمته.
الفن الصامت والسخرية ... عندما تعجز الكلمات عن وصف الواقع المرير، يكون الصمت
التعبيري أبلغ من كل خطاب .. فمن
خلال الحركات المدروسة والمشاهد الرمزية، يستطيع فن البانتومايم أن يوصل فكرة أو
توعية بأسلوب ناعم وقوي في الوقت نفسه، يجعل المتلقي يتأمل بدل أن يُجبر على الفهم
المباشر.
الخلاصة... إن هذا الفنان ليس مهرّجًا يثير الضحك فحسب، بل هو مبدع
يقدم رسالة مكثّفة من خلال مشاهد قصيرة قد تختصر مجلدات من الكلام .. وهنا يكمن جوهر الإبداع الحقيقي في هذا الفن، رغم أن
العقل العربي كثيرًا ما يرى فيه فنًّا غريبًا أو مفرّغًا من المعنى .. إلا أن هذا الحكم نابع من الإرث الأخلاقي المحافظ الذي
ساد حتى وقت قريب، لكن الواقع اليوم تغيّر؛ فالعرب لم يرتقوا بإرثهم الأخلاقي كما
لم يطوروا علومهم أو يقبلوا بالثقافات المختلفة .. لذلك نراهم اليوم يفتقرون إلى القاعدة الفنية التي
يمتلكها غيرهم، وأصبح حالهم كما في المثل الشعبي: "لا لحِقت برجيلها ولا أخذت سيد علي".





