بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 17 مارس 2026

مقال

 

الرد على مقال الأستاذ صباح سليم

تحت عنوان

صناعة الوعي المسرحي

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



كتب الصحفي صباح سليم مقالًا بعنوان (المسرحيون الشباب في الموصل.. يبتكرون ويعملون من أجل ازدهار المسرح في مدينتهم)، تناول فيه تجربة مجموعة من شباب مدينة الموصل فيما يُعرف بمسرح الشارع.

وهنا لا بدّ من تعريف هذا المصطلح ابتداءً ان مسرح الشارع هو شكلٌ من أشكال الفن المسرحي يُقدَّم في الفضاءات العامة المفتوحة، مثل الشوارع والساحات والحدائق والأسواق، بدلًا من المسارح التقليدية المغلقة. وهو فن يعتمد بشكل رئيسي على التفاعل المباشر مع الجمهور، الذي يكون غالبًا جزءًا من العرض، حيث تُطرح فيه موضوعات اجتماعية وسياسية ضمن إطار فكري يتناسب مع ما يُعرف بالوعي المسرحي لدى المتلقي، وهذا هو جوهر الموضوع الذي نحن بصدده.

لسنا هنا بصدد توجيه سهام نقدية لما كتبه الأستاذ صباح، لكن يبدو أنه قد فاته أن مثل هذه التجارب ينبغي أن يكون لها متلقٍ يمتلك نوعًا خاصًا من الوعي العام؛ وإلا تحوّلت تلك التجارب إلى نوع من العبثية التي تعبّر عن واقعٍ ثقافي مزرٍ. فالمدينة، وللأسف، لا تمتلك مسرحًا تقليديًا يُمهّد لظهور هذا النوع من العروض، وهو ما قد يثير استهجان الكثيرين، كما يظهر بين سطور هذا المقال.

أما عن صناعة الوعي، فهي غالبًا ما تبدأ مما يُعرف بالنشاط المدرسي في مراحل التعليم الابتدائي، من خلال تشكيل فرق مسرحية بإشراف تربوي متخصص، لا من قبل كوادر تدريسية بعيدة عن قضايا الفن. فذلك من شأنه أن يُسهم في خلق وعيٍ في العقل الباطن لتقبّل هذا الفن، ولو بعد حين. ويُضاف إلى ذلك سعيُ المجاميع الفنية والثقافية إلى بناء مسارح تقليدية تحتضن، في مراحلها الأولى، عروضًا مسرحية عالمية، قبل طرح التجارب المحلية، مع الاعتماد على النتاج التأليفي لأقلام المدينة، وإطلاق حملات توعية بأهمية المسرح في بناء المجتمعات. وهذا كله من شأنه أن يكون داعمًا رئيسيًا لهذه التجربة أو غيرها. وهذه الكلمات لا تأتي من باب كسر المعنويات لدى أصحاب التجربة.

أما موطن الخطأ لدى الكاتب، فيكمن في تركيزه على تجارب لا تمتلك قاعدة جماهيرية لهذا النوع من العمل، إذ تجاهل أهم عنصر في الموضوع، وهو الجمهور ووعيه في تقبّل هذا الفن. كما أن التركيز على وجود تجارب بحد ذاته لا يعني بالضرورة امتلاك أصحابها وعيًا ثقافيًا كافيًا، مما قد يخلق فجوة بين العمل والمتلقي. وكان الأجدر بالكاتب أن يركّز على آليات تهيئة المجتمع والمدينة لتقبّل هذا النوع من العروض.

وهناك جانب آخر لم يتم التطرق إليه، وهو أن مسرح الشارع لا يُقاس فقط بجرأة الطرح أو الحضور في المكان العام، بل بقدرته على خلق صدمة فكرية منظمة لا فوضوية، صدمة تُحرّك وعي المتلقي لا أن تُربكه أو تدفعه للنفور. فليس كل طرح مباشر يُعدّ وعيًا، وليس كل تفاعل دليلًا على الفهم، بل قد يكون في كثير من الأحيان مجرد رد فعل لحظي سرعان ما يتلاشى دون أثر.

كما أن الاعتماد على الحماس الشبابي وحده، دون وجود مرجعية فكرية أو إخراجية واضحة، قد يُحوّل التجربة إلى مجرد فعل عابر، يستهلك طاقة المشاركين دون أن يترك أثرًا حقيقيًا في بنية الوعي العام. فالفن، في جوهره، ليس حالة انفعال مؤقت، بل مشروع تراكمي يحتاج إلى تنظيم واستمرارية ورؤية.

ومن النقاط التي غابت أيضًا، أن الفضاء العام في مدننا ليس مهيأً دائمًا لتقبّل هذا النوع من الفنون، سواء من ناحية الوعي المجتمعي أو من ناحية البنية الأمنية والثقافية، مما يجعل أي تجربة غير محسوبة عرضة للتأويل أو الرفض، وربما حتى التشويه. وهنا لا بد من قراءة طبيعة المجتمع قبل فرض أي شكل فني عليه، لأن الفن الذي لا يراعي بيئته يتحول إلى جسم غريب مرفوض.

ثم إن غياب الدعم المؤسسي الحقيقي للفن المسرحي، سواء من الجهات الثقافية أو التعليمية، يضعف من استمرارية هذه التجارب، ويجعلها رهينة الاجتهادات الفردية التي سرعان ما تنطفئ. فبناء حركة مسرحية لا يقوم على مبادرات معزولة، بل على منظومة متكاملة تبدأ من التعليم وتنتهي بالإنتاج والترويج.

وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن اختزال “الوعي المسرحي” في مجرد تقديم عرض في الشارع هو تبسيط مخلّ بالمفهوم، لأن الوعي الحقيقي يبدأ من النص، ويمر بالإخراج، ويكتمل بالمتلقي. وأي خلل في هذا الثلاثي يُفقد التجربة قيمتها، مهما بدت في ظاهرها جريئة أو مختلفة.

 

الخلاصة ... لا يمكن أن نُجمّل واقعًا مرتبكًا تحت لافتة “التجريب” ولا أن نُمرّر محاولات غير ناضجة على أنها إنجازات تُحسب للوعي المسرحي. فالحقيقة المؤلمة أن ما يُبنى على أرضٍ غير مهيأة، ووعيٍ لم يُصنع بعد، لن يكون إلا بناءً هشًا، سرعان ما ينهار عند أول مواجهة حقيقية مع الجمهور.

إن المشكلة لا تكمن في التجربة بحد ذاتها، بل في الوهم الذي يُسوّق لها على أنها خطوة متقدمة، بينما هي في حقيقتها قفزٌ فوق المراحل، وتجاوزٌ لأساس لم يُبنَ أصلًا. فالفن الذي لا يجد من يفهمه، ولا بيئة تحتضنه، يتحول من رسالة إلى عبء، ومن فعل ثقافي إلى مشهد عابر لا يترك سوى الضجيج.

وما لم ندرك أن صناعة الوعي تسبق استعراضه، وأن بناء الجمهور أهم من استعراض العمل أمامه، سنبقى ندور في حلقة مفرغة، نُنتج عروضًا بلا أثر، ونكتب عنها وكأنها منجز، بينما الحقيقة الصادمة أنها ليست سوى انعكاسٍ لفجوةٍ أكبر… فجوة بين ما نعتقد أننا نصنعه، وما هو موجود فعليًا على أرض الواقع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  الرد على مقال الأستاذ صباح سليم تحت عنوان صناعة الوعي المسرحي بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين كتب الصحفي صباح سليم مقالًا ب...