المسار الآمن
تحت عنوان
العلمانية والمستقبل السياسي في العراق
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
في خضمّ التخبط السياسي الذي يملأ سماء وأرض
العراق، ومنذ أكثر من عقدين مضيا، شهد البلد عددًا من الكوارث بسبب ضبابية وانعدام
الرؤية السياسية الواضحة. فكان لا بدّ من البحث في عدد من المسارات التي من الممكن
أن تُصحِّح ما تمّ تخريبه في عقلية الشخصيات التي من الممكن أن تُصحِّح آليات
الفكر الذي من الممكن أن تُدار به الدولة.
وفي الغالب، وعند الكثير من جمهورنا اليوم، يظنّ
أن مصطلح العلمانية يعني معاداة الدين، وهذا خطأ؛ لكنها تشير إلى فصل الدين
والقومية عن الدولة، وتكون هناك قاعدة سليمة تُبنى عليها الدولة. وبموجب هذا
المبدأ تكون هناك قوانين وضعية عابرة للطائفية والقومية، وهذا ما سوف يجعل المواطن
في مأمن من جميع ما قد يقف عائقًا أمام توحيد مفهوم المواطنة، والابتعاد بالعامة
عن أي مصطلح خارج كلمة الوطن.
ولمعرفة المفاهيم التي تدخل ضمن حيز أصل
المصطلح، فإنها تتضمن أربع نقاط رئيسية، منها:
• حياد الدولة تجاه الأديان ... فالدولة
العلمانية لا تتبنى دينًا رسميًا يميّز فئة من المواطنين على حساب أخرى، بل تضمن
حرية المعتقد لجميع أفراد المجتمع. وبهذا لا يكون في قوائم المؤسسات مصطلحات مثل:
(مسلم، مسيحي، يزيدي، أو أي شيء آخر)، وهذا ما عانى منه أبناء الوطن منذ زمن بعيد،
وبهذا يكون لدينا ما يمكن أن يرضي الجميع.
• المواطنة المتساوية ... إذ يصبح الانتماء إلى
الدولة قائمًا على مفهوم المواطنة، وليس على الانتماء الديني أو الطائفي، مما يحقق
المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين. عندها تتحقق نظرة العدالة الاجتماعية
والمؤسساتية، والقضاء على أي فرصة تكون نافذة للمحسوبية والفساد في العراق الجديد.
• سيادة القانون ... تعتمد الدولة العلمانية على
القوانين المدنية التي تنظم حياة المجتمع، وتخضع لها جميع السلطات، بما يضمن
الاستقرار السياسي والتنظيم الإداري. وبهذا نكون قد أقمنا ما يُعرف بسيادة
القانون، وتكون هناك عدالة يرضى عنها الجميع، لا تخضع لآراء شخصية أو نابعة من
أجندة تُفرض على المجتمع.
• حماية حرية الفكر والاعتقاد ... يتيح هذا
المبدأ مساحة واسعة لحرية التفكير والبحث العلمي والتعبير عن الرأي، وهو ما أسهم
في تطور المجتمعات الحديثة علميًا وثقافيًا. ولأننا شعب متعدد الأعراق والأطياف
والمذاهب، فقد نجد في أصل المصطلح ضالتنا التي نبحث عنها منذ عقود مضت، لكي نصنع
مساحة متساوية بين الجميع، ويكون شعار الجميع: حريتك تنتهي حدودها عند انتهاك حرية
الآخرين.
شعارات تم تشويهها (الدين لله والأرض للجميع)
وهنا قد يغضب من هذه الكلمات أصحاب العمائم من
جميع الأطراف، وهذا ليس بالأمر الجلل عندي. ولكن، وللتنويه، فقد أشرت منذ سنوات في
العديد من كتاباتي إلى أن الدين علاقة شخصية بين العبد وما يعبد. أما من ينصّب
نفسه وكيلًا لله، ويقوم بفعل الصحيح والقبيح بشعار الدين، فهؤلاء هم الانتهازيون
في الحياة. ويجب وضع حدّ لكل تلك الآراء التي تثير الاشمئزاز إلى حدّ كبير.
ولهذا يجب أن يكون هناك فصلٌ للدين عن مسألة
إدارة مؤسسات الدولة، وهذا لا يمنع وجود قنوات تساهم في التعريف بمقتضيات الدين
حسب الديانة التي ينتمي إليها الفرد.
وهنا يجب توضيح بعض الامور التي سوف تقدمها
العلمانية على الساحة العراقية ومنها :
العلمانية وحماية الدولة من صراع الهويات ... ومن المسائل التي لا بدّ من الإشارة إليها أن الدولة
التي تُبنى على أساس طائفي أو ديني تبقى دائمًا عرضة لصراع الهويات، لأن كل جماعة
ستسعى إلى تحويل الدولة إلى أداة لخدمة هويتها الخاصة. وهنا تبدأ معركة النفوذ
داخل مؤسسات الدولة، وتتحول الوظيفة العامة من خدمة للوطن إلى غنيمة تُقسَّم بين
الطوائف والقوميات.
أما الدولة التي تقوم على مبدأ العلمانية فإنها تُخرج
الدين والطائفة من دائرة الصراع السياسي، وتعيدهما إلى مجالهما الطبيعي داخل
المجتمع، فيبقى الدين قيمة روحية وأخلاقية، وليس وسيلة للهيمنة أو الاستحواذ على
السلطة.
العلمانية وبناء مؤسسات الدولة ... إن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يتحقق من دون مؤسسات
مستقلة تعمل وفق قواعد مهنية وقانونية واضحة، لأن الدولة ليست خطبة تُلقى على
المنابر، ولا شعارًا يُرفع في الشوارع، بل هي منظومة مؤسسات تبدأ من القضاء ولا
تنتهي عند الإدارة المحلية.
وفي ظل الدولة العلمانية تصبح هذه المؤسسات ملكًا لجميع
المواطنين، لا تُدار باسم الطائفة ولا باسم القومية، بل باسم القانون فقط. وهنا
تبدأ فكرة الدولة الحقيقية بالظهور، حيث يصبح الولاء للدستور والقانون، لا للزعيم
ولا للمرجعية السياسية أو الدينية.
العلمانية ومنع استغلال الدين في السياسة ... ومن أخطر ما شهدته مجتمعاتنا في العقود الأخيرة هو تحويل
الدين إلى أداة سياسية تُستخدم في الصراع على السلطة. فعندما يدخل الدين إلى ساحة
السياسة تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مقدسة، ويصبح الاختلاف في الرأي نوعًا
من العصيان أو الكفر في نظر البعض.
ولهذا فإن العلمانية لا تحارب الدين كما يظن البعض، بل
تحميه من التوظيف السياسي، لأن الدين عندما يُستخدم كوسيلة للسلطة يفقد قيمته
الروحية ويتحول إلى شعار يُرفع في الحملات الانتخابية ثم يُنسى بعد الوصول إلى
الحكم.
العلمانية كطريق للخروج من أزمات العراق ... إن العراق، بحكم تركيبته الاجتماعية المتعددة، يحتاج إلى
نظام سياسي قادر على جمع الجميع تحت مظلة واحدة. وقد أثبتت التجربة خلال العقود
الماضية أن إدارة الدولة على أساس المحاصصة الطائفية لم تُنتج سوى المزيد من
الانقسام والضعف في بنية الدولة.
ولهذا فإن البحث عن مسار مدني يقوم على مبدأ العلمانية
لا يعني القطيعة مع الدين أو القيم الاجتماعية، بل يعني إيجاد أرضية مشتركة يعيش
فوقها الجميع دون أن يشعر أحد بأنه مواطن من درجة ثانية.
الخلاصة ... لا بد من قول الحقيقة كما هي دون تزييف أو
مجاملة؛ إن المشكلة في العراق لم تكن يومًا في الدين، بل في أولئك الذين جعلوا من
الدين سلّمًا للوصول إلى السلطة. فحين يتحول الدين إلى شعار سياسي، تتحول الدولة
إلى ساحة صراع بين العمائم، ويصبح الوطن مجرد غنيمة تتقاسمها الطوائف.
لقد أثبتت التجارب أن الدولة التي تُدار باسم الطائفة لا
يمكن أن تكون دولة، بل تكون مشروع صراع دائم. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب
أن يواجهه العراقيون اليوم ليس: هل نريد العلمانية أم لا؟ بل السؤال الأخطر هو: هل
نريد دولة أصلًا أم نريد الاستمرار في إدارة الخراب باسم المقدس؟
فالدول لا تُبنى بالخطب ولا بالشعارات، بل تُبنى بعقلٍ
سياسي يعرف أن الوطن أكبر من الطائفة، وأن القانون أكبر من العمامة، وأن الدولة إن
لم تكن للجميع فلن تكون لأحد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق