شيء يكمن في داخلي
تحت عنوان
مواجهة مع الذات
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
منذ بداية الخليقة قد لا يجرؤ أحد على مواجهة ذاته كما
أفعل أنا، وقد لا يهم أحد أن يعرف ماذا يجول بخاطري، ولكنها رغبة في داخلي للحديث
عما قد يكون في ثنايا ذلك القلب الذي لا يعرف عنه الكثير. فمنهم من يعرف أنني ذلك
الرجل العبثي في كل جوانب الحياة، وآخر يرى فيَّ ذلك الشرير الذي لا يأبه لشيء من
المصداقية في عمله، وآخرون قد يرونني ذكيًا إلى حد كبير، وآخر يراني العكس، وقد
يرى آخرون أنني متهور إلى حد كبير. ولكن هناك جوانب لا يعلم عنها أحد؛ لأنني لا
أريد أن يعرفها أحد، وما كتبت اليوم إلا في حاجتي للمصارحة أو المواجهة. ومن تلك
القضايا:
مرآة للغير ... هناك الكثير يبدي انزعاجه مني، مع أنني لم أتعامل معه،
ولم يرَ مني ما يسوؤه، وليس هذا ما يزعجني، ولكنني قد أكون تلك المرآة التي لا
يجرؤ الكثير على النظر فيها لرؤية ذاته، فيتبين قدر العجز الذي هو فيه، وقد يكون
هذا سببًا وجيهًا لحالة الانزعاج تلك.
لا أعرف الكراهية ... ما لا يعرفه عني كل من يعرفني أنني لا أستطيع أن أكمن
الكراهية لأحد؛ فأنا إذا لم أحبك فأنا لا أكرهك. وإذا كنت تريد معرفة محبتي لك،
فالقياس الوحيد هو مدى التزامي بالارتباط بك من خلال السؤال عنك أو السلام عليك في
كل صباح، حتى مع أولئك الذين أساؤوا لي في يوم ما. وهذا بسبب واحد لا غير، وهو أن
كل شخص يعمل بأصله وما يحمل من مقدار من قيم زادت أو قلت، وهذا لا يزعجني بالمرة،
ولكنه يثبت لي أنني ما زلت هناك في داخلي نقيًا.
نقاط القوة والضعف ... يرى الجميع أنني أتحلى بقوة قد لا تتوفر عند أحد ما،
ولكن الحقيقة أنني كلي كمثل منديل ورقي مبلل، قد تمزقه نظرة تحمل فيها شيئًا قد
يزعجني، حتى وصل بي الحال إلى اتباع مبدأ أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم. وقد يكون
هذا قد أكسبني صورة الرجل الصلب الذي لا يُكسر، ولكن قد تكون هذه الصفة بمثابة
جدار يختبئ خلفه ذلك الطفل الذي بداخلي، الذي يرفض الواقع أنه قد كبر، وكبرت معه
همومه وأسرار قد أثقلت كاهله المتعب بالأصل. ولهذا أنا الآن أريد أن أقول كل
الحقيقة.
امتلاك أجنحة ... قد أكون مختلفًا عن كل البشر اليوم بالشكل والمضمون،
ولكن هناك أشياء قد تجاوزتها، ومنها تلك (العكازات) التي تساعدني في الطيران لا
المشي كما يظن البعض. نعم، أنا كذلك وأكثر. فهذه الأجنحة المرئية، وهناك منها
المخفية، وهي قدرتي على الكتابة. وهذه كلها من نعم الله عليّ، فبهنَّ فقط أعلم
أنني على موعد مع القدر الذي يمثله الله، فأنا على يقين كامل في عدالته. وقد أكون
مقصرًا، ولكن ما بيني وبين الله يبقى بيننا، وقد يكون هو المصدر الوحيد لسر قوتي.
المحبة ... ليكن
الجميع على ثقة أنني أحب كل من على الأرض اليوم بلا استثناء، وأشهد الله والذين
يقرأون هذه السطور أنني عفوت عن كل من أساء لي أو سوف يسيء لي، بقصد أو بدون قصد،
في المستقبل، لوجه الله تعالى لا غير. وهذا بسبب إيماني الكامل أن من يسيء في هذه
الحياة فقد أساء لنفسه، وأنا عندما أرى في عظمة الله أنه يغفر ويعفو، فمن أكون أنا
لأحمل في قلبي على هذا وذاك؟
الخلاصة ... إنني بشر أخطئ وأصيب، ولكن ما أنا واثق منه أنني في
الأصل إنسان، وهو المصطلح الذي يرتبط بالإنسانية كإشارة لفعل الخير. ولهذا ما زلت
متمسكًا بالفطرة التي خُلقت لأجلها. وما كُتب هنا ليس بوحًا بقدر ما هو قدرتي على
النظر في المرآة ومواجهة ذاتي بما قد يؤلمها، وفي هذا شجاعة قد يتعلم منها أحد،
فيكون لي في هذا أجر حسن. فالجميع يولدون بشرًا بالفطرة، ولكن الصعوبة تكمن في أن
تكون شخصًا ما زال يحمل قيمًا نبيلة، ولو كانت بسيطة، ونحسبها عند الله عظيمة إن
شاء الله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق