بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 16 مارس 2026

مقال

 

 الحب مقابل المال

تحت عنوان

الوجه الآخر للحقيقة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



في كل مرةٍ أرهن نفسي على أن ما أراه وأسمع به غير حقيقي، ولكن النهاية تكون في خذلاني وعودتي إلى نقطة بداية السطر. وقد يرى الكثير في هذه الكلمات أنها تخصه، وهذا بسبب أن جميع البشر اليوم يدركون هذه الحقيقة.

والحكاية تبدأ منذ زمن بعيد، من خلال إشباع العقل الباطن بمفاهيم تتوزع ما بين أمثال شعبية وتصرفات فردية، وهنا يكون المثل الشعبي: (الغني يغنّوا له والفقير يطمّوا له)، وفي هذا ترسيخٌ للمبدأ المادي في كل شيء من مفاصل الحياة، حتى أصبح قاعدة جماهيرية تستند عليها جميع العلاقات البشرية.

 

الأسرة والتربية... الكثير اليوم من الرجال والنساء لا يدركون أهمية هذه المسألة في حياة الإنسان منذ قديم الأزل. فلم تعد هناك أدوار ثابتة متعارف عليها في مساحة البيت كما كان في السابق. فرأس الهرم، الأب، غارق في متطلبات الحياة اليومية، ولا يعرف ما قد يكون من قضايا تخص العائلة. أما المرأة فهي المتضرر الأول والأخير في هذه المسألة؛ فقد تغيرت كل مفاهيمها العقلية بما يخص عائلتها وما هو مطلوب منها. فالكثير منهن لم يعدن يدركن أهمية وقدسية ذلك الرباط والهدف منه، وهذا ما جعلها الحلقة الأضعف في أصل الموضوع.

فما لا يدركه الكثير أن العدو، مهما كان اسمه أو جنسه، درس المجتمع العربي والإسلامي، فوجد أن هناك قاسمًا مشتركًا عند الجميع، ويُعدّ من القضايا التي يعتبرونها خطًا أحمر، وهي الشرف المتجسد في المرأة من باب الحفاظ على الأنساب. ولهذا كان لا بد من رسم قواعد لكسرها، وقد نجحوا في هذا إلى حدٍ كبير. فقد تحولت عقلية المرأة اليوم إلى فضاء ضبابي بين طمع المال مقابل الخدمات، وهذا قد شمل كل شيء في حياتها.

 

إعلان موت الحب... هذه حقيقة فُرضت على المجتمع بأسره. نعم، لا أحد خارج هذا المضمون، لا رجل ولا امرأة. فالكل اليوم بات يقايض الحب بالمال؛ فالرجال أصبحوا مصائد، والنساء فرائس، والنظام العائلي في طريقه إلى الزوال.

ولا يقل أحدكم إن هذه الكلمات نوع من المبالغة، بل إن ما لا يعرفه الكثير أن الواقع أسوأ بكثير مما ذُكر هنا. فالعلاقات اليوم كلها على المحك، وسوف يطال الأذى الجميع إذا لم نتشارك في صنع وعي يخرجنا من هذا المأزق، من خلال العودة إلى الأصول الدينية والاجتماعية المتعارف عليها.

ولن يكون هذا بمنشور نكتبه على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بأفعال ادعائية بالصلاح والإيمان، بل من خلال صدق النوايا في إعادة رسم العلاقات بيننا على أسس صحيحة، بعيدة عن المبدأ المادي.

 

السؤال الأهم... هل تم قتل الرجولة في رؤوس الرجال؟ وهل أُزيلت فقرة المشاعر من قلوب النساء؟ وإذا ما كان قد حدث هذا، فإلى أين نحن ذاهبون؟ إلى عالم بارد بلا مشاعر، مجرد من القضايا الإنسانية، وأهمها الحب؟ وهل دخلنا في نفق مظلم أساسه التعاملات القائمة على قياس العلاقات بحجم المكتسبات التي يمكن أن نحصل عليها من أصل الموضوع؟

اقتصاد المشاعر... من أخطر التحولات التي طرأت على المجتمع في السنوات الأخيرة هو ما يمكن أن نسميه باقتصاد المشاعر، حيث لم تعد العلاقات الإنسانية تُقاس بصدق العاطفة بقدر ما تُقاس بحجم العائد المتوقع منها. فالكثير من الناس باتوا ينظرون إلى الحب كما لو أنه صفقة مؤقتة، لها شروطها وبنودها الخفية، فإذا اختل ميزان المكاسب سقطت العلاقة كما تسقط الشركات المفلسة في عالم التجارة. وهنا تتحول المشاعر من حالة إنسانية نبيلة إلى عملة متداولة في سوق المصالح.

 

ثقافة المظاهر... كما لا يمكن إغفال الدور الخطير الذي لعبته ثقافة المظاهر في تشكيل هذا الواقع الجديد. فوسائل التواصل الاجتماعي اليوم صنعت نموذجًا زائفًا للحياة، حيث يتم تقديم الرفاهية والمال على أنهما المعيار الحقيقي للسعادة والنجاح. ومع تكرار هذه الصور يومًا بعد يوم، تشكل وعيٌ جديد لدى الكثيرين مفاده أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يحمله من أخلاق أو مشاعر، بل بما يمتلكه من قدرة مادية وما يحيط به من مظاهر الثراء.

 

اختلال ميزان القيم... وفي ظل هذا التحول الكبير بدأ ميزان القيم بالاختلال تدريجيًا، حتى أصبح من الطبيعي أن نجد علاقات تبدأ بحسابات وتنتهي بحسابات. فبدل أن يكون الحب هو البداية، صار المال هو المقدمة، وبدل أن تكون الثقة هي الأساس، أصبحت المنفعة هي القاعدة التي تُبنى عليها الكثير من الروابط بين الناس. وهنا تتحول العلاقة الإنسانية من رابطة وجدانية إلى عقد غير مكتوب، يمكن فسخه في أي لحظة إذا تبدلت الظروف.

 

تشييء الإنسان... والأخطر من كل ذلك أن الإنسان نفسه بدأ يتحول إلى سلعة في هذا السوق العاطفي المضطرب. فالمرأة في كثير من الأحيان أصبحت تُقاس قيمتها بما يمكن أن تقدمه من إغراءات أو خدمات، والرجل بدوره صار يُقاس بحجم ما يستطيع أن ينفقه أو يمنحه من امتيازات. وهكذا يفقد الطرفان إنسانيتهما تدريجيًا، ويصبح كل منهما مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب مؤقتة لا أكثر.

 

انهيار المعنى الحقيقي للعلاقة... وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإن أخطر ما يحدث ليس فقط ضياع الحب، بل ضياع المعنى الحقيقي للعلاقة الإنسانية. فالعلاقة التي تُبنى على المصلحة وحدها لا يمكن أن تصمد أمام أول اختبار حقيقي للحياة، لأنها ببساطة لم تُبنَ على أساس روحي أو أخلاقي قادر على الصمود أمام تقلبات الزمن.

 

الخاتمة... في نهاية هذا الحديث قد لا يكون من العدل أن نبحث عن مذنب واحد في هذه الحكاية، لأن الحقيقة الأكثر مرارة أن الجميع ساهم في هذا الخراب بطريقة أو بأخرى.

الرجل الذي اختزل نفسه بما يملك من مال، والمرأة التي قبلت أن تختزل قيمتها بما تحصل عليه من مكاسب، والمجتمع الذي وقف طويلًا يتفرج على انهيار المعنى الحقيقي للعلاقة الإنسانية دون أن يحاول أن يوقف هذا الانحدار.

لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الحب كلمة تُقال أكثر مما تُعاش، وأصبحت المشاعر حديثًا جميلًا لا يجد له مكانًا في واقعٍ تحكمه الحسابات والمصالح.

فالرجل الذي كان يومًا رمزًا للعطاء تحول عند الكثيرين إلى وسيلة للإنفاق، والمرأة التي كانت موطن الحنان تحولت عند البعض إلى معادلة تبحث عن أعلى العوائد الممكنة.

وإذا استمر هذا الطريق كما هو، فإن السؤال لم يعد: أين الحب؟

بل السؤال الأشد قسوة: هل بقي في داخلنا ما يستحق أن يُسمّى إنسانية؟

لأن الحقيقة التي قد لا نحب سماعها أن الحب لم يختفِ من تلقاء نفسه، بل تم خنقه ببطء بين الطمع من جهة، والضعف من جهة أخرى،حتى أصبح هذا العالم أكثر برودة مما ينبغي… وأكثر فراغًا مما نتصور.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

    الحب مقابل المال تحت عنوان الوجه الآخر للحقيقة بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين في كل مرةٍ أرهن نفسي على أن ما أراه وأسمع ...