التفريق بين المبادئ الصحفية والممارسات العفِطية
تحت عنوان
واقع يشعرك بالقرف
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من القاذورات المحسوبة
على المشهد الصحفي والإعلامي، وهنا سوف نستعرض صورًا من الواقع الذي نعيشه، والذي
استفحل في هذا الوقت الذي يُعد من أخطر المراحل التي يمر بها البلد. ولتحديد كلٍّ
منهم يجب رسم ملامح كل شخصية منهم دون ذكر أسماء، وسوف يعرفون أنفسهم إذا ما كانوا
يُحسنون القراءة من الأصل. ولهذا سوف تكون هذه الكلمات بمثابة شاهدٍ على العصر وما
يتضمنه من خروقات في مجال الصحافة والإعلام.
بائعات الهواء... قد يستغرب أحدهم كيف أملك هذه الجرأة لتسميتهن بهذا
المصطلح، ولكن هذه حقيقتهن بلا تجرد. وهنّ من يعتمدن على أشكالهن وتصرفاتهن لتقديم
أنفسهن صحفيات؛ فتراها تصاحب هذا وتصاحب ذاك، ما بين شرطي ومسؤول، وتقوم باستعراضٍ
يوحي بأنها تملك السلطة من خلال علاقاتهن ببعض المحسوبين على الرجال أصلًا.
والغريب أن كل من يقدم لهن العون والمساهمة في إبراز أسمائهن كصحفيات وإعلاميات،
فهن لا يمتلكن من الإمكانيات سوى إغواء الحمير من الرجال، وهم أسوأ منهن بمراحل.
وأكاد أجزم أن المسؤولين الذين يدعمون بائعات الهوى الصحفي، لو كانوا نساء، فوالله
لن تجدهم إلا من النساء اللواتي يمارسن الرذيلة في بيوت ذوي الرايات الحمر، ولا
استثناء لأحد من هذه الكلمات.
الحمير المعاصرون... وهذا النوع تجده أكثر انتشارًا على مواقع التواصل
الاجتماعي، من خلال نشر مقاطع فيديو تتضمن بعض التصريحات دون مرجع رسمي للخبر. وما
لا تعرفه الدولة أنهم الأخطر من العدو الذي قد يأتي من خارج الحدود، فهم من
يساهمون بشكل رئيسي في عمل تشويش للفكر العام. فكل عملهم أصبح بين: (غدًا عطلة،
ونزل الراتب)، ويعتبر نفسه صحفيًا وهو لم يكتب سطرًا واحدًا في مقال صحفي.
وهم الصحافة... وهو مرض يعاني منه أصحاب الإعلام الحكومي، فهم من
يعتبرون أنفسهم أشهر من طه حسين أو محمود السعدني أو محمد حسنين هيكل. وهذا بسبب
أنهم إعلاميو الصدفة، فالوظيفة الحكومية لا تعطيك الموهبة في مضمار الكتابة
الصحفية، ولن تجعل منك صاحب تاريخ في عالم الكتابة؛ فتاريخ صلاحياتك ينتهي بصلاحية
خدمتك الوظيفية.
تجّار البيانات الصحفية... وهم صنف آخر لا يقل سوءًا عن سابقيه، بل قد يكون أخطر
منهم في بعض الأحيان. فهذا النوع لا يعرف من الصحافة سوى إعادة نشر ما يصله من
بيانات جاهزة، فيقوم بنسخها ولصقها دون أن يكلف نفسه عناء قراءة سطر واحد منها.
فلا تحقيق، ولا متابعة، ولا سؤال عن الحقيقة. مجرد موظف بريد إلكتروني يحمل لقب
صحفي، ويظن أن نقل البيان كما هو إنجاز مهني يُضاف إلى تاريخه الوهمي. وهنا تتحول
الصحافة من مهنة البحث عن الحقيقة إلى مهنة توزيع المنشورات.
سماسرة المؤتمرات... وهذا الصنف تجده حاضرًا في كل مؤتمر وندوة وفعالية، لا
بدافع المعرفة ولا بحثًا عن الخبر، بل بحثًا عن صورة تذكارية وبطاقة دعوة ووجبة
غداء. فتراه يتنقل بين القاعات وكأنه جزء من ديكور المكان، يلتقط الصور مع
المسؤولين، ثم يعود لينشرها على صفحاته وكأنها سبق صحفي مدوٍّ. بينما الحقيقة أنه
لم يطرح سؤالًا واحدًا ولم يكتب سطرًا واحدًا يمكن أن يدخل في صلب العمل الصحفي.
صحافة الابتزاز... وهو أخطر ما يمكن أن يصيب جسد الإعلام في أي بلد. فهنا
لا تكون الصحافة سلطة رقابية، بل تتحول إلى أداة ضغط رخيصة. فيبدأ الأمر بتلميح،
ثم يتحول إلى تهديد مبطن بنشر فضيحة أو ملف، فإذا ما تم الدفع سكت القلم واختفت
القصة. وهكذا تتحول الكلمة من رسالة أخلاقية إلى سلعة تباع وتشترى في سوق المصالح
الرخيصة.
ألقاب على الورق... ومن الظواهر التي ابتُلي بها واقعنا الإعلامي أيضًا،
تجارة الألقاب الصحفية. فكل من امتلك صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي أصبح فجأة
رئيس تحرير، أو مدير مؤسسة إعلامية، أو محللًا سياسيًا. بينما الحقيقة أن الصحافة
ليست لقبًا يُكتب في سطر التعريف، بل تاريخ من العمل والجهد والكتابة والمعرفة.
أما هذه الألقاب الورقية فهي لا تصنع صحفيًا، كما أن ارتداء المعطف الأبيض لا يجعل
من صاحبه طبيبًا.
غياب الضمير المهني... وكل ما سبق ليس إلا نتيجة مباشرة لغياب الضمير المهني.
فالصحافة في جوهرها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة. وحين يغيب الضمير يتحول
القلم إلى أداة للفوضى، وتتحول الكلمة إلى وسيلة تضليل، ويصبح المشهد الإعلامي
مرتعًا لكل من لا يملك سوى الضجيج.
الخلاصة ... وفي نهاية هذا المشهد البائس، لا بد من قول
الحقيقة كما هي دون مساحيق تجميل. فالمشكلة لم تعد في وجود صحفيين فاسدين أو
إعلاميين طارئين، فهذه ظاهرة عرفتها كل المجتمعات. لكن الكارثة الحقيقية تكمن في
أن الرداءة أصبحت تتكاثر كالفطريات في بيئة تسمح لها بالنمو، حتى صار الضجيج
يُقدَّم على أنه إعلام، والجهل يُسوَّق على أنه تحليل، والانحطاط يُعرض على أنه
جرأة صحفية.
إن الصحافة ليست بطاقة تعريف تُعلَّق على الصدر، ولا
صورة تُلتقط مع مسؤول، ولا مقطع فيديو يُنشر على عجل. الصحافة ضمير قبل أن تكون
مهنة، ومسؤولية قبل أن تكون شهرة، وتاريخ يُكتب بالكلمة الصادقة لا بالادعاء
الفارغ.
ولهذا، سيأتي يوم—وهو أقرب مما يظنون—تنكشف فيه كل
الأقنعة، ويسقط فيه المزيفون واحدًا تلو الآخر، لأن الحقيقة في النهاية لا تحتاج
إلى صراخ، بل تحتاج فقط إلى وقت كافٍ لتفضح كل من حاول تزويرها. وعندها سيعرف
الجميع أن ما كان يُسمّى صحافة في هذا الزمن لم يكن في كثير من الأحيان سوى ضجيجٍ
رخيص يختبئ خلفه فراغٌ كبير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق