مشاريع ثقافية بين التلكؤ والفشل
تحت عنوان
مجلة (فواصل) الادبية الموصلية ... نموذجًا
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
لكل مشروع ثقافي فكرة وهدف وأسس تحفظ نجاحه، الذي يكمن
في الديمومة والاستمرار، ولهذا هناك الكثير من تلك المشاريع التي تظهر على الساحة
بشكل خجول، وسرعان ما تتلاشى حتى يصل الأمر إلى نسيان القارئ الاسم والأقلام التي
تكتب فيها، ولهذا كان يجب استعراض بعض التجارب التي تلقي في هذه الفترة صعوبة في
الإعداد أو الإصدار، لتكون أمام الأدباء صورة لكيفية ابتكار تجربة وطرق الحفاظ
عليها، فكانت مجلة (فواصل) الادبية كنموذج حي يوضع تحت المجهر الثقافي.
المشروع الربحي ... هنا يجب التنويه أن الثقافة لا تجني الثروات كما يظن
البعض، ولهذا يجب أن تكون هناك ثوابت عند الشروع في بناء تلك المنصات، سواء كانت
ورقية أو رقمية، وكما هو معروف عند العامة أن المجلة التي نحن بصدد الحديث عنها قد
وُلدت ميتة كما يُقال، فلا يُعرف لها زمن ثابت للإصدار كما نرى، وهذا بسبب أن
القائمين عليها كان من ضمن أهدافهم الربحية، وهنا كانت الصدمة، وهذا بالإضافة إلى
أنهم يتعاملون مع الموضوع كمثل رجل جاء ببعير ويريد أن يعمل بمحرك كهربائي، وهذا
ما قد تناسوه، فنحن في زمن انتهت فيه الصحافة الورقية في عصر التكنولوجيا، ويريد
القائمون عليها جني الأرباح منها.
ولا يمكن فصل فكرة الربح عن الثقافة إلا إذا أدركنا أن
القيمة الحقيقية لأي مشروع ثقافي لا تُقاس بما يُدرّه من مال، بل بما يُحدثه من
أثر في الوعي الجمعي، فالمشروع الذي يبدأ بعقلية التاجر ينتهي غالبًا بخسارة
مزدوجة؛ خسارة المال وخسارة القيمة، لأن الثقافة لا تُدار بمنطق السوق بل بمنطق
الرسالة، وحين تختلط المعايير يصبح المنتج الثقافي سلعة باهتة لا روح فيها، فتفقد
قدرتها على التأثير، حتى لو استمرت شكليًا.
الإشكاليات التحريرية ... وبما أنني قريب من القائمين عليه، وجدت أن الإدارة
التحريرية متذبذبة في اتخاذ القرار، حتى في اختيار المواد المراد نشرها، بغض النظر
عن جودتها والأسماء والأقلام التي قد تكتب فيها، وهذا ما يعرقل مسألة الإصدار
ويفقدها القيمة الثقافية الحقيقية، حتى إنها اقتصرت على بعض الأسماء وقربها من
شخصية رئيس التحرير، وهذا ما يعد كارثة حقيقية في مضمار بناء صرح ثقافي، بالإضافة
إلى الضمانات المالية التي يحرص عليها القائمون عليه.
وإن غياب الرؤية التحريرية الواضحة لا ينعكس فقط على
جودة النصوص، بل يُنتج فوضى فكرية تُفقد المجلة هويتها، فالمجلة التي لا تمتلك
معيارًا ثابتًا في الاختيار تتحول إلى مساحة عشوائية لا رابط بينها، وهذا ما يجعل
القارئ في حالة اغتراب دائم، فلا يعرف ماذا يريد منها ولا ماذا تريد هي منه، وهنا
تكمن الأزمة الحقيقية، إذ تتحول الأقلام من أدوات بناء إلى أدوات مجاملة، ويصبح
القرب الشخصي بديلاً عن القيمة الإبداعية.
أزمة الشكل والإخراج ... برغم أن القائم على التصميم يُعتبر من الأسماء اللامعة
في سماء الفن في مدينة الموصل، ولكن هناك تدخلات في عمله، مما زاد في دائرة المأزق
في عملية الإخراج، وليس الأمر متوقفًا عند رأي رئيس التحرير، بل إن هناك بعض
المحسوبين على المشروع يحاولون فرض رأيهم في هذا العمل، وهذا ما يعزز فرضية انعدام
القرار في العمل، وكان من المفروض منهم أن يعملوا بمقولة المثل الشعبي (أعطِ الخبز
خبازه حتى ولو أكل نصفه)، وهذا ما سوف يساهم في دعم تقنيات التصميم في المجلة،
وهذا ما سبب أيضًا في تأخير الإصدار في المواعيد المحددة.
فإن الشكل ليس ترفًا بصريًا كما يُعتقد، بل هو جزء من
الخطاب الثقافي نفسه، فالإخراج الفني هو أول ما يستقبل القارئ، وإذا كان هذا
المدخل مرتبكًا فإنه يعكس بالضرورة اضطراب الداخل، فالتدخل في عمل المصمم لا يفسد
الشكل فقط، بل يكشف عن غياب الثقة داخل الفريق، وهذا ما ينعكس سلبًا على هوية
المجلة، فالمشروع الذي لا يحترم التخصصات داخله، سرعان ما يفقد توازنه ويقع في فخ
الارتجال.
إشكالية “الحداثة غير المكتملة” ... يبدو أن المجلة، ومنذ اليوم الأول، حصرت نفسها بما يُعرف
بـ(النخب) من حيث وجهة نظرها، وهذا ما ساهم في عدم وجود دماء جديدة تساهم في رسم
الحداثة، فكان بقاؤها في نقطة البداية، وانعدام توسيع دائرة هذا الصرح في الأوساط
الثقافية، فتجد هناك أسماء محددة أو دائرة مغلقة تحدد صلاحية النشر حسب الأهواء
الشخصية في تحديد حدود رؤية صاحب الموضوع، حتى تحول الموضوع من مشروع ثقافي إلى
أملاك خاصة، فكل الذين يكتبون هناك يعتبرون أنفسهم من النخب حسب وجهة نظرهم فقط.
ولهذا إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المشاريع الثقافية هو
وهم النخبوية، لأن النخبة الحقيقية لا تُقصي بل تُنتج، ولا تُغلق بل تفتح آفاقًا
جديدة، وعندما تتحول النخبوية إلى جدار عازل، فإنها تقتل التجديد من الداخل،
فالثقافة بطبيعتها كائن حي لا يعيش إلا بالتنوع، وأي محاولة لحصرها ضمن دائرة ضيقة
إنما هي إعلان مبكر عن شيخوخة المشروع، حتى وإن بدا في ظاهره متماسكًا.
الديمومة سر النجاح ... فإذا ما سألك أحدهم: كيف تقيم نجاح مجلة أو صحيفة من
غيرها؟ سوف يكون الرد في قدرة القائمين عليها على الاستمرارية من خلال امتلاك رؤية
واضحة في قيمة العمل المقدم، دون النظر إلى مبدأ الربح والخسارة، فالكثير من الصحف
والجرائد والمجلات العالمية لم تعد مشاريع ربحية، فاختارت محاور ثانية لتثبت
نجاحها من خلال الديمومة، وهذا ما فشل به القائمون على المجلة لغاية يومنا هذا.
فالاستمرارية ليست مجرد حضور زمني، بل هي قدرة على
التجدد دون فقدان الهوية، فالكثير من المشاريع تستمر شكليًا لكنها في الحقيقة
متوقفة فكريًا، والديمومة الحقيقية تُقاس بمدى قدرة المشروع على إعادة إنتاج نفسه
بما يتناسب مع تحولات الواقع، دون أن ينحرف عن مساره الأساسي، وهذا يتطلب وعيًا
عميقًا بأن النجاح ليس لحظة عابرة، بل مسار طويل من التراكم، لا يحتمل القرارات
المرتجلة ولا الرؤى المؤقتة.
وفي نهاية المطاف ... لا يمكن تجميل الفشل ولا تغليفه
بمسميات ثقافية براقة، فالمشاريع التي تُبنى على التردد والمصالح الضيقة محكوم
عليها أن تسقط، حتى وإن طال بها الزمن، لأن الثقافة لا تقبل أنصاف الحلول ولا
تعترف بالنيات المؤجلة، بل تفضح كل خلل مهما حاول أصحابه إخفاءه خلف العناوين.
وما يحدث اليوم ليس تعثرًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية
لتراكم الأخطاء، حيث تحوّل المشروع من فكرة تحمل روحًا إلى جسد بلا ملامح، يتنفس
بصعوبة ويعيش على مجاملات لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
وحين يصل المشروع الثقافي إلى هذه المرحلة، فإن أخطر ما
فيه ليس فشله، بل إصرار القائمين عليه على تسميته نجاحًا... وهنا تبدأ النهاية، لا
بصمت، بل بسقوطٍ يسمعه الجميع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق