نافذة النور في الجدار الأكاديمي
تحت عنوان
قراءة في دقيقة ونصف
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
منذ زمن بعيد هناك جدار يحيط بالمؤسسة الجامعية، كالجدار
الذي يحيط بجامعة الموصل، ولكن اليوم لن أتحدث عن المادة الحجرية التي يُبنى بها
الجدار، بل عن شيءٍ آخر يفصل بين الشخصية الأكاديمية والعامة. فالكثير من الناس
تمرّ بجانب ذلك الجدار، وتسأل نفسها: ماذا يكون هناك في الخلف؟ وهذا فقط على مستوى
العالم الثالث، أما فيما سواه فهناك قنوات تعاون أو اقتران بين الاثنين.
ومن هنا تكون هناك محاولات تمتزج ما بين الجرأة والخجل،
وهذا ما أقدم عليه ثلاثة أكاديميين في الصرح الجامعي في كسر ذلك التقليد القديم،
في عملٍ سمعيٍّ مرئيٍّ بزمن (دقيقة ونصف). وهنا يكون دور الرؤية النقدية في تقييم
هذا العمل، مع الحفاظ على المكانة العلمية للمشاركين فيه، فسوف نبرز في هذه السطور
ما بين الصواب والخطأ في أصل العمل.
المشاركون:
د. أحمد جارالله ياسين / أستاذ الأدب العربي في كلية
الآداب / جامعة الموصل
د. حسام الطحان / أستاذ الأدب العربي في كلية تربية
البنات / جامعة الموصل
د. ربيع خزعل / أستاذ اللغة العربية في كلية الآداب /
جامعة الموصل
الأستاذ حسين حمه / أستاذ الادب الإنكليزية في كلية
الآداب / متقاعد – جامعة الموصل
فهؤلاء يُعتبرون عرّابي المشروع الثقافي واللبنة الأولى
للعمل.
الصواب ... تحديد مصدر المعلومة؛ ففيما قُدّم كان هناك رصانة واقعية
لمصدر المعلومة بغض النظر عن الموضوع المطروح، وهذا بسبب فوضى المعلومة التي
نعيشها في عالمنا اليوم، وهذا ما يخلق فضاءً آخر غير مألوف. وقد يعتبرها الكثير
هنا نوعًا من أنواع المغامرة، وآخرون قد يعتبرونها محاولات يائسة في بناء صرح
يفتقر إلى عامل الوقت، الذي بات يخضع لشيوع التفاهة على حساب الرصانة العلمية.
ولكن إذا ما عدنا إلى الرؤى النقدية سوف نرى أنه عمل يعود إلى مبادرة شجاعة في
تحدي واقع مرير، من خلال استخدام قواعد استند إليها الطرف الآخر، والمقصود هنا وسيلة
الفيديوهات القصيرة، وهذا ما يعزز القيمة الداعمة للمواضيع الحياتية التي يجب أن
تكون في مكانتها الاجتماعية.
الخطأ... وللتنويه بما يُكتب هنا، لا أنصّب نفسي مقيّمًا لشخوصٍ
يُعتبرون ممن ساهموا في بناء شخصية (البارون الأخير) منذ البداية، ولكن هم ذاتهم
من علّمني (ألا مجاملة لأحد تُذكر على حساب الرصانة الأدبية).
وما يُعتبر قد أُسقط سهوًا في أصل الموضوع هو آليات
مخاطبة العامة، فما زال الأكاديميون في هذا المحتوى متمسكين بالطرح الأكاديمي من
خلال تبنّي أسس الفصاحة العربية في طرح الموضوع، وقد يكون لديهم أسبابهم في هذا،
وقد يكون ترويج النطق الصحيح للغة العربية، ولكن قد يكون هذا مبكرًا نوعًا ما، وقد
يخلق عدم جلب الاهتمام لدى شريحة كبيرة. وكان من المفروض التركيز على المعلومة
ورصانتها قبل فرض ما نريد على المتلقي، ولم يكن هناك ضرر في إدخال نوع من روح
الدعابة البعيدة عن الإسفاف في الموضوع، فالأدب العربي غني إلى حد كبير في هذا
المضمار. وهنا تكون هناك ضرورة ملزمة للاستعانة بذلك كعامل جذب، فأنت اليوم قد
خرجت من المسارات الأكاديمية التي تحكمها القرارات والقوانين، وقد قدّمت نفسك
كصاحب محتوى للعامة، ولهذا يجب قراءة الأيديولوجيات العقلية التي تحكمها. أما فرض
ما تريد، فيكون من خلال عمليات تدريجية للحفاظ على هيكلية العمل والمراد منه.
المضمون ... أن كسر الجدار الأكاديمي لا يعني فقط الخروج إلى العامة،
بل يعني أيضًا تعرية الذات الأكاديمية أمام النقد الشعبي. فالأكاديمي حين يدخل
فضاء الفيديو القصير لا يفقد هيبته فقط، بل يضعها على المحكّ. وهنا تكمن الشجاعة
الحقيقية؛ لأن النقد في الفضاء المفتوح لا يرحم، ولا يعترف بالألقاب العلمية.
كما أن مسألة “دقيقة ونصف” ليست مجرد زمن تقني، بل هي
تحدٍّ فلسفي عميق. كيف يمكن اختزال تراكم معرفي لسنوات طويلة في تسعين ثانية؟ هنا
نحن أمام صراع بين العمق والاختصار، بين التراكم والسرعة، بين العقل الذي اعتاد
التفصيل والجمهور الذي اعتاد اللمحة الخاطفة. وهذه إشكالية تستحق الوقوف عندها
بوصفها معركة بين زمنين لا بين أسلوبين فقط.
وهناك بعدٌ آخر لم يُفكَّك، وهو أن دخول الأكاديميين إلى
فضاء المحتوى السريع قد يُفسَّر من قبل بعض النخب بوصفه تنازلًا، في حين أنه في
حقيقته محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوعي العام. فالانسحاب لم يعد خيارًا،
والعزلة لم تعد فضيلة، والصمت في زمن الضجيج مشاركة غير مباشرة فيه.
ثم إن اختيار اللغة الفصيحة الخالصة لا يُقرأ فقط بوصفه
تمسّكًا أكاديميًا، بل قد يكون إعلان موقف ضد موجة التفكيك اللغوي التي تضرب هوية
المجتمع. وهنا يصبح الإصرار على الفصاحة موقفًا ثقافيًا لا أسلوبًا تعبيرياً فحسب.
كما أن المقال لم يتوقف عند مسألة الاستمرارية، وهي
الأخطر. فالمحاولة الأولى قد تكون ناجحة رمزيًا، لكن الرهان الحقيقي هو القدرة على
التحول من مبادرة فردية إلى مشروع متكامل. لأن الثقافة لا تُبنى بلحظة شجاعة، بل
بسلسلة مواقف متواصلة.
وهناك سؤال كان يمكن طرحه بصيغة أكثر مباشرة:
هل الجمهور مستعد فعلًا لاستقبال هذا النوع من الطرح، أم
أننا ما زلنا نخاطب جمهورًا افتراضيًا نحلم بوجوده؟ لأن الفجوة ليست فقط بين
الأكاديمي والعامة، بل بين المثقف والجمهور الذي أعاد تشكيل ذائقته وفق إيقاع
مختلف تمامًا.
وأخيرًا، هناك بعدٌ أخلاقي في العمل لم يُبرز بشكل واضح،
وهو أن المبادرة في زمن الفوضى ليست ترفًا، بل مسؤولية. فمن يمتلك المعرفة ولا
يحاول توظيفها في فضاء التأثير العام يكون قد اختار الحياد، والحياد في لحظات
التحول الكبرى ليس موقفًا بريئًا.
الخلاصة... هم رجال شجعان، ويُعتبرون فرسان الثقافة في زمن الفوضى
العقلية، والعمل يُعدّ محاولة للوقوف أمام موجة عارمة تعصف بعقول العامة لفرض
أجندة دخيلة على المجتمع، وها أنا أقف إجلالًا واحترامًا لكل من يحاول، ولو مجرد
محاولة، لبناء مجتمع بمسارات صحيحة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق