ثقافة
(الصرصر)
تحت
عنوان
صور من
الحياة العامة
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
رحم الله
أبي، كان عندما يرى أحدًا لا يرضى بالحق ولا يقبل بالنصيحة، يقول عنه: (هذا مثل
الصرصر، إذا تأخذه إلى حديقة مليئة بالزهور والرياحين يموت، ولكن إذا أبقيته في
المرحاض فسوف ينتعش). لم أدرك وقتها ما كان يرمي إليه من مضمون عميق، ولكن بعد
مرور الوقت، ومن خلال التعامل مع الآخرين في مضمار الحياة، أدركت ما الذي كان أبي
يريد قوله، فقد اختصر مجلدات في علم الاجتماع في بضع كلمات، ولهذا سوف نستعرض
اليوم ميزات تلك الثقافة.
مجتمع
الحشرات... فثقافة الصرصر هي جزء من الثقافة الجمعية، ولهذا لا أستغرب أن يظهر هذا
النوع من البشرية الذي يأخذ من تلك الحشرة مثالًا حيًا، فيتقمص طباعها في التعامل
مع الحياة. ولمن لا يعلم، فإن مصطلح «حشرة» يُستخدم للتحقير، ولكن الغريب أن
الكثير من البشر يرغبون في أن يكونوا في أوطأ مكانة اجتماعية، فيتخذون من الحشرات
قيمةً يتعاملون بها مع الآخرين.
بشر على
شاكلة صراصر... يُعتبر الصرصر أكثر حشرة تمتاز بحياتها القذرة، وكذلك بعض البشر في
رسم الصور الحياتية، فتراهم يرفضون كل تغيير أو كسر للقواعد الرتيبة التي يعانون
منها. والغريب قناعتهم أو تناغمهم مع فكرة أنهم في أماكنهم التي يستحقونها، رغم ما
تمتاز به من القذارة، وهذا يعود إلى تعايشهم مع ما يُسمى بالتخاذل الاجتماعي الذي
يعانون منه.
ولهذا
تجدهم يرفضون التجديد على الصعيد الفكري والحياتي، وهناك أيضًا بعض الصراصر
البشرية المصابة بعمى البصر والبصيرة، فتراه يهرول إلى حذفه بواسطة النعال، أجلكم
الله، وهذا ما أعتبره اليوم أوسع انتشارًا في يومنا هذا.
والأغرب
من كل هذا، تجد نوعيات منهم يكونون على إدراك كامل بأنهم حشرات، ورغم هذا تجدهم
متمسكين برأيهم، مع أن رأيهم وما يتفوهون به بمثابة رائحة لتلك القاذورات التي
يعيشون فيها.
وهناك
أمثلة حية لتلك الشخصيات نتعامل معها كل يوم، وقد تجدهم على مواقع التواصل
الاجتماعي، وتستطيع تمييزهم من تعليقاتهم التي تعبر عن انتماء عقولهم إلى
إيديولوجية المرحاض، فتجده لا يكتب شيئًا يعزز أو يفيد المنشور المعلَّق عليه.
وبصراحة،
لا تغضبني تلك النماذج بما تكتب، ولكن كان من الواجب الأخلاقي التعريف بهم حتى
استحقوا لقب (صراصر الإنترنت) .
ثقافة
الصرصر في التعامل مع ما يُنشر... المشكلة الحقيقية هنا أن الكثير من صراصر
الإنترنت يرون أنفسهم ديناصورات أمام المواد المنشورة، ولكن الحقيقة التي لا يرضى
بها أحد أن لا أحد من صاحب المنشور أو قارئه هم عمالقة الفكر؛ فكل منا له رأيه،
يرى فيه ما يرى، ولكن كوننا مجتمعًا ملتزمًا كما يدعون، فعلينا العمل بما جاء في
السيرة النبوية: (قل خيرًا أو اصمت) .. ولو
أدركوا المعنى الحقيقي لهذه الكلمات، لما رأيت أحدًا يتقول بما لا يرضي الله، ولكن
يبقى في البداية والنهاية.. (يبقى صرصرًا)
طباع
بشرية مكتسبة من الصراصر... معلومة قد يجهلها الكثير، حيث يُذكر أن الصرصر إذا ما
لمس بشرًا يمضي للاغتسال من قذارة ألمّت به، وهذا الطبع تراه عند الكثير اليوم،
فتراه يعاني من كل ما خلق الله من موبقات، وعند تعامله مع الآخرين يكون هو من يكسب
شعورًا بالقرف، وهو من هو!
وهذا
يعود إلى العقليات الساذجة التي تأخذ من سلوك حشرة طباعًا تتعامل بها، وبسبب نقص
الوعي الإدراكي أصبحت هذه قاعدة أساسية للتعامل الحياتي، حتى أصبحت هذه الظاهرة
تجد من ينظر لها.
فإذا ما
عدنا إلى طباع الصرصر، تجد أنه يميل للعزلة، فيعشق الأماكن المعزولة والمظلمة،
عندها تسمع أحدهم ينشد:
(راحتي في وحدتي كل البلا
من عشرتي ) وهذا ما أعتبره تبويبًا لترسيخ ثقافة الصرصر في الحياة.
ضجيج
الصراصر... في هذه الأيام، والكثير ممن تجالسهم، يبدأ باستعراض منجزات وهمية لا
وجود لها إلا في مخيلته، وهنا أعتبر هذا قد يرتقي إلى أن يكون مرضًا نفسيًا، فهو
أشبه بتلك الضوضاء التي لا يُعرف مصدرها.
وبعد
البحث والتمحيص، تجد أن مصدرها طنين صرصر، وهذا له مدلولات أن بعض الذين نتعامل
معهم هم مجرد **ظواهر صوتية لا أكثر.
حين تصبح
القذارة وطنًا... وهنا أتوقف عند جانب آخر من ثقافة الصرصر، وهو أن الصرصر لا يبحث
عن المكان الجميل لكي يعيش فيه، بل يبحث دائمًا عن المكان الذي يجد فيه ما يناسب
طبيعته، ولهذا تجد بعض البشر يفعلون الشيء نفسه، فإذا وجدوا بيئة نظيفة حاولوا
تلويثها، وإذا وجدوا فكرة جميلة حاولوا تشويهها، وإذا وجدوا إنسانًا ناجحًا حاولوا
البحث عن ثغرة في حياته بدل أن يتعلموا من نجاحه.
وهذه
واحدة من أخطر صفات صرصر البشر، فهو لا يستطيع أن يرى النور إلا بوصفه خطرًا عليه،
لأن النور يكشف حقيقته، ولهذا تراه دائمًا يميل إلى العتمة، ليس عتمة المكان فقط،
وإنما عتمة الفكر أيضًا، فيرتاح عندما تكون الأشياء غامضة، ويشعر بالانزعاج عندما
يأتي شخص ليضع الحقيقة أمامه دون مساحيق.
الصرصر
لا يصنع شيئًا.. ولكنه يفسد كل شيء ومن طباع الصرصر أنه لا يحتاج إلى أن يبني
شيئًا حتى يشعر بأنه موجود، يكفيه أن يفسد ما بناه الآخرون، ولهذا تجد بعض البشر
لا يمتلكون مشروعًا ولا فكرة ولا إنجازًا، ولكنهم يمتلكون قدرة عجيبة على الانتقاص
من إنجازات الآخرين.
فإذا رأى
كتابًا قال: لا قيمة له، وإذا رأى نجاحًا قال: جاء بالواسطة، وإذا رأى شخصية
محترمة قال: وراءها حكاية لا يعرفها أحد، وإذا رأى إنسانًا يحاول أن يقدم شيئًا
لمجتمعه، بحث بكل ما أوتي من قدرة عن كلمة يلوث بها صورته.
وهنا
يصبح الصرصر البشري أخطر من الصرصر العادي، لأن الحشرة تلوث المكان فقط، أما هذا
النوع من البشر فيحاول تلويث عقول الناس.
التطفل...
إحدى علامات ثقافة الصرصر ... ومن الأشياء التي لا يمكن تجاهلها أن الصرصر لا يعيش
منتجًا لما يحتاجه، وإنما يعيش على ما يجده من بقايا الآخرين، وهذه الصفة تجد لها
صورًا بشرية كثيرة.
هناك من
لا يملك فكرة واحدة، ولكنه يتغذى على أفكار الآخرين، ولا يستطيع أن يصنع لنفسه
حضورًا إلا من خلال الإساءة إلى من سبقوه. وهناك من لا يستطيع أن يصنع نجاحًا
خاصًا به، فيحاول أن يجعل من فشل الآخرين مصدرًا لشعوره بالتميز.
وهذا
النوع من البشر لا يبحث عن طريق يصنع به مجده، وإنما يبحث عن كتف يصعد عليه، وإذا
لم يجد كتفًا صعد فوق سمعة الآخرين، وإذا لم يجد سمعة يسيء إليها اخترع واحدة.
الخوف من
الضوء... وأكثر ما يثير انتباهي أن الصرصر يهرب عندما يظهر الضوء، وهذه ليست مجرد
صفة لحشرة، بل أجدها صورة متكررة في حياة بعض البشر؛ فهناك أشخاص لا يخافون من
الحقيقة لأنها خاطئة، وإنما يخافون منها لأنها تكشفهم.
ولهذا
تجدهم يحاربون كل صوت يحاول أن يفتح نافذة في الجدار، وكل قلم يحاول أن يقول ما لا
يريدون سماعه، وكل إنسان يرفض أن يعيش وفق القواعد التي وضعوها لأنفسهم.
فهم لا
يريدون إطفاء الضوء لأنه يؤذي أعينهم، وإنما لأن الضوء يجعل الناس ترى ما كانوا
يخفونه في الظلام.
حين تصبح
القذارة وجهة نظر...
المصيبة لا تكمن في وجود الصرصر، فكل مجتمع فيه
نماذج مختلفة، وإنما المصيبة عندما يتحول وجوده إلى حالة مقبولة، وعندما يصبح
سلوكه وجهة نظر، وعندما يبدأ المجتمع بالدفاع عنه بدل أن يحاول إصلاحه.
عندها لا
يعود الأمر متعلقًا بشخص يكتب تعليقًا تافهًا أو إنسان يرفض النصيحة، وإنما يتحول
إلى ثقافة، والثقافة عندما تتأسس على الخطأ تصبح أكثر خطورة من الخطأ نفسه.
لأن
الإنسان قد يخطئ مرة، ولكن عندما يتعلم الخطأ ويورثه لغيره، فنحن أمام مشكلة تحتاج
إلى أكثر من نصيحة.
صراصر لا
تحب أن تُسمّى صراصر ... والأكثر طرافة في هذه الحكاية أن الصرصر البشري غالبًا لا
يقبل أن تقول له إنه صرصر، بل يغضب ويعتبرها إهانة، مع أن سلوكه هو الذي منحه هذا
اللقب.
وهنا
أقول: لا تغضب من المرآة إذا أظهرت وجهك كما هو، فالمشكلة ليست في المرآة، وإنما
في الوجه الذي يقف أمامها.
ولو أن
بعض هؤلاء قضى دقائق قليلة في مراجعة نفسه، لعرف أن الإنسان لا يُقاس بما يقوله عن
نفسه، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
فالإنسان
الحقيقي يترك وراءه فكرة، أو موقفًا، أو كلمة طيبة، أو أثرًا جميلًا، أما صرصر
البشر فلا يترك خلفه إلا ضجيجًا وقذارة ورائحة لا يرغب أحد في الاقتراب منها.
ولهذا
ربما كان أبي أكثر حكمة مما أدركت يومها، عندما قال إن الصرصر يموت في حديقة
الزهور وينتعش في المرحاض؛ لأن بعض الكائنات لا تعرف قيمة النقاء، ولا تستطيع أن
تعيش إلا في البيئة التي تشبهها.
وهنا
تصبح الحكاية أكبر من مجرد حشرة.. إنها حكاية إنسان اختار أن تكون القذارة أسلوب
حياة، ثم غضب عندما وصفناه بما اختاره لنفسه.
الخلاصة...
نحن اليوم أمام مأزق فكري شديد الحساسية، فهؤلاء اليوم هم مجرد ظاهرة، ولكن قد
تتحول بمرور الوقت إلى ثقافة عامة تخرج البشرية من الوعي الإنساني إلى أسلوب حياتي
مستوحى من يوميات حشرة.
عندها
سوف نفقد كل ما هو لنا من أخلاقيات وقيم نبيلة، ويكون كل شيء مقترنًا بما يفعله
الصرصر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق