بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

مقال

 

مفاهيم الالتزام والبصمكية

تحت عنوان

وهم الانضباط الحكومي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البصمة من أساليب القمع الوظيفي، وهي أبشع أنواع الإذلال الوظيفي عند من يملك الإحساس، وقد يسأل هنا أحدكم: كيف يكون هذا؟ ولماذا تصف الموظفين بالبصمكية، مع أنها كلمة من اللهجة العامة في مصر، وتعني الذين لا يقرؤون ولا يكتبون؟ والسبب أنهم قد تحولوا إلى أدوات لا حول ولا قوة لهم.

والحقيقة أن معظم المسؤولين في الدولة اليوم يتعاملون مع مفهوم الالتزام على أنه بصمة، كأنها عصا يلوّح بها المسؤول تجاههم، ولكن هناك مقولة لا يعرف عنها شيئًا ذلك المسؤول، مفادها: (الماي يسوكه مرضعه، سوك العصا ما ينفعه) ، وفي هذا دلالة على أن الالتزام لا يعني أن يبقى أحدهم في العمل لوقت محدود، حتى وإن لم يكن له عمل ينجزه، ولهذه المفاهيم نتائج كارثية، لكن المسؤول لا يمكنه إدراك هذا؛ لأن عمله الرئيسي هو إرضاء من أجلسه في المنصب، ولهذا سوف نبين في هذه السطور الواقع والأسباب والنتائج.

 

الواقع ووهم الانضباط... كثيرًا ما نرى اليوم في بعض دوائر الدولة التشديد على ما يُعرف بنظام البصمة، كنوع من الدلالة على الانضباط، ولكن هناك دوائر يرتبط عملها بتواجد شريحة من المجتمع لتقديم خدمة لها، وبغيابها يصبح عمل الموظف نوعًا من العبثية والاستهلاكية.

ورغم هذا، تجد أن الكثير من المسؤولين يدركون ذلك، ورغم ذلك يتقمص شخصية الشرطي في قضية الحراسة، وهذا يأتي من نقص الشعور بالمسؤولية، وينطلق من باب: يجب أن يكون هناك أحد يمارس عليه عقدته الإدارية، حتى لو كان الموظف يمارس دورًا عبثيًا في تواجده داخل دوائر الدولة.

والتهرب من المسؤولية الأخلاقية تجاه الموظف، يمارس المسؤول أسلوب الاحتيال الإداري أمام مطالب الموظفين، فيكون التهميش بإعطاء حق المطالبة بعبارة (حسب صلاحيات المدير المباشر) ، وهو على علم ويقين أنه لا يخرج عما يريد في التضييق على الموظف وتركيعه بحجة الالتزام، وتلك أقذر الأساليب الإدارية.

 

الأسباب، أزمة ثقة... وهي من أكبر المشاكل التي نعاني منها في يومنا هذا؛ فالمسؤول لم يعد يثق بالموظف، والعكس أيضًا صحيح، ولهذا ترى أساليب مبتذلة تُمارس بحجة الانضباط، ومنها قطع الإنترنت خلال الامتحانات الوزارية، وفي ذلك تشكيك صريح بأمانة الموظف الحكومي.

والسؤال هنا: لماذا تقدم الدوائر الحكومية على إسناد مهام لشخصيات لا تثق بها؟

والجواب هنا أن انعدام الثقة ليس بالموظف الذي أوكلت له المهمة، ولكن هو انعدام الثقة بأنفسهم من خلال الشخصيات الموكلة إليها الأعمال، وهكذا الحال مع قضية وقت العمل والبصمة، فهي نابعة من عدم الثقة التي تعتبر من أهم القضايا التي تنهك الموظف في وقتنا الحالي.

 

النتائج الكارثية... (البطالة المقنعة) ، لمن لا يعلم من المسؤولين، إن تلك الممارسات العبثية لها نتائج يتحملها هو وحده، منها ظاهرة (الريوك الصباحي) ، ففي بعض دوائر الدولة اليوم تتحول بعض الشعب إلى مطاعم شعبية وتجمعات لا معنى لها، ومنها إلى (قال وقلت) .

ومن الطبيعي، عندما لا يكون للموظف عمل ينجزه، سوف يكون شغله الشاغل في يومه الوظيفي البحث عن المشاكل، وليس هذا فحسب، ولكن هناك ظاهرة أكثر سوءًا مما تتصور؛ فترى بعضهم يمضي للبحث عن حجج وتبريرات أمام المسؤول ليحظى بإجازة، فقط ليتهرب من مسؤوليته أمام العمل.

ولمن لا يعلم، فإنني رأيت بعض الموظفين غير متواجدين في عملهم بشكل يثير الشك والريبة، فكيف يكون هناك موظف أو موظفة على الملاك الدائم، وهو معك ولم تره لمدة سنوات سوى شهر أو أقل في السنة، بينما آخر يكاد يصاب باليأس لعدم قدرته على الحصول على رخصة للغياب يومًا واحدًا؟

وهذه ليست رؤية تدخل محض الافتراء، لا سامح الله، ولكنها حقيقة دون ذكر الأسماء.

وآخرون يجعلون من العمل عيادات نفسية، يسرد أحدهم للآخر مشاكلهم العائلية، كنوع من القمع الأسري الذي يعاني منه رجل كان أو امرأة، وكل هذا وأكثر، ويأتي المسؤول، كما يقال عند العامة، وعذرًا للفظ: **(يدور بالخرا حب ركي)**، ويفرض البصمة كنوع من الانضباط الوهمي، بدلًا من أن يبحث عن حلول جذرية لتلك الظواهر الشاذة في العمل.

 

الحلول وفق المنطق والعقل... لنبدأ من رأس الهرم، يجب مد الجسور بين الموظف والمسؤول، على أساس أن الموظف يعمل معه لا يعمل لديه، وتلك نقطة في غاية الأهمية لمن يدركها، وأن يتخلى عن دور الشرطي في البحث عن حجج لمعاقبة الموظف، وأن يدرك حجم المهام الموكلة له من خلال إيجاد حلول طويلة الأمد، لا الاكتفاء بالحلول الآنية والشكلية.

فالكثير اليوم من المسؤولين يتعاملون مع الوظيفة من باب أنهم وُلدوا مسؤولين، وأنهم لم يمروا بتلك المراحل، فهم يعملون اليوم بمبدأ المثل الشعبي: **(يا حمي، ما كنتِ كنه قالت: كنتو ونسيتو)**، وهذا ما سوف يزيد في تعميق المشكلة.

أما عن الموظف بكافة أشكاله، فيجب أن تكون هناك ورش توعوية حقيقية تزرع الوعي الأخلاقي تجاه العمل، والامتناع عن أساليب التشكيك في كل منهم بالآخر.

 

الخلاصة... هذه الكلمات ليست دعوة للفوضى الإدارية في العمل، بقدر ما هي رسالة نقدية وفق المعايير العقلية والمعقولة في دوائر الدولة، والكف عن التعامل مع الموظفين بمبدأ الاستعباد.

وكونك مسؤولًا اليوم، هذا لا يعني بالضرورة أنك أنقى وأشرف من الآخرين في العمل، وهذا يأتي من الآلية التي تختار بها الدولة اليوم، وباب المحاصصة.

فاليوم، التواجد على المكاتب والبصمة لا يعنيان بالضرورة الانضباط، وهذا ما لا يدركه الكثير منهم اليوم، ويجب على كل مسؤول اليوم أن يضع جدارية أمامه يكتب عليها: (إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  مفاهيم الالتزام والبصمكية تحت عنوان وهم الانضباط الحكومي بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين البصمة من أساليب القمع الوظيفي، وه...