بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 15 أكتوبر 2026

مقال

 

شواهد بلا قبور

تحت عنوان

صور من الفشل الحكومي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



خبرٌ تصدّر الصحف العالمية مفاده: (مصرع عدد من الشباب العراقيين العابرين إلى القارة العجوز عبر قوارب الموت، وجارٍ فحص الجثث من قبل السفارة في العاصمة طرابلس، ليبيا) . وهنا يكون السؤال الأهم : لماذا لم يهتم الإعلام الحكومي بهذا الخبر؟ وهنا سنوضح أسباب التعتيم.

رحم الله أمير المؤمنين، الخليفة عمر بن الخطاب، في قوله: (لو عثرت شاة في العراق لسُئل عنها عمر). وهذا هو حال ولاة الأمر في متابعة الرعية، ولكن واقعنا اليوم مغاير لما قدّمه الرعيل الأول في الإسلام من دروس في فن القيادة، وهناك مقولة تعبّر عن المواقف الحكومية تجاه الموضوع، مفادها: (البعرة تدل على البعير).

ومن هنا تكون الانطلاقة في مقالنا هذا، وما الذي دفع هؤلاء الشباب إلى رمي أنفسهم بين أمواج الموت؟ ولهذا، سوف تتم مراجعة القضايا التي قد تكون من الأسباب المباشرة وغير المباشرة.

 

ماذا ينتظر الشباب في العراق؟ ... سؤال يُطرح من خلال هذه السطور، والإجابة تكون: (لا شيء). فعندما تعلم أنك لن تحصل على شيء، تفقد الشغف في العمل والحياة بشكل عام، مما يسبب الإحباط النفسي الذي يدفع الكثيرين إلى الهجرة، وهذا دليل واضح لا يقبل الغلط على أن هناك خللًا منهجيًا في إدارة الدولة.

 

*لقمة العيش والمغامرات العقائدية... كثيرًا ما يُردَّد في الإعلام أننا بلد ديمقراطي فدرالي تعددي، والحقيقة أن نظام الحكم اليوم طائفي إلى حد النخاع، فالدخول في معارك عبثية باسم الطائفة يهدد الأمن الغذائي للمواطن البسيط، وهذا ما يدفع الكثيرين إلى البحث عن أماكن يظنونها أكثر أمنًا من البلد الأم، وهذا أيضًا يعود إلى سوء التخطيط في إدارة البلد.

 

تعزيز ظاهرة الانتحار... إن ما فعله هؤلاء الفتية هو (انتحار)، والمصطلح ليس شرطًا أن يعلّق الفرد لنفسه حبلًا يشنق نفسه به، ولكن يبدو أن السلطات أخذت على عاتقها هذا الدور من خلال قتل أحلام الشباب في بناء مستقبل يليق بهم.

 

التنصل من المسؤولية الأخلاقية... هل تعلم، يا عزيزي القارئ، أن حدثًا بهذا الحجم في الدول المحترمة يُسقط وزارات وحكومات؟ ولكن الأمر يختلف هنا، فلم نعرف بالخبر إلا من الصحف الخارجية، وهذا ما يعزز حالة التخاذل تجاه حقوق المواطن على البلد. وهناك أمثلة في مقولات تُكتب على بعض الجوازات في بلدان تحترم الإنسان، ومنها: (حامل هذا الجواز تحت حماية جمهورية أوزبكستان). ولكن لو نظرت إلى جواز السفر عندنا، فقد كُتب عليه: (عند فقدان الجواز يترتب عليك دفع غرامة مالية). ومن هنا تفهم عمق قضية التخلي عن المسؤوليات تجاه المواطن.

 

انعدام التخطيط الإداري للدولة... يُعتبر من الأسباب الرئيسة في هذه الحادثة، فلو كانت هناك مشاريع تدعم قضية تأمين العمل وتوفير فرص العمل التي تضمن لهم الحماية الاجتماعية بشكل حقيقي، لما وصل الأمر إلى هذا الحد. إن انعدام القطاعين الصناعي والزراعي، والقضاء على القطاع الخاص، وحصر المشاريع غير الخدمية في مجالات مثل (مطعم، مول)، وهي مشاريع استهلاكية لا توفر فرص عمل حقيقية للشباب، كلها أمور تساهم في التراجع النفسي في قضية الإيمان بالمستقبل.

 

الهروب إلى المجهول... لمن لا يعرف، فإن كل من همّوا بالعبور أو عبروا في تلك القوارب البائسة، كان ذلك نتيجة الشعور باليأس، بغض النظر عن البلد القادم منه. فتصبح هناك مقارنة بين موت وموت، وكأنها لعبة بوكر يراهن أحدهم فيها على الحظ، لعله يكون من أولئك الذين تُكتب لهم النجاة، ومن ثم حصوله على فرصة عمل محترمة. والسؤال هنا: لماذا لا نسعى اليوم، هنا، إلى بناء تلك الفرص لحماية الفرد والمجتمع من المجهول الذي يقبع خلف أمواج الهلاك؟

 

الخلاصة... إن المسؤولية تقع اليوم على الجميع دون استثناء، من رأس الهرم المتمثل برئيس الجمهورية إلى عامل الخدمة، ولكن هناك تباينًا فيما يقع على عاتق كل واحد منهم. فالفشل الحكومي في إدارة الحياة العامة دفع الفتية، رحمهم الله، إلى ذلك المصير، ويكون الموت وقتها حاملًا عنوان: **(شواهد بلا قبور).**

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  شواهد بلا قبور تحت عنوان صور من الفشل الحكومي بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين خبرٌ تصدّر الصحف العالمية مفاده: (مصرع عدد من...