حكاية ليلى والسعلوة (قصة حقيقية من الموصل)
تحت عنوان
عاهات الحزب الإسلامي
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
قبل فترة من الزمن، وفي أثناء حضوري أحد المنتديات
الثقافية، قدّم المنتدى إحدى المواهب الواعدة، وهي طفلة تمتلك فن الخطابة بشكل
ملفت للأنظار. ولغاية هنا يبدو الأمر طبيعيًا، ولكن وسط الاحتفاء الرائع بتلك
الطفلة كانت هناك امرأة ممن يدّعين التدين، لم ترفع عينيها عنها. وقد لاحظت ذلك،
وكان هذا الفعل مستفزًا لي بصراحة. وما إن انتهت الجلسة حتى اقتربت تلك السعلوة،
كما أسميتها، منها وبدأت تتحدث معها، وهذا ما أثار مخاوفي من الموضوع. وبعدها
اقتربت من والدها وقدمت له نصيحة بأن يأخذ حذره من تسلل الأفكار الشاذة إلى ابنته.
وقد تقبل الأب كلامي بشكل طبيعي آنذاك، ولكن قبل يومين رأيت فيديو للفتاة على
مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث فيه عن قضايا أكبر من عمرها في ساحة التدين، فعندها
أدركت أن ما كنت أحسبه قد حصل، وأن السعلوة قامت بخطف الفتاة.
وهنا يقتضي التنويه إلى بعض القضايا التي تأخذ شكل من
يضع السم في العسل من بوابة الدين.
سرطان التدين ... من الطبيعي أن يكون لكل مرض تاريخ يُدوَّن في سجلات
الصحة العالمية، وكذلك الحال مع الأمراض الفكرية. وبداية هذا المرض تعود إلى أواخر
عشرينيات القرن الماضي، عندما قام أحدهم بالتجارة بالله بدلًا مما يُعرف بالتجارة
مع الله. ومن هنا فُتح باب النفاق على مصراعيه لولادة نماذج ـ والعياذ بالله منهم
ومما يفعلون ـ ومن الطبيعي أن جميع الأفكار يتم تطويرها، كذلك فعل ذلك الفكر الشاذ
في أيامنا هذه. فعندما فقد قدرته على إقناع العامة بتلك الأفكار، شرع في تصدير
مجموعة من النسوة تعمل بمثابة أبواق لتسهم في تشويه صورة الدين من حيث لا يشعرن.
وبرغم أننا نعيش في هذه الأيام أزمة دينية وأخلاقية، فإن هذا المرض يصدر تلك
الشخصيات لتزيد الطين بلة. ولمن لا يعلم، فإن جميع الأفكار الشاذة اليوم لدى
الأحزاب الدينية، بغض النظر عن الطائفة، مصدرها واحد، وهو ذلك الفكر الذي ساهم منذ
بداياته في تشويه صورة الإسلام.
أيديولوجية الدعوية... قد يظن القارئ أن ما كُتب هنا يُعد من باب التهجم على
الدين، وهذا بسبب أن المجتمع اليوم وصل إلى حالة من عدم الوعي والإدراك في التفريق
بين ما هو صواب وما هو خطأ. ولهذا ترى أن من يتحدث بشكل قويم يوافق العقل والمنطق
يُتَّهم بأنه قد كفر بما أُنزل على نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم). وهذا يعود
إلى الاستخفاف بالأيديولوجية الدعوية، فبدأ الجميع يتحدث بأمور الدين، وبدأ يفتي
بأن هذا حلال وهذا حرام، وهذه كارثة بكل المقاييس. أما عن دفع تلك الفتاة للتحدث
في قضايا قد لا يدرك عمرها القدرة على استيعابها، فهذه مصيبة، وإن تصدير هذا النوع
لبناء الثقافة العامة أو لنشر تلك الأفكار يساهم في تضليل المجتمع. فالداعية يجب
أن يكون ملمًا بالأمور الفقهية من خلال قراءة مطولة واستيعاب عقلي يؤهله للحديث في
قضايا يكون الخطأ فيها خصمه أمام الله.
أنبياء كذبة... بات اليوم أصحاب الفكر السرطاني يقدمون أنفسهم للعامة
على أنهم أصحاب الله ووكلاؤه في حالة غيابه، (اللهم إن هذا شيء منكر لا يرضينا ولا
يرضيك). وهذه حقيقة قد تلمسها عند التعامل معهم، فإنهم ينتهجون فكرة: "إن لم
تكن منا فأنت خارج عن الملة"، وهذا تكفير صريح وإن لم يعلنوا ذلك بصورة
مباشرة. والمشكلة أنهم ينتهجون منذ البداية منهجية الأمراض السرطانية في الانتشار
الصامت، عبر استهداف الفئات العمرية في وقت مبكر من خلال نشاطات رياضية وثقافية
واجتماعية تحت شعارات نبيلة، لكن الهدف هو أن يحظوا بشرف أخوة الشيطان.
خطرهم على المجتمع... يكمن خطرهم في رسم مفاهيم عن الدين بحسب أهوائهم الشخصية
وما يخدم أهدافهم التي تفضي إلى الهيمنة على السلطة، بغض النظر عن قضية تحريف
المفاهيم الدينية القويمة التي أنزلها الله على رسوله الكريم. والمشكلة في هؤلاء
أنهم لم يقرأوا النصوص التاريخية المتعلقة بانتشار الإسلام والدعوة إليه في ذلك
الوقت. ولسنا اليوم بأحسن حالًا من أيام الجاهلية الأولى، فقد كان الإسلام آنذاك
يعمل على إصلاح الفرد، ثم العائلة، ثم المجتمع. أما عن إخوان الشياطين، فقد بات
همهم الوحيد الاستحواذ على السلطة بحجة إصلاح المجتمع ولو بالقوة، وفي هذا سذاجة
عظيمة. فلو كانت القوة قادرة على تغيير المسارات الفكرية والاجتماعية، لانتصر
فرعون واندحر موسى (عليه السلام) في زمانه. ولهذا يجب علينا توعية المجتمع بخطرهم،
كما جاء في هذا الموضوع.
المضمون ... إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الجهل وحده،
بل أولئك الذين يتخذون من الدين سلّمًا لتحقيق غاياتهم، فيخلطون بين الدعوة
والهيمنة، وبين التربية والتجنيد الفكري، وبين الإيمان الصادق والولاء الأعمى.
فحين تتحول عقول الأطفال إلى ساحات صراع أيديولوجي، وتُسلب منهم براءة العمر ليُزج
بهم في قضايا أكبر من قدرتهم على الفهم والاستيعاب، نكون أمام مشروع لا يسعى إلى
بناء الإنسان بقدر ما يسعى إلى صناعة الأتباع.
والمصيبة أن هذه الأفكار لا تدخل على الناس من أبوابها
الحقيقية، بل تتسلل إليهم متخفية بشعارات أخلاقية وثقافية واجتماعية تبدو في
ظاهرها الرحمة والإصلاح، بينما تخفي في باطنها رغبة جامحة في السيطرة على العقول
وتشكيلها وفق مقاسات ضيقة لا علاقة لها بجوهر الدين وقيمه السامية. ولهذا فإن
معركة الوعي اليوم لم تعد معركة بين التدين والإلحاد كما يحاول البعض تصويرها، بل
هي معركة بين الدين الحقيقي الذي يبني الإنسان ويحرره، وبين المتاجرة بالدين التي
تحوله إلى أداة للنفوذ والوصاية على الناس.
الخلاصة ... وهنا لا أكتب هذا الكلام لأنني أرى نفسي
أكثر إيمانًا من غيري، ولا لأنني أنزه نفسي عن الخطأ والزلل، فأنا ابن هذه الحياة
المليئة بالنقص، وأحمل من العيوب ما يجعلني أستغفر الله في كل يوم أكثر من مرة.
لكن الفرق بين الخطأ البشري الطبيعي وبين صناعة الخطأ على أنه دين، هو كالفرق بين
من يتعثر في طريقه وبين من يحفر حفرة للآخرين ثم يسميها طريق النجاة.
إن أكثر ما يؤلمني ليس أن يخطئ الإنسان، بل أن تُسرق
براءة الأطفال وعقولهم باسم الله، وأن يتحول الدين الذي جاء ليحرر الإنسان إلى قيد
يوضع في عنقه، وأن يصبح بعض الناس أوصياء على الخلق وهم عاجزون عن الوصاية على
أنفسهم. وما أخشاه على مجتمعاتنا ليس من أعدائها الظاهرين، بل من أولئك الذين
يرتدون أثواب الصلاح ويتحدثون بلغة السماء بينما تمتلئ أيديهم بمشاريع الأرض.
سيبقى الله أكبر من أحزابهم، وأعظم من شعاراتهم، وأقدس
من أن يُختزل في جماعة أو تنظيم أو مشروع سلطة. وسيأتي يوم يسقط فيه كل قناع،
وعندها لن يُسأل الناس كم تابعًا جمعوا، ولا كم طفلًا أقنعوا، ولا كم منبرًا
اعتلوا، بل سيُسألون: ماذا فعلتم بقلوب الناس التي استأمنكم الله عليها؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق