بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 22 يونيو 2026

مقال

الشخصية الموصلية وأسطورة الشجاعة

تحت عنوان

عيش نملة تاكل سكر

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هي جملة وردت في أحد أفلام السينما العربية، وهي الشعار الذي تعتنقه أغلب فئات المجتمع الموصلي. وليس هذا بالأمر الحديث، إذ كان يُروَّج دائمًا إلى أن الشجاعة إحدى ميزات الشخصية الموصلية، اعتمادًا على أن النظام السابق استقطب العديد من أبناء المدينة لشغل مناصب عسكرية. وهذا أمر عارٍ عن الصحة، لأن الحقيقة تكمن في مصطلح الانقيادية العمياء لدى المجتمع الموصلي. ولهذا سوف نستعرض أهم الأسباب التي أبعدت أبناء المدينة عن مصطلح الشجاعة، ومنها:

 

الشواهد التاريخية ... هنا لن تجد مصدرًا تاريخيًا واحدًا يشير إلى أن المدينة اختارت الحرب في موقف معين بشكل مباشر، منذ أيام حصار نادر شاه وما سبقه من أحداث وما تلاه من وقائع تاريخية عديدة. وفي هذا أيضًا دلالة على بناء ثقافة معاكسة لمصطلح الشجاعة.

ولو عدنا إلى صفحات التاريخ لوجدنا أن المدينة كانت في أغلب مفاصلها التاريخية تنتظر نتائج الصراع أكثر مما تصنعه، وتراقب موازين القوى أكثر مما تؤثر فيها. فالشجاعة ليست أن تنجو من كل معركة، بل أن تمتلك القدرة على اتخاذ موقف مهما كانت النتائج. أما ثقافة الانتظار حتى تتضح هوية المنتصر فهي ثقافة لا تنتج إلا أفرادًا يتقنون فن التكيف مع الواقع بدلًا من صناعة الواقع نفسه.

 

ثقافة المكان ... وللتنويه هنا، ليس هناك ما يُعرف بمصطلح المواطن الأصيل للمدينة أو غيرها، بسبب وجود ما يُعرف بثقافة المكان، وهي التي تُكتسب من القيم والقضايا الخاصة بالمدينة. وقد يتساءل البعض عن المسببات التي ساهمت في اكتساب هذه الخصال التي أبعدت المدينة عن مفهوم الشجاعة. ومن أهم تلك الأسباب أن موقع المدينة منذ القدم ساهم في بناء هويتها التجارية، وكما يعرف الجميع فإن هناك مقولة متعارفًا عليها في عالم الاقتصاد مفادها: «إن رأس المال جبان».

ولأن التجارة كانت المورد الأهم للمدينة عبر قرون طويلة، فقد أصبحت حسابات الربح والخسارة جزءًا من العقل الجمعي للسكان. ولهذا تحولت الكثير من القضايا المصيرية إلى معادلات اقتصادية قبل أن تكون مواقف أخلاقية أو وطنية. فالذي يعتاد حساب المكاسب قبل المبادئ يصعب عليه أن يتخذ قرارًا شجاعًا عندما تتعارض المصلحة مع الموقف.

 

التأثر بالثقافات المجاورة ... ولمن لا يعلم، فإن مدينة الموصل تُعد من أكثر المدن العراقية تعددية من حيث المكونات الدينية والاجتماعية، إذ جمعت مختلف الأديان والطوائف والثقافات، الأمر الذي يفرض على العقل الجمعي حالة من عدم وحدة القرار أو التوجه.

إن التعددية بحد ذاتها ليست عيبًا، بل قد تكون مصدر قوة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى حالة من التردد الدائم وعدم القدرة على إنتاج موقف موحد. فكلما تعددت المرجعيات ضعفت إمكانية صناعة قرار جريء، وأصبح الجميع يبحث عن منطقة آمنة ترضي جميع الأطراف، حتى وإن كان الثمن هو غياب الموقف الحاسم.

 

الموروث الشعبي ... وهو العنصر الرئيسي الذي يلعب الدور الأكبر في بناء الشخصية الموصلية. وهناك مقولات موروثة ساهمت في ترسيخ هذه القضية، ومنها: «ألِّف قلبي ولا تغلبني»، أي إن هذا المثل يؤكد غلبة المصلحة الشخصية على المبدأ، الأمر الذي يحول الفرد إلى شخص انتهازي بعيد عن المسؤولية الأخلاقية المرتبطة بمفهوم الشجاعة. وليس هذا فحسب، فهناك مقولة أخرى أكثر خطورة، وهي: «ألف مرة جبان ولا الله يرحمه»، وهو ما يجسد المضمون الذي أرمي إليه، والذي شكّل اللبنة الأولى والأساسية في طريقة تعامل المجتمع مع مختلف القضايا.

والمشكلة الحقيقية أن هذه الأمثال لم تبقَ مجرد كلمات تُقال في المجالس، بل تحولت إلى منهج تفكير ينتقل من جيل إلى آخر. فالطفل الذي يسمع منذ صغره أن النجاة أهم من الموقف، وأن السلامة مقدمة على الكرامة، سيكبر وهو يرى الشجاعة مغامرة غير محسوبة، ويرى التراجع فضيلة اجتماعية تستحق الثناء.

 

ألقاب وأذناب ... ولمن لا يعلم، فإن المجتمع الموصلي من أكثر المجتمعات التي تعاني من مسألة الطبقية، اعتمادًا على الألقاب والامتيازات التي منحتها الدولة العثمانية لبعض العائلات. وقد يرى الكثيرون أن هذه الميزة تمنحهم الأولوية في اتخاذ القرارات المصيرية داخل المدينة، ومن الطبيعي أن تكون تلك القرارات بعيدة كل البعد عن مفهوم الشجاعة، مما يمنع بروز قرارات جريئة قادمة من خارج دائرة التبعية التقليدية.

ولهذا أصبح الانتماء إلى الاسم أو اللقب عند البعض أهم من الانتماء إلى الفكرة نفسها. فبدل أن تُقاس قيمة الإنسان بما يقدمه للمدينة، أصبحت تُقاس أحيانًا بما ورثه من مكانة اجتماعية. وهذه البيئة بطبيعتها لا تنتج شخصيات مستقلة، بل تنتج أتباعًا ينتظرون الإشارة من أصحاب النفوذ قبل اتخاذ أي موقف.

 

الشجاعة اكتساب لا موروث ... وهنا يبرز السؤال: كيف تُكتسب الشجاعة؟ ومن الطبيعي أن يكون لثقافة المكان، التي تُورَّث عبر الأجيال، دور كبير في بنائها. وبعدما قدمت هذه السطور، يصبح من الصعب إطلاق صفة الشجاعة على المجتمع الموصلي بوصفها سمة عامة. ولأننا نؤمن بالتاريخ إلى حد كبير، فإننا نرى في المجالس الاجتماعية للمدينة روايات كثيرة مشكوكًا في أصلها وصحتها، انطلاقًا من المثل الشعبي الموصلي القائل: «الكرعة تتباهى بشعر أختها».

ولو كانت الشجاعة تورث بالدم كما يعتقد البعض، لما شهد التاريخ أبناء أبطال عاشوا حياة الجبناء، ولما شهد أبناء البسطاء وهم يصنعون أعظم المواقف. فالشجاعة تُبنى بالتربية والثقافة والممارسة اليومية، ولا علاقة لها بالأسماء الكبيرة أو الروايات التي يتداولها الناس في مجالسهم من أجل تضخيم صورة الماضي.

 

معاهم معاهم... عليهم عليهم ... تجسد هذه الجملة القاعدة الرئيسية في تعامل الشخصية الموصلية مع القضايا المعاصرة، وذلك نتيجة الأسباب الواردة سابقًا، مما جعل السلطة الحاكمة تنظر إلى المدينة بوصفها بيئة سهلة الاحتواء والتوجيه. فالمدينة صفقت لمختلف الحقب السياسية منذ ستينيات القرن الماضي. وقد يشير أحدهم إلى أحداث سياسية معينة من تاريخ المدينة، لتكون إجابتي هنا واضحة: أنا لا أؤمن بوجود استقلالية حقيقية للفكر السياسي في دول العالم الثالث منذ تأسيسها.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتغير الشعارات بتغير الحكام، وأن تتبدل المواقف بتبدل موازين القوى. فالمشكلة ليست في الأنظمة وحدها، بل في العقلية التي اعتادت الاصطفاف خلف المنتصر أيًّا كان، دون أن تسأل عن المبادئ أو القيم أو النتائج. وعندما تصبح المصلحة هي البوصلة الوحيدة، فإن الشجاعة تتحول إلى سلعة نادرة لا تجد لها مكانًا في السوق الاجتماعي.

 

الخلاصة ... لستُ هنا لأهاجم مدينة أحبها، ولا لأنتقص من أهلها، بل لأضع إصبعي على جرح ظل ينزف لعقود طويلة بينما كان الجميع منشغلًا بتجميله بالكلمات والشعارات والأساطير. فالشجاعة ليست قصة تُروى في المجالس، ولا لقبًا يُورث، ولا صورة معلقة على جدار الماضي. الشجاعة موقف، وعندما يغيب الموقف لا يبقى سوى الضجيج.

لقد آن الأوان أن نتوقف عن خداع أنفسنا. فالمدينة التي تتقن التصفيق لكل سلطة، والانحناء لكل مرحلة، والاختباء خلف أمثالها الشعبية كلما اقترب الخطر، لا يحق لها أن تحتكر الحديث عن الشجاعة. لأن الشجاعة لا تُقاس بعدد العسكريين الذين خرجوا منها، بل بعدد الأحرار الذين قالوا "لا" عندما كان الجميع يقول "نعم".

إن أكثر ما يؤلم في هذه الحكاية ليس غياب الشجاعة، بل الإصرار على ادعائها. فالكذب على الذات أخطر من الهزيمة نفسها. والهزائم لا تصنعها الجيوش الغازية وحدها، بل تصنعها أيضًا الشعوب التي تعتاد الوقوف على الرصيف بانتظار معرفة اسم المنتصر لتلتحق به.

ولهذا أقولها بمرارة: إن أخطر أسطورة عاشت في الموصل لم تكن أسطورة الشجاعة، بل أسطورة إقناع الناس بأنهم شجعان، بينما كانوا في الحقيقة يتقنون فن النجاة أكثر مما يتقنون فن المواجهة. وبين النجاة والشجاعة مسافة من الدم والمواقف لا تختصرها الحكايات، ولا تمحوها المجاملات، ولا يغطيها غبار التاريخ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

ا لشخصية الموصلية وأسطورة الشجاعة تحت عنوان عيش نملة تاكل سكر بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين هي جملة وردت في أحد أفلام السين...