الوصايا العشرة للمواطن العراقي
تحت عنوان
عند وقوع الكارثة القادمة
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
يتصور الكثير في عالمنا اليوم أن القلم ووظيفته تنحصر في
إيجاد نصوص تُكتب لغرض المتعة من خلال النصوص الأدبية، ولكن هناك وجه آخر لعمله،
وهو التوعية البشرية في فترات الكوارث والحروب. ويبدو أن القرار قد أُقرَّ في
مجالس السياسة الدولية لبداية فصل دموي، ولهذا كان علينا واجب أخلاقي تجاه المواطن
العراقي إبان الحقبة القادمة التي بانت بوادرها في الوقت الحالي، فقد تكون تلك
الوصايا كطوق نجاة في وقتها، ومنها:
·
لا تجعل انتماءك أقوى من إنسانيتك... حين تبدأ الحرب
الأهلية، تصبح الهوية سلاحاً، ويصبح الإنسان رقماً في صفٍّ من الصفوف. تذكّر أن
إنسانيتك أقدم من حزبك، وأبقى من طائفتك، وأعلى من كل راية، ولهذا يجب أن يكون
انتماؤك للأرض التي تربطنا بكل ما يتعلق بالتاريخ والحاضر والمستقبل.
·
لا تمنح عقلك لمن يحمل السلاح... فمن يملك البندقية لا
يملك بالضرورة الحقيقة. السلطة التي تدخل رأسك أخطر من الرصاصة التي تمر بجانبك،
ولهذا يجب أن يكون لكل مواطن وعي قادر على صياغة قناعات تكون بمثابة نقطة انطلاق
لعقيدة تُسمى الوطن.
·
لا تجعل الخوف عقيدة... الخوف غريزة تحمي الجسد، لكنه
حين يتحول إلى طاعة عمياء يقتل العقل. لا تسمح للخائفين أن يصنعوا منك مقاتلاً في
حرب لم تخترها، أو أكباشاً تُذبح كقرابين لسياسات قذرة إقليمية.
·
لا تقتل المختلف لأنك لا تفهمه... الاختلاف ليس جريمة، والإنسان لا يصبح عدواً
لمجرد أنه وُلد في الجهة الأخرى من الخريطة أو حمل اسماً مختلفاً، وقد قرأنا في
الأثر: **«الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية»**، وبهذا لا يكون هناك مختلف بدرجة
عدو.
·
لا تصدّق الرواية التي تحتاج إلى دم كي تثبت نفسها...
الحقيقة لا تحتاج إلى جثة كي تنتصر، والعقيدة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها إلا
بالرصاص ليست قوةً في الفكر، بل عجزاً عن الإقناع. ولهذا، دورك يكون في إبعاد تلك
الأفكار السوداء التي لا يمكن إثباتها إلا من خلال شلالات الدم والمجازر الأهلية.
·
احمِ جارك قبل أن تسأل عن هويته... في الحرب يصبح
السؤال: «من أنت؟» أخطر من السؤال: «هل أنت إنسان؟». وحين يسقط هذا السؤال الأخير،
يسقط الوطن معه. وهذا مستنبط من حديث رسول الله (ص): **«ما زال جبريلُ يوصيني
بالجارِ حتَّى ظننتُ أنه سيورِّثُه»**، صدق رسول الله. ولهذا أرى أن هناك قدسية
للجار، بغض النظر عمّن يكون.
·
لا تجعل الانتقام عدالة... الانتقام هو أن تورّث جريمةً إلى إنسان لم
يرتكبها، ثم تطلب منه أن يورّثها إلى آخر. وهكذا تتحول الحرب من حادثة إلى ثقافة،
عندها نكون قد خرجنا من حدود الإنسانية إلى الخصيلة الحيوانية التي تفقدنا
إنسانيتنا.
·
لا تكن وقوداً لمن يجلس بعيداً عن النار... كثيرون
يشعلون الحروب ولا يدخلونها، ويطلبون من الفقراء أن يموتوا دفاعاً عن مصالح
الأغنياء وأوهام السياسيين. لا تمنح حياتك لمن لا يخاطر بحياته، ولهذا لا تأخذ
قرار الحرب من شخصيات بعيدة عن مشهد الحدث إذا ما وقعت، فلكل منا عقل يرشده للصواب
وقتها.
·
تذكّر أن الحرب تنتهي على الخرائط قبل أن تنتهي في
النفوس... قد تتوقف البنادق، لكن الجرح الذي يسكن الذاكرة قد يستمر عقوداً. لذلك
لا تترك خلفك عدواً ينتظر جيلاً جديداً للانتقام، وبهذا نكون قد جددنا عقد الحروب
من النوعية التي في الغالب لا منتصر فيها.
·
اجعل وطنك آخر ما تتخلى عنه... الأحزاب تتغير، والقيادات
تسقط، والرايات تُستبدل، أما الوطن فلا يملك المواطن وطناً آخر كلما أخطأ
السياسيون. لذلك لا تدافع عن الحزب ضد الوطن؛ دافع عن الوطن ضد كل من يحاول
امتلاكه، ويكون الحفاظ على ممتلكات الوطن هو الواجب المقدس الذي يقع على عاتقك،
فالإنسان هويته الأولى والأخيرة في هذا العالم: **وطنك**.
الخلاصة ... وإذا جاءت الكارثة، فلا تسألوا المواطن
العراقي: مع من أنت؟ بل اسألوه أولاً: هل ما زلت إنساناً؟
فالحرب الأهلية لا تبدأ عندما تُطلق الرصاصة الأولى، بل
تبدأ يوم يُقتل العقل في داخل الإنسان، ويصبح المختلف عدواً، والقاتل بطلاً، والدم
دليلاً على الولاء، والوطن غنيمةً تتقاسمها البنادق.
إلى كل من يحمل سلاحاً باسم الحزب أو الطائفة أو القومية
أو الدين أقول: العراق ليس ثكنةً لأحد، وليس مزرعةً لحزب، وليس كرسياً لزعيم، وليس
مقبرةً لأبناء الفقراء. ومن يعتقد أن الوطن يُبنى فوق جماجم أبنائه، فليعلم أن
الجماجم قد تصنع قبراً، لكنها لا تصنع وطناً.
وإلى المواطن العراقي أقول: لا تسمح لأحد أن يستأجر دمك،
ولا أن يستعير عقلك، ولا أن يكتب مستقبلك بحبر البارود. إذا اشتعلت البلاد، فكن
أنت رجل الإطفاء لا حطب النار، وكن عراقياً قبل أن تكون حزبياً، وإنساناً قبل أن
تكون تابعاً.
فالأحزاب قد تخسر انتخابات، والقيادات قد تسقط، والرايات
قد تُطوى، أما إذا سقط العراق في نفوس أبنائه، فلن تنفعنا كل الرايات التي رُفعت
فوق خرائبه.
وهذه ليست وصايا للخائفين من الحرب، بل وصايا للعقلاء كي
لا تتحول الحرب إلى قدر... وللعراقي كي لا يصبح الرصاصة التي يطلقها العراق على
نفسه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق