الشعب
يريد إسقاط النظام
تحت
عنوان
واقعنا
العراقي
بقلم البارون
الأخير / محمود صلاح الدين
لم تعد
مشكلتنا في العراق اليوم هي (سين أو صاد) من المسؤولين، ولكن وصل بنا الحال إلى
مستوى أصبح فيه السكوت عن النظام وممارساته الشاذة جريمة بكل معنى الكلمة. وهنا
سوف نستعرض الكثير من الأسباب التي بموجبها استحق هذا النظام ضرورة إسقاطه. وهذا
لا يعني التهكم على الحاكمية الشيعية، فالنظام كما يدّعون يشمل كل أطياف الشعب.
شرعنة
اللصوصية... تُعد
كارثة الكوارث في أي بلد عندما يكون منهج الحكم هو (شريعة اللص). فمنذ عقدين من
حكم الطبقة الحاكمة في العراق، بُنيت فلسفة إدارة البلد على أنه غنيمة يجب التعامل
معها على أساس الغنيمة. وهذا يعود إلى أصول العقيدة السياسية التي كانت لدى الذين
يتزعمون المشهد السياسي المثقل بفكر المعارضة، وهو مصطلح اقترن بمفهوم اللصوصية
منذ زمن بعيد. وقد يعود ذلك إلى حقبٍ ممتدة منذ فجر الحضارة عند العرب، حيث إن
الكثير من الخارجين عن الأعراف والتقاليد ينسبون ما هم عليه إلى معارضة النظام
الحاكم. وهذه بالضبط منهجية هؤلاء اليوم، فبات نهج الحكومات المتعاقبة في ظل
النظام الحاكم يتعامل على أن الشخص المسؤول يجب أن يكون بعقلية (العيّارين
والشطّار).
النصب
والاحتيال وفق القانون...
اليوم، وللأسف، بات الجميع مستهدفًا من قبل النظام
من خلال عمليات نصب واحتيال، ولم يعد المسؤول يخجل منها. فعملية القروض وفرض
الضرائب التي وصلت إلى مستوى الطالب الجامعي تُعد كارثة بكل المقاييس. والغريب أن
النظام اليوم بات يتعامل مع المواطن بالمثل الشعبي: (اليهودي إذا فلس دوّر بدفاتره
القديمة). فترى الفواتير والضرائب في كل مكان، والمشكلة أن كل تلك المبالغ ليس
مقابلها أي خدمة تُذكر. فتحول المواطن إلى (ثور أعمى يدور في حلقة مغلقة)، وهنا
تُضرب الأمثال ولا تُقاس، وهذه هي المنهجية التي تضمن ديمومة النظام من وجهة نظرهم.
ما يُعطى
باليمين يُؤخذ باليسار...
يردد المغفلون من العامة والخاصة أنهم يحظون برواتب
عالية مقارنة بفترة النظام السابق، ولكن لو أعدنا النظر بواقعنا لرأينا أن الحال
يعبر عنه المثل الشعبي: (هي وكروتها بأربعة عشر). وفي هذا دلالة على أن القيمة
الشرائية قد انخفضت إلى حد كبير، مما يجعل تلك الرواتب، مهما بلغت، لم تعد لها
قيمة تُذكر. وهنا أنا لست ضد نظام الضرائب، ولكن هذا النظام لا يكون مجديًا إلا
مقابل خدمات تُقدم للمواطن، ولكنك لن تجد خدمة تُذكر، وما يحصل يدخل في باب
الاستغفال للعامة بشكل علني دون رادع يُذكر.
لماذا
وجب إسقاط النظام...
يظن الكثير أن ما كُتب هنا جاء من باب المقارنة مع
الحقب التي سبقت هذه المرحلة، وهذا بسبب أنهم يعتقدون أنني أقارن السوء بالأسوأ،
بينما الحقيقة أن كل هؤلاء اليوم وممارساتهم كانت نتيجة طبيعية لما كان قبلهم. أما
تبادل الاتهامات بين الأنظمة فيدخل في حيز المثل الشعبي: (غراب يقول لغراب وجهك
أسود). ولكن من المستحيل المضي بهذه المنهجية الحاكمة، لأن ذلك اليوم بمثابة
انتحار جماعي. ولا أقول قولي طمعًا في سلطة تُذكر، فمن يناطح من أجل تولي السلطة
كمن يناطح ليحظى بغضب الله عز وجل.
الهدوء
الذي يسبق العاصفة...
كثير من أعوان النظام الحالي يظنون أن الحال سوف
يبقى على ما هو عليه، وأن من المسلمات التي يجب على المواطن تقبلها برحابة صدر.
والغريب أن الكثير منهم يردد شعارات تصب في هذا الاتجاه، مثل: (ليش أحد يگدر
ياخذها حتى ننطيها). ولكن، ومن باب سذاجة هؤلاء، نسوا قدرة الله على كل شيء، ولو
دامت لغيرهم ما وصلت إليهم. غير أن ما يجهله الكثير هو أن حالة السقوط هذه المرة
تختلف عما حدث في عام 2003 من ناحية المعطيات على الأرض، ومنها حالة الاحتقان
الشعبي وانفلات السلاح، وهي عوامل سوف تفضي، بكل المعايير، إلى نهاية دموية. وإن صمت
العامة سوف يتحول إلى نار تحرق كل شيء على هذه الأرض.
الخلاصة
... فإن أخطر ما يواجه الأوطان ليس فساد الحكومات فحسب، بل اعتياد الشعوب على
الفساد حتى يصبح جزءًا من المشهد اليومي. فحين يتحول الظلم إلى خبر عابر، والنهب
إلى ممارسة مألوفة، والفشل إلى قدر محتوم، فإن الدولة تكون قد دخلت مرحلة الخطر
الحقيقي.
إن
الأنظمة لا تسقط عندما يشتد بطشها، بل تسقط عندما تفقد قدرتها على إقناع الناس
بأنها تمثلهم. والتاريخ لم يرحم سلطة اعتقدت أن صبر الشعوب لا نهاية له، ولم يحفظ
لمستبدٍ عرشه لأنه امتلك المال أو السلاح أو الإعلام. فكل ذلك ينهار في لحظة واحدة
عندما تتراكم الأخطاء حتى تصبح أكبر من قدرة أي سلطة على إخفائها.
قد يظن
البعض أن المشهد باقٍ كما هو، وأن الناس قد استسلمت للأمر الواقع، لكن تحت الرماد
جمرٌ لا يُرى، وتحت الصمت أصوات لا تُسمع، وتحت التعب غضبٌ يتراكم عامًا بعد عام.
وعندما يصل الوطن إلى لحظة الحساب، لن يسأل التاريخ من كان الحاكم، بل سيسأل: كيف
سمح الجميع لهذا الخراب أن يستمر كل هذا الوقت؟
وحينها
لن يكون سقوط النظام هو الحدث الأهم، بل الحقيقة التي ستنكشف للجميع: أن الشعوب قد
تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى أبدًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق