بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 15 يونيو 2026

مقال

 

هل مات الحب

تحت عنوان

أحاديث من خارج حدود القلب

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح ال


دين


هو سؤال يشغل الكثير ولكن يجب اعادة صيغة السؤال ذاته (هل هناك أناس تؤمن بالحب من الاصل؟)

ففي احد الايام سألني احدهم من تكره ؟ والاجابة كانت .. انا لا اكره احد لسبب بسيط جدا انني لا امتلك الوقت الكافي للكراهية وهنا يجب علينا الاستشهاد مثل شعبي يصب في أصل الموضوع مفادة (ان الذي يحبك لان يبني لك قصرا والذي يكرهك لان يحفر لك قبرا) ولو امعنت النظر في هذه المقولة سوف تجد هناك قسمان من الحديث اوله خاطئ والثاني قد اصاب فالذي يحب سوف يبني لك قصر وقد لا يكون اساس ذلك البناء على الارض لكن سوف يكون البنيان في القلب وهذه من المسلمات لو كنتم تدركون اما الشق الثاني من النص فهو قد اصاب عين الحقيقة فالكره فعل غير عاقل لا يسيء فاعله الا بذاته وهنا استشهد بكلام الله عز وجل (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) صدق الله العظيم وهذا ما يؤكد جوهر المضمون الذي نريد الوصول له فالمكر هو من ابواب الكراهية

اشكاليات الحب المعاصر ... لقد تغير كل شيء في هذا العالم وقد شمل الحب ايضا التغير فأخذ الصورة السيئة من الموضوع فعندما يقوم البعض بربط مصطلح (الحب) بالجنس يخرج من الحدود الوجدانية ويدخل المساحة الحيوانية فتسقط بهذا كل القيم الانسانية التي عرفتها البشرية من خلال هذه الكلمة وهذا ما دفع الموضوع لدخول الموضوع برمته عند البعض رجال او نساء الى مفهوم المقايضة فكان الحب مقابل المال حتى جندة امثال شعبي تعزز هذا المفهوم عندها قال احدهم (عندما يدخل الفقر من الباب يخرج الحب من الشباك) ولهذا تجد ان الكثير من العلاقات حتى الزوجية منها تأخذ الطابع المادية وهي ابشع طريقة لاغتيال الحب

 

واقع الكراهية ... في الغالب تاتي تلك القضية من باب عدم ثقة بالذات الالهية فالموضوع يبوبه الكثير كرد فعل من الشعور بالغبن متناسين العدالة السمواوية في هذا .. ولكن هناك كارثة بالموضوع في يومنا هذا فاصبح الكره يمارس لاسباب عديدة منها (التميز والحسد) فهناك من يكرهك ليس لكونك سيء لا سامح الله ولكن تميزك قد يكون له الاثر في تواجد الكارهين من حولك وأخرون يضمرون لك الكراهية حسدا لما تملك وبسبب هذا سوف ينعدم تدريجيا المحبين من حولك مما يخلق جو غير صحي لتنمو بذرة الحب بين الناس

 

أصل الحكاية ... مأساة الحب في يومنا هذا ليست في موته كما يعتقد البعض، بل في تشويه معناه حتى أصبح غريبًا في مجتمعه. لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإنسان يخجل من إظهار مشاعره الصادقة، بينما لا يخجل من إظهار قسوته وأنانيته. أصبح الذي يحب بصدق يوصف بالساذج، والذي يخلص يوصف بالضعيف، والذي يضحي من أجل الآخرين ينظر إليه على أنه لا يفهم قوانين هذا الزمان.

لقد صنع المجتمع مفاهيم جديدة للحب لا تمت إلى الحب بصلة. فأصبح الإنسان يقاس بما يملك لا بما يحمل في قلبه، وأصبحت العلاقات تبنى على المصالح، فإذا انتهت المنفعة انتهى كل شيء معها، وكأن القلوب أصبحت عقودًا تجارية، وكأن المشاعر فواتير تدفع في نهاية كل لقاء.

إننا نعيش زمنًا يتحدث فيه الجميع عن الحب، لكن القليل جدًا من يمارسه. نكتب عنه القصائد، ونغني له الأغاني، ونملأ صفحات التواصل الاجتماعي بكلماته، لكن عندما يأتي وقت التضحية والوفاء والصبر نجد أن الحب قد غادر المكان منذ زمن بعيد.

والأخطر من كل هذا أننا بدأنا نربي أبناءنا على الخوف من الحب لا على الإيمان به. نعلمهم أن يثقوا بالمال أكثر من الإنسان، وأن يتمسكوا بالمصلحة أكثر من المشاعر، وأن يحسبوا الأرباح والخسائر حتى في علاقاتهم الإنسانية. وهكذا تتحول القلوب تدريجيًا إلى خزائن مغلقة، لا يدخلها الحب ولا يخرج منها إلا الجفاء.

إن المجتمع الذي يموت فيه الحب لا يحتاج إلى حرب كي ينهار، لأن الكراهية وحدها كافية لتدميره. فعندما تنعدم المحبة بين الناس، يصبح النجاح سببًا للحسد، والتميز سببًا للعداء، والخير مدعاة للشك، ويصبح الإنسان غريبًا بين أهله لأنه لا يشبه قسوة هذا العصر.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل مات الحب؟ بل هل ما زلنا نملك قلوبًا قادرة على احتضانه؟ وهل ما زال فينا من يؤمن أن الإنسان يمكن أن يحب دون مصلحة، ويعطي دون مقابل، ويبقى وفيًا حتى وإن تغيرت الدنيا من حوله؟

إن الحب لم يمت، ولكن بعض الناس دفنوه بأيديهم، ثم وقفوا فوق قبره ينعونه.

 

الخلاصة ... أقولها دون تردد: الحب لم يمت، بل نحن الذين قتلناه ثم وقفنا نبكي على جثمانه. قتلناه عندما جعلناه صفقة، وربطناه بالمال والشهوة والمصلحة، وقتلناه أكثر عندما استبدلنا القلوب بالآلات، والوفاء بالحسابات، والمشاعر بالمقايضات.

إن أخطر ما يواجهه الإنسان اليوم ليس أن يكرهه الآخرون، بل أن يفقد القدرة على الحب، لأن الذي لا يعرف الحب لا يستطيع أن يعرف الرحمة، ومن لا يعرف الرحمة لن يتردد يومًا في أن يحفر قبرًا لكل قيمة إنسانية جميلة.

ولهذا، لا تسألوا: هل مات الحب؟ بل اسألوا أنفسكم: كم مرة قتلنا الحب في قلوبنا ونحن نظن أننا نحسن صنعًا؟ وكم مرة حاربنا إنسانًا لأنه أحب بصدق أو تميز بصدق أو منح الآخرين قلبًا نقيًا؟

إن العالم لا ينقصه المزيد من الكارهين، فقبور الإنسانية امتلأت بهم، لكنه ينقصه أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأن بناء قصر في قلب إنسان واحد خير من حفر ألف قبر في طريقه.

فإن كان الحب قد مات فعلًا، فاعلموا أن الذي مات قبله هو الإنسان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  هل مات الحب تحت عنوان أحاديث من خارج حدود القلب بقلم البارون الاخير / محمود صلاح ال دين هو سؤال يشغل الكثير ولكن يجب اعادة صيغة ال...