حمّى الاستقالات
تحت عنوان
القفز من المركب الغارق
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
لتكن البداية برأيي فيما يحصل من حملة الاعتقالات
الجارية في العاصمة وبعض المحافظات العراقية. وهنا قد يبدو الجواب صادمًا، ويتمثل
في أن الفساد المستشري منذ عقود يشبه قطارًا يسير بشكل مستقيم، وعندما امتلأت
عرباته بفداحة رائحته، قرر قادة القطار التضحية ببعض الشخصيات لذرِّ الرماد في
العيون. وقد يبدو أن هذا الجواب لا يحتوي على تفاؤل، وهذا بسبب أنني لا أثق بأحد
من عناصر النظام الحاكم، ويعود كل ما كُتب هنا إلى سؤال بالغ الأهمية: أين كان
هؤلاء الأفذاذ منذ سنوات طويلة؟ ولماذا لم يتحرك منهم أحد إلا بعد تلقي (Order)، أي طلب،
من القوات المحتلة المتمثلة بالسيد ترامب؟ ولهذا يبقى هذا العمل منقوص الإرادة.
الاستقالات... وهي تعتبر ورقة تحمل أبعادًا مختلفة من
حالة الرفض أو الخوف، على حد سواء. وبما أن الكثير ممن ألقوا استقالاتهم كانوا من
أبرز الضالعين في بناء هيكل الدولة القائمة، من رجال الإعلام والصحافة، فإن الأمر
برمته يدعو إلى الشك والريبة. ولهذا كان الأحرى بأولئك المستقيلين أن يبينوا
الأسباب التي دفعتهم إلى الإقدام على هذا العمل بشكل واضح، إلا أن الأمر بقي
يكتنفه الغموض. ولكن ما حصل بعد تلك الاستقالات، والحملات التي قام بها السيد رئيس
الوزراء، أقول فيه كما قالت العرب قديمًا: (فلح إن صدق). وهذا لا يعني أنني أشكك
في فعله، ولكن جميع الذين شملتهم الإجراءات لا يرتقون إلى درجة الحيتان، ولهذا لا
يُعد العمل برمته إنجازًا يُحسب له. وليس هذا موضوعنا اليوم، ولكن الاستقالات في
هذا التوقيت لا تُعد شجاعة كما يُروج لها، بل تُعد طوق نجاة في سفينة يظن الكثير
أنها سوف تنجو بالعمليات الترقيعية التي يطبل لها المطبلون اليوم.
القلم مسؤولية... سُئل أحد الشعراء يومًا عن فاعلية
القصيدة لدى المتلقي، فأجاب بأن القصيدة التي لا تتسبب في موت قائلها لا تُعد، في
الأصل، قصيدة لشاعر. وكذلك الصحفيون والإعلاميون ومن يدور في هذا الفلك. فمنذ فترة
ليست بالقصيرة كنت حاضرًا في إحدى فعاليات اتحاد الصحفيين في الموصل، والغريب أن
جميع الموجودين كانوا يُعدون من الصحفيين، ولكن الحقيقة أنني لم أرَ سوى بعض
الشخصيات التي تُعد على أصابع اليد الواحدة ممن يمارسون العمل الصحفي فعلًا، أما
البقية فهم حملة هويات من أجل المكتسبات أو المنح، ويُعد هذا من أهم الأسباب التي
أسقطت مهنة الصحافة. فالصحفيون العاملون الحقيقيون أعرفهم، وأعرف أسماءهم وكناهم
والطريقة التي يكتبون بها دون الحاجة إلى ذكر أسمائهم، أما من تبقى فهم المدعون
والراكضون خلف لقب صحفي، وهذا ما أساء، بشكل كبير، إلى مهنة الصحافة.
أنواع الصحفيين
المهرجات... انتشرت في الآونة الأخيرة فئة ممن يطلقن على
أنفسهن إعلاميات أو صحفيات، وهن في الغالب يأخذن صفة الإعلام الحكومي، ويحرصن على
الظهور في مواقع التواصل بصورة أقرب إلى الابتذال. يتشاجرن مع بعضهن مرة، وفي مرة
أخرى يعملن كمطبلات لمدرائهن، وهن في حقيقة الأمر أشبه بذلك المهرج الذي كان أحد
وسائل تسلية الملوك والسلاطين في العصور الوسطى.
المتكسبون... وهم فئة تسعى للحصول على هوية الصحفي من
أجل الكسب المادي والمعنوي، ويعتبرون هذه الهوية، في الغالب، من الكماليات التي
تكمل شعورهم بالنقص الاجتماعي، وهذه تُعد كارثة بكل معنى الكلمة.
الهروب من المسؤولية... لا توجد خيانة أكبر من أن يشارك
الإنسان في صناعة المشهد سنوات طويلة، ثم يقرر في اللحظة التي يشعر فيها بأن
الرياح قد تغيرت أن يقف بين الناس بصفة المتفرج، وكأن كل ما جرى كان يحدث أمام
عينيه دون أن يكون جزءًا منه. فالمسؤولية لا تبدأ عند توزيع المناصب ولا تنتهي عند
كتابة ورقة استقالة، بل تبدأ منذ اللحظة التي يقبل فيها الإنسان أن يكون شريكًا في
القرار، أو شاهدًا صامتًا على الخطأ وهو قادر على الاعتراض. ولهذا فإن الاستقالة،
عندما تأتي بعد سنوات من الصمت، لا تمحو ما سبقها، ولا تعفي صاحبها من مسؤولية
المرحلة التي كان جزءًا منها، لأن التاريخ لا يقرأ التوقيعات الأخيرة، وإنما يقرأ
المواقف الأولى.
إن من السهل جدًا أن يقفز الإنسان من المركب عندما يشعر
بأنه بدأ يغرق، ولكن الشجاعة الحقيقية ليست في القفز، بل في البقاء ومحاولة إصلاح
ما يمكن إصلاحه، أو إعلان الرفض يوم كان الرفض ثمنه باهظًا. أما بعد أن تتغير
الموازين، ويبدأ الجميع بالبحث عن طريق النجاة، فإن البطولة تصبح رخيصة، ويصبح كل
واحد يحاول أن يكتب لنفسه تاريخًا جديدًا يمحو به سنوات طويلة من الصمت أو
المجاملة أو المسايرة. ولهذا فإن الشعوب لا تنخدع بسهولة، لأنها تعرف جيدًا من كان
يهتف بالأمس، ومن أصبح اليوم يتحدث بلغة الضحية.
إن المسؤولية ليست منصبًا يُعاد إلى الدولة، ولا هوية
صحفية تُرمى على الطاولة، ولا تصريحًا إعلاميًا يُنشر على مواقع التواصل، وإنما هي
موقف أخلاقي يبقى ملازمًا لصاحبه حتى بعد مغادرته مكانه. ومن اعتاد أن يبرر كل شيء
عندما كانت المصالح قائمة، ثم تحول فجأة إلى ناقد بعد أن تبدلت الظروف، فإنه لا
يكون قد غادر المركب، وإنما يبحث عن مكان أفضل على شاطئ النجاة، ينتظر منه أن يصفق
له الناس على بطولة لم يصنعها، وعلى موقف تأخر حتى فقد قيمته.
الخلاصة ... لا أجد ما يستحق التصفيق، فالمركب الذي
يتسابق الجميع اليوم إلى القفز منه لم يغرق في ليلة واحدة، وإنما ظل يغرق عامًا
بعد عام، بينما كان بعضهم يبيع للناس أوهام النجاة، ويكتب بيانات الانتصار، ويصفق
لكل قرار، ويهاجم كل من قال إن الماء بدأ يتسلل إلى الداخل. واليوم، وبعد أن أصبح
الغرق حقيقة لا يمكن إخفاؤها، ارتدى الجميع ثياب الأبرياء، وكأنهم لم يكونوا يومًا
جزءًا من المشهد.
أما السلطة، فإنها لن تُقنع الناس بحملات متأخرة ما لم
تُثبت أن القانون لا يعرف كبيرًا ولا صغيرًا، وأن المساءلة لا تتوقف عند الأسماء
السهلة، بل تصل إلى كل من أسهم في صناعة هذا الواقع، أيًّا كان موقعه أو نفوذه.
وأما من حملوا صفة الصحفي أو الإعلامي، ثم جعلوا أقلامهم وسيلة للتطبيل بدل
الرقابة، فإن الاستقالة لن تغسل حبر المجاملة، ولن تمحو ذاكرة الناس، لأن القلم لا
يُحاسَب بما يكتبه اليوم، بل بما أخفاه بالأمس.
ويبقى السؤال الذي سيلاحق الجميع: عندما كان الوطن
يُستنزف، أين كانت أصواتكم؟ وعندما كانت الحقيقة تُدفن تحت ركام المصالح، أين كانت
أقلامكم؟ فإن كنتم قد صمتم خوفًا، فهذه مصيبة، وإن كنتم قد صمتم طمعًا، فالمصيبة
أعظم. أما التاريخ، فلا يعترف بالمستقيلين بعد انتهاء المعركة، ولا يكتب أسماء من
قفزوا من المركب، بل يكتب أسماء الذين بقوا يواجهون الغرق حتى النهاية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق