بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

مقال

 

 نحن شعوب لا نستحي

تحت عنوان

بلد نفطي وشعب عفطي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



في هذه الأيام، ونحن نعيش تفاصيل أكبر كذبة في التاريخ العراقي المعاصر، وهي محاربة الفساد، برزت ظواهر أقل ما توصف به هو الابتذال، يقوم بها جموع العوام من الشعب. وهنا لن نتحدث عن الفساد بالتفاصيل الدقيقة، ولكن سوف أتحدث عن المفسد الحقيقي في هذا الموضوع. وهنا يجب الاستعانة بمثل شعبي من التراث المصري يصب في أصل الفكرة، وهو: (يا فرعون، مين فرعنك؟ قال: ملقتش اللي يردني.) ومن هنا نفهم أنه ليس بالضرورة أن يكون الفساد والطغيان مصدرهما طرفًا واحدًا.

وقد سأل أحد الفلاسفة في العصور السابقة: إذا ما خُيِّرت بين قتل العبيد أو قتل الطاغية، فماذا تختار؟ فكانت الإجابة: قتل العبيد. وعندما سُئل عن السبب قال: لولا تخاذل العبيد، ما كان ليطغى أحد. ولهذا سوف تتغير هنا المفاهيم المنتشرة في كل مكان.

 

الفاسدون خرجوا منا... يظن الكثير اليوم أن ذلك الفاسد الذي أنهك البلد جاء من القمر، ولكن الحقيقة التي لا نريد الاعتراف بها هي أن الشعب هو المفسد والمجرم الحقيقي في هذا الموضوع. فداخل كل واحد منا فاسد صغير يخرج عندما تكون هناك أرضية خصبة لولادته. فعندما ينتشر الجهل ويغيب الوعي الإدراكي لدى الإنسان، يعود تلقائيًا إلى صفته الحيوانية، ويصبح قانون الغابة أساسًا في تعامله مع الآخرين. ولهذا يكون المجتمع هو المجرم الوحيد في قضية الفساد، من خلال تقبله لفكرة الفساد، وابتكاره طرق التأقلم معه، وجعله أساسًا في التعاملات اليومية. وعندها يكون الفاسد قد وجد الأسباب والذرائع للقيام بأعمال شاذة توصف بالفساد، ولهذا يكون المجتمع مصدر الفساد.

وهنا يجب الاستشهاد بقول خير من مشى على هذه الأرض، رسولنا الكريم محمد (ﷺ): «كما تكونوا يُولَّى عليكم»، فمن غير الطبيعي أن يترأس الصادقين كاذب، أو يكون على رأس الأمناء لص، أو يتزعم الصالحين فاسد، وبهذا يكون لدينا الدليل على أن المفسدين يخرجون من بيننا.

 

الحياء من الأخلاق... في الغالب، وما نعرفه أو نقرأه، أن الشعوب تتباهى بإنجازاتها العلمية والحضارية، ولكن أن تجد شعبًا يتباهى بالقضايا المخزية، فهذه لن تجدها إلا في هذا البلد. فقد وصل الحال بأحدنا إلى أنه لم يعد يملك ذرة من الحياء، وهذا ما قد تلمسه من خلال تصفحك لمواقع التواصل الاجتماعي. ولا يُقصد هنا قضية النشر بحد ذاتها، ولكن سوف تجد بعض التعليقات أكثر خزيًا وعارًا من المنشور الذي عُلِّق عليه، وهذا ما يعطي صورة سيئة عن مجتمعنا أمام أنظار العالم بأسره، حتى بات يُضرب بنا المثل، وهذه كارثة.

وهذا بسبب أننا فقدنا ركنًا من أركان الأخلاق التي كنا نتحلى بها. وبما أننا مجتمع إسلامي كما يدّعون، فهناك حديث لرسولنا الكريم مفاده: «إذا ابتليتم فاستتروا»، ولكن بات القول شيئًا، والفعل شيئًا آخر، فاليوم هناك الكثير منا من يتباهى بالسوء ويفعله على مرأى ومسمع من العامة، بسبب إسقاط مبدأ الحياء من حساباتنا البشرية.

 

موت الخصوصية والممارسات العفطية... جميعنا اليوم يضع ممارساته اليومية أمام العامة؛ خرج من المنزل صوّر، دخل مطعمًا قام بالتقاط صورة، حتى وصل الأمر ببعض النسوة إلى إقامة حفل لفشل حياتهن الزوجية، بما يعرف اليوم بـ حفلات الطلاق. ومن هنا نفهم أنه لم يعد هناك شيء يُعرف بالخصوصية.

والأكثر من هذا، تكالب الكثير على تبني القضايا اللاأخلاقية وقصص الفضائح، حتى وصل الأمر بوقاحة أحدهم إلى التخلي عن رجولته، ليدخل العالم الافتراضي بصفة امرأة، لغرض الإيقاع بالنسوة. وهذه، في مذهبي، قمة الخسة والعار التي قد يصل إليها الإنسان.

 

ولكن ما يشعرك بالقرف هو أننا لم نعد نمتلك اليوم أيًّا من القيم الأخلاقية التي تحفظ كرامة الإنسان وخصوصيته.

 

المضمون ... هناك حقيقة مُرّة لا يريد أحد أن يضعها أمام المرآة، وهي أن الفساد لا يعيش في المكاتب الحكومية وحدها، بل يعيش في العقول قبل أن يسكن الكراسي. فالسياسي الفاسد لم يولد في القصر الجمهوري، والموظف المرتشي لم يهبط من السماء، والتاجر المحتكر لم يأتِ من كوكب آخر، بل خرجوا جميعًا من الأحياء نفسها، وتربوا في البيوت نفسها، ودرسوا في المدارس نفسها، ثم حملوا معهم ما زرعناه فيهم من مفاهيم مشوهة تبرر الخطأ إذا كان فيه منفعة، وتصفق للمحتال إذا نجح، وتمنح اللص لقب الشاطر، وتجعل من صاحب المبادئ إنسانًا ساذجًا لا يعرف كيف يعيش.

إن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يسرق المال العام، بل ذلك الذي يسرق الضمير الجمعي للأمة، لأن سرقة الأموال يمكن تعويضها، أما سرقة القيم فلا تعوضها مئات السنين. وعندما يصبح الإنسان مستعدًا لأن يبيع صوته، أو ذمته، أو كرامته مقابل منفعة مؤقتة، فلا يحق له بعد ذلك أن يرفع إصبع الاتهام بوجه أحد. فالمجتمع الذي يتسامح مع الخطأ الصغير، هو نفسه الذي يصنع الجريمة الكبيرة، لأن كل كارثة عظيمة بدأت يومًا بخطيئة صغيرة وجد لها الناس ألف مبرر وألف عذر.

ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست مع الفاسدين وحدهم، بل مع الثقافة التي أنجبتهم، ومع البيئة التي احتضنتهم، ومع العقول التي ما زالت تبحث عن شماعة تعلق عليها فشلها، وهي ترفض الاعتراف بأنها كانت جزءًا من صناعة هذا الخراب. فالأوطان لا تنهار عندما يكثر فيها الفاسدون، وإنما تنهار عندما يصبح الفساد سلوكًا اعتياديًا لا يثير الخجل، وعندما يفقد الناس القدرة على الشعور بالعار وهم يشاهدون وطنهم يُباع قطعةً بعد أخرى، ثم يكتفون بالتصفيق أو الصمت.

 

الخلاصة ... اننا لم يعد من حقنا أن نبكي على وطنٍ أضعناه بأيدينا، ولا أن نلعن الفساد ونحن نمارسه بأشكال مختلفة كل يوم. لقد أصبحنا بارعين في صناعة الأعذار أكثر من براعتنا في صناعة الأوطان، حتى غدا النفط أغنى من الإنسان، وأصبحت الأرض تنام فوق بحارٍ من الثروات بينما يمشي أهلها فوق جبالٍ من الفشل. ليست المأساة أن يعيش شعبٌ في بلدٍ فقير، فذلك قد تصنعه الظروف، وإنما المأساة الحقيقية أن يعيش شعبٌ بعقلية الفقر وهو يقف فوق كنوز لا تُعد ولا تُحصى.

إن أخطر ما وصلنا إليه ليس انهيار الاقتصاد، ولا فساد السياسة، ولا عجز المؤسسات، بل انهيار الشعور بالخجل. فعندما يفقد المجتمع حياءه، يصبح كل قبيحٍ أمرًا اعتياديًا، وكل منكرٍ خبرًا عابرًا، وكل سقوطٍ مجرد تفصيلٍ يومي. عندها لا يكون الوطن قد خسر معركة، بل يكون قد خسر الإنسان نفسه.

ولهذا، لا تبحثوا طويلًا عن المذنب، فالحقيقة تقف أمام المرآة كل صباح. وإذا أردنا يومًا أن يتغير هذا البلد، فعلينا أولًا أن نتوقف عن خداع أنفسنا، لأن الأمم لا تنهض بالكذب على الواقع، ولا تُبنى بالشعارات، وإنما تبدأ نهضتها يوم تمتلك شجاعة الاعتراف بأن الخراب لا يسكن الجدران وحدها، بل قد يسكن العقول أيضًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

    ن حن شعوب لا نستحي تحت عنوان بلد نفطي وشعب عفطي بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين في هذه الأيام، ونحن نعيش تفاصيل أكبر كذبة...