بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 10 يونيو 2026

مقال

 

أفكار متاحة لمن يرغب بها

تحت عنوان

كيف تعيد بناء الدولة العراقية

                                               (الجزء الأول)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية يجب أن نتفق على أن جميع الحلول تكاد تكون معدومة بوجود النظام الحالي، وهذا بسبب أن هؤلاء المتواجدين على الساحة السياسية غير قادرين على إدارة منازلهم، فكيف الحال في إدارة بلد بأكمله؟ لأن التغيير يجب أن يُدار بعقلية الفكر لا بسلطة السلاح أو المال. ولهذا، ومن باب المسؤولية الأخلاقية تجاه الوطن، يجب علينا تقديم مجموعة أفكار تكون نواة لفكرة التغيير وإرجاع المسار السياسي وتقويمه بما يخدم المواطن الذي يُعدّ هو الغاية والوسيلة.

ولتكن البداية من:

 

إيقاف العمل بالدستور الحالي... وهذا بسبب أن هذا الدستور لم يُكتب بإرادة وطنية بحتة، إنما كُتب على عجل من قبل شخصيات تفتقر إلى الرؤى السياسية والوطنية، والعمل على تفعيل قانون الطوارئ الذي يتضمن بعض القرارات التي سوف ترد في هذه السطور، وهي التي سوف تساهم في تطوير الهيكلية العامة للدولة وإعدادها للتغيير.

إن أي عملية إصلاح حقيقية لا يمكن أن تنجح إذا كانت القواعد التي تتحكم بحركة الدولة نفسها تعاني من الخلل. فالدستور ليس مجرد أوراق تحفظ في الأرشيف، بل هو العقل الذي يفكر نيابة عن المؤسسات جميعها. وعندما يكون العقل مريضًا فلا تنتظر من الجسد إلا مزيدًا من العجز. ولهذا فإن إعادة النظر بالمرتكزات الدستورية تعد الخطوة الأولى في أي مشروع يراد له أن يؤسس لدولة قادرة على النهوض من جديد.

 

التأميم... ولا يُقصد هنا المفهوم النفطي القديم، ولكن المصطلح هنا سوف يشمل القطاعين الصحي والتعليمي، وهذا بسبب أن تلك المؤسسات لم تعد تعطي النتائج المطلوبة منها. ولهذا يجب التحرك نحوها بقوة من خلال بعض القرارات التي قد تلقى معارضة قوية من قبل أصحاب رؤوس الأموال المستفيدين من عملية الخصخصة في تلك المجالات.

إن الدولة التي تعجز عن إدارة صحة مواطنيها وتعليم أبنائها تكون قد تنازلت عن أهم أسباب وجودها. فالمستشفيات والمدارس ليست مشاريع استثمارية بقدر ما هي معامل لإنتاج الإنسان. وإذا خسرنا الإنسان فلن يبقى هناك ما يستحق البناء أصلًا. ولهذا فإن استعادة الدولة لدورها في هذين القطاعين تمثل استعادة لهيبتها ولقدرتها على صناعة المستقبل.

 

إبطال جميع القرارات السابقة... ويقصد بها جميع القرارات منذ عام (2003)، وتتضمن قرارات البيع والشراء مع دوائر الدولة، وإعادة النظر فيها وتعقب مصادر تلك القرارات التي تم اتخاذها.

إن مراجعة القرارات السابقة لا تعني الانتقام من الماضي بقدر ما تعني معرفة حجم الضرر الذي تراكم عبر السنوات. فالدول لا تبنى فوق أخطاء مجهولة المصدر، بل عبر كشف تلك الأخطاء ومحاسبة أسبابها. وكل قرار مشبوه يترك دون مراجعة يتحول مع الوقت إلى عرف يصعب اقتلاعه.

 

آليات التعليم والتربية... وهذه من أعقد المسائل التي قد يواجهها من يتبنى مسألة التغيير، وهذا بسبب أن الموضوع برمته متعلق بإعادة بناء أخلاقيات الذوق العام من خلال إيجاد مناهج تنمي معايير المواطنة. فاليوم بات هناك طمس ملموس لمصطلحات أساسية في بناء المجتمع، منها الوطن والعلم. وإذا ما أردت بناء بلد، يجب أن تضع في مناهجك الدراسية ثوابت ومتغيرات يؤمن بها الفرد لتنمية قضية المبدأ، وبهذا فقط تستطيع بناء مواطن يساهم في إعادة بناء هيكل الدولة.

لا توجد دولة قوية صنعت نهضتها من دون أن تبدأ من المدرسة. فالجيوش تحمي الحدود، أما المناهج فتحمي الهوية. وحين يضيع مفهوم الوطن في ذهن الطالب فإن كل المشاريع السياسية والاقتصادية تصبح بلا قيمة. ولهذا فإن بناء الإنسان يجب أن يسبق بناء الحجر، لأن الإنسان هو الذي يمنح الحجر معناه.

 

إصلاح القضاء والجيش... كثير من الأصوات اليوم تطالب بعدم إعادة بناء جيش نظامي حسب القواعد المتعارف عليها، وفي هذا خطأ كبير. فكيف تكون هناك دولة بلا حماية؟ ولكن كيف تكون قواعد بناء هذه المؤسسة العسكرية؟ هنا يكون التنظيم الجمعي البعيد عن المصطلحات المقيتة مثل القومية والطائفية، التي أخرجت المؤسسة من القضية التي وجدت من أجلها وأضعفتها أمام الكيانات التي تسعى لأن تكون بديلاً لها.

أما القضاء المسيّس اليوم، فقد بات يشكل عبئًا وثقلاً على مسألة التغيير، وأصبح بمثابة الحامي للنظام برمته. ولكن ما لا يعلمه الكثير ممن يعملون في السلك القضائي أن مهنتهم بمثابة تهلكة حقيقية للإنسان. ولو كنت مكانهم ما توليت القضاء في هذه الفترة ولو عُرضت عليّ الدنيا وما فيها. فالمسألة لا تنحصر في الاستحواذ على سلطة أو نفوذ، ولكن الأخطر من كل ذلك هو المسؤولية تجاه من هم على الأرض ومن في السماء. وإذا ما أردنا الإصلاح، فيجب أن يكون هناك ما يُعرف بتغيير عقلية القاضي في تبني معايير التعامل مع القضايا الوضعية المعاصرة، وهذا لا يتم عبر اجتثاث القضاة، بل بتغيير المنهجية والسلوك من خلال قرارات صارمة يخضع لها الجميع.

إن القضاء والجيش هما العمودان اللذان تستند إليهما الدولة. فإذا اختل أحدهما مالت الدولة، وإذا اختلا معًا سقطت بالكامل. ولهذا فإن إصلاحهما لا يمثل ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. فالقضاء يضمن العدالة، والجيش يضمن الاستقرار، وبين العدالة والاستقرار تولد هيبة الدولة.

 

إعادة بناء الفضاء السياسي... في العراق تحديدًا لا يوجد نهائيًا ما يُعرف بالفضاء السياسي، إنما هناك معيار قمعي، فالمال والسلاح قاعدتان رئيسيتان تُبنى عليهما القواعد السياسية. ولهذا، عندما تشرع في بناء أحزاب سياسية، يجب أن يكون المعيار الوطني أساسًا رئيسيًا في تلك الهياكل، على أسس التنافس في تقديم مشاريع تنموية حقيقية لدى تلك الأحزاب، وإبعاد جميع الأحزاب القديمة، الدينية منها والمدنية، وهذا بسبب أن تلك الكيانات لا تؤمن بقضية تجديد الفكر، فالكثير منها، إن لم يكن جميعها، يفتقد إلى الجهد الفكري في التعامل مع القضايا الخاصة بالعمل السياسي.

إن السياسة ليست صراعًا على المناصب كما يظن البعض، بل وسيلة لإدارة المصالح العامة. وعندما تتحول الأحزاب إلى أدوات للنفوذ فقط فإنها تتحول إلى عبء على المجتمع بدل أن تكون وسيلة لخدمته. ولهذا فإن إعادة بناء الحياة السياسية وفق أسس وطنية حقيقية تعد من أهم شروط الانتقال من دولة الأزمات إلى دولة المؤسسات.

 

قضايا المرأة... من أفكاري لهذه المسألة تفعيل قانون يكون للمرأة بموجبه دخل ثابت منذ ولادتها، لا يُسلب حقها فيه تحت أي مبرر يُذكر إلا في قضية الطلاق. وبهذا فقط تُجرد من هذا الحق حفاظًا على تماسك الأسرة. وهذا لأن المجتمع اليوم يتعامل مع الحياة وفق البعد المادي. والمرأة هي عمود الأسرة، بل عمود المجتمع لمن لا يعرف، فضمان حقها وفق معيار مدروس أعتبره فضيلة.

إن الحديث عن المرأة ليس حديثًا عن فئة اجتماعية محددة، بل عن نصف المجتمع وعن المربي الحقيقي للنصف الآخر. وكل مشروع يتجاهل المرأة إنما يتجاهل أساس البناء الاجتماعي برمته. ولهذا فإن ضمان حقوقها الاقتصادية والاجتماعية لا يعد من باب الرفاهية، بل من ضرورات الاستقرار المجتمعي.

 

تفعيل قانون الخدمة المدنية... وهو البديل لما يُعرف بقانون الخدمة العسكرية، ويشمل خدمة الجميع للبلد من خلال استقطاب مشاريع تنموية وخدمية وإنتاجية للرجال والنساء على حد سواء. وتتضمن هذه الخدمة في نهايتها منح مسكن للشباب العاملين فيها، مما يشجع على بناء هيكل أسري مستقر يخدم القضايا الاجتماعية. وإنشاء مشروع قانون الخدمة المدنية يعتبر ضرورة للمضي بالمجتمع للخروج من حالة الخمول الاجتماعي إلى حالة التهيئة النفسية لتقبل فكرة العمل المثمر لبناء مستقبل هذا البلد.

إن المجتمعات التي اعتادت الانتظار لا تستطيع صناعة المستقبل. ولهذا فإن إشراك الشباب في مشاريع الخدمة المدنية يجعلهم جزءًا من عملية البناء بدل أن يكونوا مجرد متفرجين عليها. كما أن ربط الخدمة بالإنتاج يخلق جيلًا يؤمن بأن الحقوق تأتي من خلال العطاء والعمل لا من خلال الاتكال على الدولة.

 

إبطال فكرة توزيع الثروات...ويُعد هذا المصطلح البوابة الكبرى للفساد في هذا البلد، ولا أعلم من أين جاءوا بهذه التسمية، وأي معايير يمكن أن تكون مقياسًا في توزيع الثروات التي هي ملك للجميع. فالحق العام خط أحمر عند من يريد المضي في بناء وطن. أما فكرة توزيع الثروات، فهي تنطلق من الانتهازية والسذاجة الفكرية في التعامل مع ما يمتلكه البلد من ثروات، والأجدر هو المضي في توظيفها بدلًا من فكرة التوزيع لخدمة العامة عبر المشاريع التنموية.

إن المجتمعات التي اعتادت الانتظار لا تستطيع صناعة المستقبل. ولهذا فإن إشراك الشباب في مشاريع الخدمة المدنية يجعلهم جزءًا من عملية البناء بدل أن يكونوا مجرد متفرجين عليها. كما أن ربط الخدمة بالإنتاج يخلق جيلًا يؤمن بأن الحقوق تأتي من خلال العطاء والعمل لا من خلال الاتكال على الدولة.

 

الخلاصة ... أما الذين ما زالوا يعتقدون أن هذا النظام قادر على إصلاح نفسه، فهم كمن ينتظر من الحريق أن يتحول إلى مطر، أو من الخراب أن ينجب عمرانًا. فبعد كل هذه السنوات لم يعد الحديث عن الأخطاء مقنعًا، لأن الخطأ الذي يتكرر لعقود يتحول إلى نهج، والفشل الذي يُعاد إنتاجه كل يوم يصبح مشروعًا قائمًا بذاته.

إن الدفاع عن الواقع الحالي لم يعد دفاعًا عن أشخاص أو أحزاب أو حكومات، بل أصبح دفاعًا عن الأزمات نفسها، وعن الفساد نفسه، وعن العجز نفسه الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بالخطب الرنانة، ولا تنهض بتبادل الاتهامات بين المتصارعين على السلطة، بل تنهض عندما يمتلك الناس الشجاعة للاعتراف بأن الطريق الذي يسيرون فيه يقودهم إلى الهاوية.

ولهذا أقولها بصراحة: إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس الفساد، ولا الفقر، ولا الانقسام، بل أولئك الذين ما زالوا يصرون على إقناع الناس بأن كل شيء على ما يرام. فهؤلاء لا يدافعون عن الدولة، بل يدافعون عن أسباب انهيارها. والتاريخ لا يرحم من خرب وطنًا، ولا يرحم من صفق للمخربين، ولا يرحم من رأى الخراب بعينيه ثم اختار أن يسميه إنجازًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  أفكار متاحة لمن يرغب بها تحت عنوان كيف تعيد بناء الدولة العراقية                                                 (الجزء الأول) بقلم ...