بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 5 يناير 2026

مقال

 محاسب بشخصية نائب ضابط

تحت عنوان

صور من الواقع

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



قيل في القدم (لكل زمان دولة ورجال)، وإذا ما صحّ هذا القول، فلكل زمان شخصيات تُعدّ من الجانب السيّئ في حياة كل إنسان، شخصيات لا تصنع الحدث بقدر ما تصنع الألم اليومي، وتُراكم الإحباط بصمتٍ بارد. وإذا ما عدنا قليلًا إلى الوراء، إبّان حكم النظام السابق وطابعه العسكري، برزت آنذاك شخصية ضمن صفوف الجيش، وهي شخصية نائب الضابط، ذو الصيت السيّئ بين الناس، لا لقوته بقدر ما كان لضعفه الداخلي، وضعف الإنسان حين يمتلك سلطةً أكبر من عقله وأخلاقه.

ذلك النائب، الذي لم يكن صاحب قرار، لكنه كان أداة تنفيذ قاسية، تشكّلت شخصيته على منطق القهر، وتغذّت على الخوف، فصار منّاعًا للخير، يعاني من عقدة السلطة، ويتصرّف في كثير من الأحيان وكأنه صاحب السلطة المطلقة. وإذا ما سألته يومًا: لماذا تفعل كل هذا؟ يجيبك بالإجابة الساذجة الجاهزة: (أني عبد مأمور)، وقد صدق في ذلك، إذ تحوّل في كثير من الأوقات إلى كلب سلطة، لا يرى في الإنسان إنسانًا، بل رقمًا أو أمراً أو ملفًا يُغلق.

ومرت السنوات، وسقط النظام، وتبدّلت الشعارات، واستُبدلت المفاهيم العسكرية بالمدنية كما يدّعون، لكن العقول – ويا للمفارقة – لم تتبدّل. فكان لا بدّ من وجود شخصية جديدة قديمة في آنٍ واحد، تُسهم في زيادة أعباء المواطن، عسكريًا كان أم مدنيًا، تنتهج ذات المنهجية التي سنّتها تلك الشخصية سابقًا؛ إذ ليس من المعقول، في منطق هذه الأنظمة المتعاقبة، أن تكون هناك سلطة بلا أدوات قمع، ولا مؤسسات بلا كلاب حراسة، وإن تغيّر الزيّ وتبدّل المسمّى.

وهنا يبرز دور المحاسب في حياتنا اليومية، لا بوصفه وظيفة مهنية، بل بوصفه سلطة صامتة تمارس القهر باسم القانون. والحق يُقال إن كثيرًا من هؤلاء يحملون العقلية نفسها لنائب الضابط القديم؛ عقلية التنفيذ الأعمى، وتلذّذ السيطرة من خلف مكتب، وادّعاء النزاهة بينما تُذبح العدالة على الورق. يتقمّص بعضهم شخصية المسؤول الأعلى، ويتحوّل من موظف إلى قاضٍ وجلّاد، عبر قرارات عمياء لا تراعي ظرفًا ولا جوعًا ولا مرضًا، وإذا ما واجهته بإنسانيتك، يختبئ خلف الجملة ذاتها: (عبد مأمور).

والغريب، بل المؤلم، أن هذه الدرجة الوظيفية تلعب اليوم في كثير من المؤسسات دورًا أخطر من دور السلاح؛ إذ يُقطع الرزق بلا صوت، وتُخنق العائلات بلا دم، ويُمارس العقاب الإداري وكأنه فضيلة. يتعاملون مع البشر بمنطق الجداول، ويختزلون الأرواح في أرقام، والبيوت في معاملات، والآلام في فقرات قانونية جافة، منزوعـة من أي بعد أخلاقي.

والأغرب أن يصل ببعضهم الأمر إلى الرغبة في أن يكون خصمًا أمام الله، لا عن جهلٍ مطلق، بل عن عنادٍ مغطّى بعباءة الحرص والأمانة. فيُعطّل المعاملات، ويُفتعل العائق، ويقف حجر عثرة في طريق الناس، ثم ينام قرير العين، معتقدًا أن الله شريكٌ في ظلمه لأنه يحمل ختم الدولة. وقد غاب عن أذهانهم قول الله تعالى:

{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}

صدق الله العظيم.

وهنا يصبح الظلم شكلًا من أشكال الشرك، حين يُرفع القانون إلى منزلة الإله، ويُختزل الضمير في توقيع. وليس في هذا الطرح دعوة إلى الخروج عن السلطة، لا سمح الله، بل هو دعوة لإعادة الإنسان إلى مركز الوظيفة. فالمحاسبة بلا أخلاق ليست أمانة، والقانون بلا رحمة ليس عدلًا، والطاعة العمياء ليست فضيلة.

ما لا يدركه الكثير من الجاهلين بثقل هذه المهنة، أن هناك محكمة لا تُؤجَّل جلساتها، ولا تُقبل فيها الأعذار، ولا تنفع عندها عبارة (عبد مأمور)، يومٌ لا تشفع فيه سلطة، ولا يُنقذك فيه قرار إداري. وهناك مقولة قرأتها يومًا، وأؤمن بها: (الإنسانية فوق القانون)، وبهذا المبدأ وحده يُحصّن الإنسان نفسه من الانحدار إلى مستوى الأداة.

الخلاصة… تكمن في كلمة: إلّا ما رحم ربّي. فليس الجميع سواء، ودليلي في ذلك محاسب يشهد الله أني لم أرَ في أمانته والتزامه وشجاعته مثيلًا، وهو الأستاذ خليل إبراهيم، الذي عمل محاسبًا في الأمانة العامة للمكتبة المركزية – جامعة الموصل. هذا الرجل لم يكن موظفًا فحسب، بل كان ضميرًا حيًّا، ونموذجًا يجب أن يُدرّس في كليات المحاسبة بوصفه استثناءً نقيًا في زمن التشوّه.

أما غيره، فذلك شأنه. وأنا لا أغضب من إساءة أحدهم، لأن فعله يفضحه، فالسيّئ يظلّ نموذجًا شاذًا لا يُحتذى به. لكن الكارثة أن يتحوّل هذا الشذوذ إلى قاعدة.

فإن لم تكن قادرًا على أن تكون إنسانًا، فلا تكن عبدًا يُقاد، مسلوب الإرادة، شريكًا في ظلم الآخرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال عن مشروع قناة الممر المائي (قناة الذهب الاسود)

  مشاريع التنمية المستدامة المستقبلية للعرب تحت عنوان ممر قناة الذهب الأسود المائية بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين تُعدّ بؤر...