بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

مقال

 

 مجلة زهرة البارون

تحت عنوان

عقدٌ من الثقافة في زمن العواصف

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



عشر سنوات ليست رقمًا عابرًا في عمر مجلة ثقافية مستقلة، بل هي شهادة صمود وذاكرة كتابة، ومرآة لمرحلة عصيبة مرّت بها مدينة، ووطن، ومثقفون آمنوا بأن الكلمة لا تُهزم مهما اشتد الظلام.

هكذا تدخل مجلة زهرة البارون الثقافية عامها العاشر منذ انطلاقتها الأولى عام 2017، حاملةً معها سيرة مكان، وحكاية فكرة، ووفاءً لأسماء صنعت هذا المسار بصمت وإخلاص.

ولم تكن فكرة إنشاء المجلة وليدة قرارٍ عابر، بل ثمرة حوار ثقافي عميق جمع البارون الأخير محمود صلاح الدين مع الأستاذ الدكتور الراحل أحمد ميسر السنجري، أستاذ التاريخ في جامعة الموصل. كان ذلك الحوار بمثابة شرارة أولى لمشروع ثقافي يؤمن بالاستقلال الفكري، ويضع الثقافة في مواجهة النسيان والتهميش.

لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي الأحلام؛ إذ وقعت مدينة الموصل تحت احتلال العصابات الظلامية، لتُجبَر الفكرة على الرحيل مؤقتًا، ويغادر صاحبها البلاد نحو مصر. هناك، وفي المنفى القسري، وُلد العدد الأول من زهرة البارون، متواضعًا في شكله، عميقًا في رمزيته؛ صفحتان فقط، حملتا السيرة الذاتية للبارون الأخير، وكأنهما إعلان وجود ثقافي في زمن الفقد.

ومع تحرير الموصل وعودة الحياة تدريجيًا، عادت المجلة إلى أحضان مدينتها، لتبدأ مرحلة جديدة أكثر اتساعًا ونضجًا. وكان من أوائل الداعمين لهذا المشروع الثقافي الرصين الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف، الذي مثّل حضوره دعمًا معنويًا وفكريًا مهمًا في البدايات، إلى جانب الدور الجوهري والمستمر الذي أدّاه الدكتور أحمد ميسر السنجري، والذي ظل اسمه حاضرًا في مسيرة المجلة كأحد أعمدتها المعنوية.

ومع توسّع المجلة، بدأت أبوابها الثقافية تتشكّل، وتستقطب أسماء لامعة في المشهد الثقافي.

في باب المقالات ... كان للأستاذ رافع السراج حضوره البارز، فيما لمع من بين كتّاب المجلة الأستاذ صباح فاضل علي، والكاتبة المتألقة نوال الجراح، وغيرهم ممن أسهموا في ترسيخ هوية فكرية رصينة للمجلة.

أما الأدب الساخر ... ذلك الفن الصعب الذي يلامس الوجع بابتسامة واعية، فقد كان للدكتور أحمد جارالله ياسين والدكتور حسام الطحان دورٌ واضح في منحه مكانته الخاصة داخل المجلة، ليكون متنفسًا نقديًا يعالج الواقع بلغة ذكية وعميقة.

وفي واحة الشعر ... تفتحت القصائد من العراق والعالم العربي وخارجه، حتى باتت هذه النافذة واحدة من أكثر أبواب المجلة ثراءً وتنوّعًا، إلى حدّ يصعب معه حصر الأسماء التي مرّت بها، لما ضمّته من تجارب شعرية عراقية وعربية وعالمية.

أما باب قصص ونصوص ... فقد شهد حضورًا فاعلًا للقاص الموصلي طلال حسن، إلى جانب الأستاذة مريم الشكيلية من سلطنة عُمان، ليشكّل هذا الباب مساحة سردية إنسانية تتجاوز الجغرافيا.

وفي عالم المرأة ... أدّت الأستاذة زهرة محمد من الجزائر دورًا محوريًا في إدارة هذا الباب، وأسهمت بجهدٍ كبير في التنظيم والإشراف، وكان لها حضور فاعل في المسيرة العامة للمجلة، إداريًا وثقافيًا.

وللفن حضوره الذي لا يُختصر ... إذ شكّل الكاريكاتير مساحة نقد بصري قادها الفنان ناصر إبراهيم، الرائد في هذا المجال، فيما قدّم الفنان عمر طلال حسن من خلال نافذته الفنية استعراضًا لأبرز أعماله، مضيفًا بعدًا جماليًا بصريًا للمجلة.

وفي التغطية الإخبارية ... برزت النافذة الثقافية التي قادها الصحفي نجيب الرمضاني، موفّرًا متابعة دقيقة وواعية للحراك الثقافي، ومؤكدًا أن المجلة ليست معزولة عن محيطها.

أما باب الحوارات ... فقد تنوّع بين أصوات وتجارب مختلفة، وأسهمت فيه الأستاذة صورية حمدوش، والأستاذة دينا صاحب، والشاعرة إنعام الحمداني، ليكون هذا الباب مساحة للإنصات والحوار وتبادل الرؤى.

وتأتي نافذة مسك الختام ... التي أدارها الصحفي والإعلامي قاسم الغراوي، لتكون خاتمة الأعداد وختامها مسكًا، بما قدّمه من موضوعات ثرية أضافت عمقًا نوعيًا للمجلة.

واليوم، بعد عشر سنوات من العمل المتواصل، تقف مجلة زهرة البارون بوصفها تجربة ثقافية مستقلة، وذاكرة كتابة، وشهادة على أن الثقافة قادرة على النجاة حتى في أقسى الظروف.

وإذ نحتفي بهذه المسيرة، نتقدّم بالشكر والتقدير لكل الأسماء التي ذُكرت، ولكل من لم تُسعفنا السطور بذكره، ممن كانوا جزءًا من هذا المشروع الثقافي ... تحية وفاء تُقدَّم باسم مؤسسة البارون للنشر الإلكتروني، وتحية لكل من آمن بأن الكلمة الحرة وطنٌ لا يُحتل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...