مشاريع التنمية المستدامة المستقبلية للعرب
تحت عنوان
ممر قناة الذهب الأسود المائية
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
تُعدّ بؤر الصراع في العالم، منذ عقود مضت، مرتبطةً
بالممرات المائية الحيوية. وكانت منطقة مضيق هرمز في الخليج العربي تمثل معضلةً
للاقتصاد العالمي، ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال.
وإذا ما عدنا إلى مفهوم مصطلح التنمية المستدامة، نجد
أنه بمثابة القاعدة التي تُبنى عليها الخطط الرامية إلى إدارة الموارد بمختلف
أصنافها. وهنا يبرز دور المفكر العربي في إيجاد آلية تنهي قضية ربط الاقتصاد
العربي بالممرات المائية التقليدية، رغم أن للعرب مساحات واسعة جدًا تُعدّ إطلالات
بحرية استراتيجية، وهو ما يمنحهم ميزة فريدة تؤهلهم للنهوض بأنفسهم بعيدًا عن
التأثيرات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة اليوم.
تفاصيل المشروع
نقطة البداية والنهاية ... تنطلق الفكرة من منطقة أبو
سمرة في قطر، ومنطقة سلوى على الجانب السعودي، وتمتد بخط مستقيم حتى تصل إلى منطقة
البطحاء في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يستمر المسار على جانبي الحدود
الإماراتية–السعودية حتى يبلغ مدينة السّمحة على الحدود السعودية، ثم يدخل أراضي
سلطنة عُمان، ويستمر بخط مستقيم حتى ينتهي عند منطقة خور غاوي المطلة على بحر
العرب والمحيط الهندي.
المكتسبات المستقبلية للمشروع
·
تحقيق استقلالية مالية لعدد من الدول بعيدًا عن الصراعات
غير المرتبطة مباشرةً بالعرب.
·
تهميش الدور الاحتكاري لكلٍّ من مضيق هرمز ومضيق باب
المندب.
·
بناء مدن اقتصادية جديدة على ضفاف الممر المائي المقترح.
·
إقامة شبكة طرق برية حديثة للنقل، تكون نهاياتها عند
حدود قناة السويس.
·
تأمين ممر آمن للناقلات النفطية لدول الخليج بعيدًا عن
التهديدات المحتملة.
الاستفادة الجماعية .... يتميّز هذا المشروع بإمكانية توزيع عوائده على العديد من
الدول الخليجية، بحسب موقعه الجغرافي الذي يمر بالأراضي المحايدة وغيرها، مما
سيفتح آفاقًا جديدة لسوق عربية مستقلة عن الهيمنة الإقليمية المحيطة.
توحيد القرار السياسي ... يوفّر هذا المشروع مساحة أوسع لدول الخليج في اتخاذ
قراراتها بعيدًا عن الضغوط الدولية التي تُمارس عليها، الأمر الذي يمنحها
استقلالية أكبر في ضبط أسعار النفط عالميًا، من خلال امتلاكها المستقل لهذا الممر
المائي الاصطناعي.
السيادة في العصر الحديث لم تعد تُقاس بالحدود البرية
فقط، بل بمدى التحكم في سلاسل الإمداد ومسارات التصدير. ومن هذا المنطلق، فإن
المشروع المقترح يشكل خطوة باتجاه امتلاك أدوات القرار الاقتصادي بصورة أكثر
استقلالًا.
فحين تمتلك الدول مسارًا مائيًا خاصًا بها، فإنها تقلل
من احتمالية تعطيل صادراتها نتيجة صراعات لا ترتبط بها مباشرة، وتتحول من طرف
ينتظر الاستقرار الدولي إلى طرف يصنع جزءًا من هذا الاستقرار.
إقامة مدن اقتصادية ... يعتمد العالم اليوم بشكل شبه كامل على المعاملات
الاقتصادية والمالية، وإدارة الأسواق، وتوفير ما يلزم لاستدامة تلك الإدارة. ومن
هنا يكون إنشاء هذا الممر المائي بمثابة حجر الأساس لمدن اقتصادية تزدهر بمواردها
الذاتية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التكامل التنموي العربي.
إن إنشاء هذا الممر لا يُعدّ مجرد معالجة لعنق زجاجة
جغرافي، بل يمثل انتقالًا من مرحلة ردّ الفعل إلى مرحلة صناعة الفعل. فبدل أن تبقى
المنطقة في موقع المتأثر بالتوترات الدولية، تنتقل إلى موقع إعادة رسم خريطة
التأثير. وهنا يتحول النفط من مادة خام خاضعة للمسارات التقليدية إلى عنصر قوة
تُعاد هندسة مساراته بإرادة عربية.
إن إعادة توجيه حركة الطاقة عبر ممر اصطناعي جديد يعني
عمليًا إعادة توزيع مراكز الثقل داخل الإقليم، وهو ما يمنح الدول المعنية قدرة على
صياغة شروطها الاقتصادية بدل الاكتفاء بالتكيّف مع شروط الآخرين.
البعد التنموي الداخلي ... الممر المائي لن يكون مجرد قناة لعبور الناقلات، بل
شريانًا تنمويًا يعيد توزيع النشاط الاقتصادي داخل الجغرافيا الخليجية. فكل نقطة
عبور ستتحول إلى فرصة استثمار، وكل تقاطع بري–بحري سيخلق بيئة اقتصادية جديدة.
وبذلك يصبح المشروع أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد المحلي،
عبر توسيع قاعدة الأنشطة المرتبطة بالطاقة، وتحفيز الصناعات والخدمات التي تنشأ
بطبيعتها حول الممرات الحيوية.
التحول من اقتصاد عبور إلى اقتصاد تمركز ... الاقتصاد العربي، وخصوصًا الخليجي، ظلّ لعقود مرتبطًا
بوظيفة التصدير عبر مسارات محددة. أما في ظل هذا المشروع، فإن الفكرة تنتقل من
مجرد عبور النفط إلى بناء مراكز تمركز اقتصادي حوله. أي أن القيمة لا تتوقف عند
لحظة الشحن، بل تمتد إلى ما قبلها وما بعدها.
وهنا تتجلى فكرة التنمية المستدامة بمعناها الحقيقي:
استثمار الجغرافيا لا بوصفها قدرًا مفروضًا، بل باعتبارها مشروعًا قابلًا لإعادة
التشكيل.
إعادة صياغة التوازن الإقليمي ... إن وجود ممر بديل سيخلق معادلة توازن جديدة في المنطقة،
دون الدخول في صدام مباشر مع أي طرف. فالمشروع لا يستهدف إلغاء دور الممرات
القائمة، بل يضيف خيارًا استراتيجيًا جديدًا يقلل من الاحتكار ويعزز التعدد في
مسارات الطاقة.
وهذا التعدد بحد ذاته عنصر استقرار، لأنه يخفف من حساسية
أي نقطة اختناق، ويجعل المنظومة أكثر مرونة أمام الأزمات.
الخلاصة ... إن مشروع ممر «قناة الذهب الأسود» ليس مجرد
تصور هندسي قد يُضاف إلى رفوف الدراسات، بل هو انعكاس لحاجة عربية ملحّة إلى كسر
الحلقة المغلقة التي ربطت مواردنا بممرات محدودة، وجعلت اقتصادنا عرضةً لارتدادات
الصراع الدولي. فالمحاور التي انطلق منها هذا الطرح — الأمن الطاقوي، إعادة تعريف
السيادة الاقتصادية، بناء مدن اقتصادية جديدة، وتوسيع قاعدة التكامل الخليجي —
ليست عناوين نظرية، بل ضرورات تفرضها طبيعة المرحلة.
إن المفكر العربي لا يتحرك بدافع الترف الذهني، بل بدافع
إدراكه أن الجغرافيا إن لم تُستثمر بإرادةٍ واعية، تحولت إلى عبءٍ سياسي. وأن
الثروة إن لم تُحط بمسارات آمنة ومستقلة، بقيت رهينة قرارات تُتخذ خارج حدودها.
ومن هنا تنبع الحاجة إلى ابتكار حلول عربية خالصة، تعيد صياغة العلاقة بين المورد
والسيادة، وبين التنمية والاستقلال.
فالقضية ليست قناة مائية فحسب، بل عقلية جديدة في إدارة
الممكن. وليست مجرد تجاوز لمضيقٍ هنا أو هناك، بل انتقال من موقع التأثر إلى موقع
التأثير. وعندما يمتلك العرب شجاعة التفكير في مشاريع بهذا الحجم، فإنهم لا يعيدون
رسم خطوط على الخريطة فقط، بل يعيدون رسم موقعهم في معادلة العالم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق