بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

مقال

 

 مجلة زهرة البارون

تحت عنوان

عقدٌ من الثقافة في زمن العواصف

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



عشر سنوات ليست رقمًا عابرًا في عمر مجلة ثقافية مستقلة، بل هي شهادة صمود وذاكرة كتابة، ومرآة لمرحلة عصيبة مرّت بها مدينة، ووطن، ومثقفون آمنوا بأن الكلمة لا تُهزم مهما اشتد الظلام.

هكذا تدخل مجلة زهرة البارون الثقافية عامها العاشر منذ انطلاقتها الأولى عام 2017، حاملةً معها سيرة مكان، وحكاية فكرة، ووفاءً لأسماء صنعت هذا المسار بصمت وإخلاص.

ولم تكن فكرة إنشاء المجلة وليدة قرارٍ عابر، بل ثمرة حوار ثقافي عميق جمع البارون الأخير محمود صلاح الدين مع الأستاذ الدكتور الراحل أحمد ميسر السنجري، أستاذ التاريخ في جامعة الموصل. كان ذلك الحوار بمثابة شرارة أولى لمشروع ثقافي يؤمن بالاستقلال الفكري، ويضع الثقافة في مواجهة النسيان والتهميش.

لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي الأحلام؛ إذ وقعت مدينة الموصل تحت احتلال العصابات الظلامية، لتُجبَر الفكرة على الرحيل مؤقتًا، ويغادر صاحبها البلاد نحو مصر. هناك، وفي المنفى القسري، وُلد العدد الأول من زهرة البارون، متواضعًا في شكله، عميقًا في رمزيته؛ صفحتان فقط، حملتا السيرة الذاتية للبارون الأخير، وكأنهما إعلان وجود ثقافي في زمن الفقد.

ومع تحرير الموصل وعودة الحياة تدريجيًا، عادت المجلة إلى أحضان مدينتها، لتبدأ مرحلة جديدة أكثر اتساعًا ونضجًا. وكان من أوائل الداعمين لهذا المشروع الثقافي الرصين الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف، الذي مثّل حضوره دعمًا معنويًا وفكريًا مهمًا في البدايات، إلى جانب الدور الجوهري والمستمر الذي أدّاه الدكتور أحمد ميسر السنجري، والذي ظل اسمه حاضرًا في مسيرة المجلة كأحد أعمدتها المعنوية.

ومع توسّع المجلة، بدأت أبوابها الثقافية تتشكّل، وتستقطب أسماء لامعة في المشهد الثقافي.

في باب المقالات ... كان للأستاذ رافع السراج حضوره البارز، فيما لمع من بين كتّاب المجلة الأستاذ صباح فاضل علي، والكاتبة المتألقة نوال الجراح، وغيرهم ممن أسهموا في ترسيخ هوية فكرية رصينة للمجلة.

أما الأدب الساخر ... ذلك الفن الصعب الذي يلامس الوجع بابتسامة واعية، فقد كان للدكتور أحمد جارالله ياسين والدكتور حسام الطحان دورٌ واضح في منحه مكانته الخاصة داخل المجلة، ليكون متنفسًا نقديًا يعالج الواقع بلغة ذكية وعميقة.

وفي واحة الشعر ... تفتحت القصائد من العراق والعالم العربي وخارجه، حتى باتت هذه النافذة واحدة من أكثر أبواب المجلة ثراءً وتنوّعًا، إلى حدّ يصعب معه حصر الأسماء التي مرّت بها، لما ضمّته من تجارب شعرية عراقية وعربية وعالمية.

أما باب قصص ونصوص ... فقد شهد حضورًا فاعلًا للقاص الموصلي طلال حسن، إلى جانب الأستاذة مريم الشكيلية من سلطنة عُمان، ليشكّل هذا الباب مساحة سردية إنسانية تتجاوز الجغرافيا.

وفي عالم المرأة ... أدّت الأستاذة زهرة محمد من الجزائر دورًا محوريًا في إدارة هذا الباب، وأسهمت بجهدٍ كبير في التنظيم والإشراف، وكان لها حضور فاعل في المسيرة العامة للمجلة، إداريًا وثقافيًا.

وللفن حضوره الذي لا يُختصر ... إذ شكّل الكاريكاتير مساحة نقد بصري قادها الفنان ناصر إبراهيم، الرائد في هذا المجال، فيما قدّم الفنان عمر طلال حسن من خلال نافذته الفنية استعراضًا لأبرز أعماله، مضيفًا بعدًا جماليًا بصريًا للمجلة.

وفي التغطية الإخبارية ... برزت النافذة الثقافية التي قادها الصحفي نجيب الرمضاني، موفّرًا متابعة دقيقة وواعية للحراك الثقافي، ومؤكدًا أن المجلة ليست معزولة عن محيطها.

أما باب الحوارات ... فقد تنوّع بين أصوات وتجارب مختلفة، وأسهمت فيه الأستاذة صورية حمدوش، والأستاذة دينا صاحب، والشاعرة إنعام الحمداني، ليكون هذا الباب مساحة للإنصات والحوار وتبادل الرؤى.

وتأتي نافذة مسك الختام ... التي أدارها الصحفي والإعلامي قاسم الغراوي، لتكون خاتمة الأعداد وختامها مسكًا، بما قدّمه من موضوعات ثرية أضافت عمقًا نوعيًا للمجلة.

واليوم، بعد عشر سنوات من العمل المتواصل، تقف مجلة زهرة البارون بوصفها تجربة ثقافية مستقلة، وذاكرة كتابة، وشهادة على أن الثقافة قادرة على النجاة حتى في أقسى الظروف.

وإذ نحتفي بهذه المسيرة، نتقدّم بالشكر والتقدير لكل الأسماء التي ذُكرت، ولكل من لم تُسعفنا السطور بذكره، ممن كانوا جزءًا من هذا المشروع الثقافي ... تحية وفاء تُقدَّم باسم مؤسسة البارون للنشر الإلكتروني، وتحية لكل من آمن بأن الكلمة الحرة وطنٌ لا يُحتل.

الاثنين، 22 ديسمبر 2025

مقال

 شخصية أفريج الأقرع

تحت عنوان

بسمار أمبشم

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



هي إحدى الشخصيات التي ورد ذكرها في التراث العراقي، وتمتاز بالجبن، ومن أهم صفاتها عدم المواجهة؛ فمن بعيد يُشبع الناس شتائم وسبًّا، وإذا ما تم الإمساك به يبدأ بالاستنذال والتوسل. ومن هنا نعرف ما هي أهم تلك النوازع لهذا الرجل، إذا ما كان يُحسب على الرجال من الأصل.

زمام... وهو مصطلح يُستخدم عند العامة للرجل الذي يُكثر التباهي بما لا يملك، أو يقوم بالاستعراض أمام شخص يعرفه، وكثيرًا ما نرى ونسمع عنهم في يومنا هذا.

 

واي واي طلع أبويا ما يگدر بس على أمي... هو أحد الأمثلة الشعبية المتداولة في التراث الموصلي، فقد أدركت اليوم الرابط الحقيقي بين هذه الشخصية، والمقصود هنا أفريج الأقرع، وحكاية هذا المثل. فالقصة تبدأ بأن كان له ولد، وقد اعتاد هذا الولد على رؤية والده يتشاجر في المنزل ويمارس الضرب ضد أمه، وكأنه عنتر زمانه. وهنا كان السؤال في ذهن الفتى عن قوة وقدرة أبيه في الحياة، فقرر أن يرى أباه خارج المنزل والتفاخر به. وبعد تتبعه، رصد والده يدخل أحد المقاهي، حيث جلس مع جمع من الأصدقاء، وما لبث قليلًا حتى رأى أن هناك كمًّا من الإهانات التي تُوجَّه له مقابل صمتٍ أو رضا منه، من باب التخاذل والجبن. عندها قال: (واي واي طلع أبويا ما يگدر بس على أمي).

 

الفرق بين الشجاع والجبان... وفي هذا اختلفت أقوال جموع المفكرين والكتّاب؛ فالشجاعة عند البعض هي القدرة على اتخاذ القرار الصائب في الوقت الصحيح، ولكن الطرف الآخر هو الذي يقوم باتخاذ القرار بعد خراب مالطا، كما يقال عند العامة. وهذا بالضبط ينطبق على شخصيتنا التي نحن بصدد الحديث عنها، وفي هذا دلالة نُميز بها الجبناء في مجتمعنا.

 

أيديولوجيات عفطية... وهي التي تمتاز برؤى قصيرة البعد تحت شعار: طعمني اليوم وغدًا الله كريم، وهذا بالضبط ما ينطبق على كل من لا يملك تخطيطًا للمستقبل. فهؤلاء بالغالب ما يمثلون نقمة على مجتمعاتهم بسبب فقدان القدرة على امتلاك فكر يؤهلهم لقيادة عائلة أو مجتمع. ولهذا ترى أنهم في المناصب القيادية فاشلون، ومنقادون لشخص آخر، فهم الذين لا يستطيعون إلا وهناك من يُملي عليهم ما يفعلون، وهذه صورة من الصور التي نرسمها لأفريج الأقرع.

 

الصون الأخضر... وهي التسمية عند العوام لبول الحمار، والغريب أن هذا المصطلح يعبر أيضًا عن ميزات الشخصية التي نتحدث عنها. فهناك مثل شعبي مفاده:

(ما قلنا لك يا بيك اعقل، بعد الشاي راح تشرب صون أخضر).

وفي هذا دلالة على نتائج أيديولوجيات هذا الرجل، التي في الغالب ما تكون كارثية عليه وعلى من حوله، ومن هنا نفهم أنه ينتمي لمصطلح الحماقة قلبًا وقالبًا.

 

الخلاصة... هناك عملية إسقاط على شخصيات وأحداث عشناها ونعيشها كل يوم، ولهذا يجب علينا انتهاج مناهج عقلانية بعيدة عمّا يفكر به هذا الرجل. فاليوم نحتاج لمن يكون لنا دافعًا لبناء متناغم ما بين الشعارات التي نرفعها وأفعالنا التي تعبر عن صورتنا أمام الناس. فمن المعيب على أيٍّ منا أن يُوصَف باللص والكاذب والقاتل ويلتزم الصمت، أي (يغلّس)، وهذا بسبب ضعف حجته، لأنه بالأصل ينتمي إلى نوعية من البشر فاقدة للإحساس والشعور.

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

مقال

 

جملة مواضيع خطيرة في عمل سينمائي

تحت عنوان

قراءة لما وراء المضمون من فيلم (Dune)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين


إنَّ أسوأ أنواع السموم هي تلك التي تُمرَّر من نافذة المتعة، وهذا ما دفعني للكتابة عن هذا العمل السينمائي، لما يحمله من قضايا دسٍّ وتضليل فكري خطيرة.

فللوهلة الأولى، قد يظن المشاهد أن Dune ينتمي إلى الخيال العلمي من نمط “أوبرا الفضاء”، وأنه عمل ترفيهي بحت مكوَّن من جزأين، لكن ما يكمن خلف تلك المشاهد الباذخة يثير القلق والرعب؛ إذ تُطرَح أفكار عميقة ومقلقة، بصورة مباشرة وغير مباشرة.

ولكي تكتمل الصورة، لا بد من التعريف بالعمل:

الفيلم من إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2021، مقتبس عن رواية الكاتب فرانك هربرت، ومن إنتاج وإخراج دينيس فيلنوف. وفي ظاهره، يقدّم العمل صراعًا سياسيًا على السلطة، غير أن هذا الصراع يخفي خلفه طبقات رمزية ودينية وفكرية بالغة الخطورة.

 

الديانة الإبراهيمية ... جمع العمل بين عدد من الأديان السماوية من خلال الترميز والإشارات والتلميح، وهو ما يكشف بوضوح الغاية من مخاطبة العقل الباطن للمشاهد، وتهيئته لتقبّل فكرة الأمر الواقع الذي يُراد فرضه على الجميع في المستقبل القريب.

ولا يقف النص عند هذا الحد، بل يقدّم سلسلة من التفاصيل التي تصب في الاتجاه ذاته.

 

فكرة المهدي المنتظر ... يركّز العمل على فكرة أن القدسية لا تأتي من النَسَب والدم، وأن المعجزات والقدرات الخارقة ليست سوى صنيعة الحاجة والظرف.

وقد أُطلقت على هذه الشخصية تسميات متعددة، مثل: لسان الغيب، المخلّص، والمسيح المنتظر، في محاولة واضحة لخلق نموذج جامع يتجاوز الأديان التقليدية.

 

الرموز المستخدمة ... لم يتوقف صُنّاع العمل عند هذا الحد، بل نقلوا الحدث لخدمة فكرة توحيد الفكر الديني للأديان السماوية، من خلال دمج الرموز وصناعة خليط ديني قابل للتقبّل، والخروج عن المسار الإلهي التقليدي، تمهيدًا لصناعة فكر جديد تُوحَّد من خلاله الرؤى والعقائد، بانتظار القادم من الغيب.

 

الرموز اليهودية ... يبرز في العمل ما يُعرف بـ النص المؤجَّل، في إشارة إلى اعتماد اليهود على نصوص مستقبلية، بما يعزّز فكرة أن الخلاص غير مرتبط بزمن محدد.

كما يشير الفيلم إلى أن السلطة الحقيقية تكمن في الصبر الطويل، وأن هذا الصبر هو ما سيبني السلطة ويعيد إنتاج فكرة الإرث العظيم، وهي فكرة يهودية خالصة في جوهرها.

 

الرموز الإسلامية ... في المقابل، استُخدم مبدأ التعبئة والتحريض، ولا سيما مفهوم الجهاد بوصفه وسيلة لتحقيق النصر.

وقد برع العمل في تقديم هذه الفكرة بصورة مؤثرة، تجعلها قابلة للتوظيف الجماهيري ضمن السياق السردي للفيلم.

 

الرموز المسيحية ... تجلّت شخصية المخلّص بشكل واضح، بوصفها رمزًا أو تلميحًا للديانة التي يُراد لها أن تكون نقطة التقاء الأطراف المتناحرة، من خلال التركيز المستمر على هذه الشخصية في مجريات الأحداث.

 

الأبعاد الرمزية .... على مستوى الهوية، يربط العمل بين: فكرة الأمة العقائدية في الإسلام وفكرة الشعب السلالي في اليهودية ليصل إلى نتيجة مفادها أن:

الدم وقدسيته يوازي الإيمان في السياق الإسلامي داخل العمل وأن الثورة تصنع الإمبراطورية عند المسلمين بينما يُقدَّم الانتظار بوصفه سبيل الهيمنة في الفكر اليهودي

 

الدين بوصفه أداة سلطة لا منظومة قيم ... ما يثير القلق الحقيقي في فيلم Dune ليس وفرة الرموز الدينية بحد ذاتها، بل الطريقة التي يُعاد من خلالها تفريغ الدين من مضمونه الأخلاقي، وتحويله إلى أداة طيّعة بيد السلطة.

فالعمل لا يتعامل مع الدين كمنظومة قيمية تُهذّب السلوك الإنساني، بل كـ خطاب تعبوي قابل لإعادة التشكيل وفق مقتضيات الصراع السياسي.

إن أخطر ما يطرحه الفيلم هو الإيحاء بأن الإيمان، حين يُفصل عن الأخلاق، يمكن إعادة برمجته ليخدم مشاريع الهيمنة، وأن النبوءة ليست بالضرورة وحيًا إلهيًا، بل قد تكون مشروعًا طويل الأمد لإدارة الجماهير.

وهنا يتحوّل “المخلّص” من رمز للنجاة إلى أداة لإنتاج العنف المقدّس، وتصبح الجماهير وقودًا لحروب تُدار باسم السماء بينما تُحسم على الأرض.

كما يوحي العمل بأن توحيد الأديان لا يتم عبر القيم المشتركة، بل عبر تفريغها من خصوصيتها، وصهرها في خطاب واحد يُسهِّل السيطرة على الوعي الجمعي. وبهذا المعنى، لا يُبشّر الفيلم بعالم متصالح، بل يُنذر بعالم تُدار فيه العقائد كما تُدار الإمبراطوريات.

إن الرسالة الأخطر التي يمرّرها Dune هي أن الإنسان، حين يُسلِّم عقله بالكامل لفكرة الخلاص المؤجَّل أو القائد الموعود، يتنازل طوعًا عن حريته، ويمنح الشرعية لولادة طغيان جديد، أكثر قسوة لأنه مغطّى بقداسة زائفة.

 

الخلاصة ... في المحصّلة، لا يمكن التعامل مع فيلم Dune بوصفه عملًا سينمائيًا عابرًا أو خيالًا مستقبليًا بريئًا؛ فهو نصّ بصري محمَّل بدلالات فكرية ودينية وسياسية، يُعيد إنتاج الأسطورة القديمة بصيغة حديثة، ويضع الإنسان أمام أخطر معادلة عرفها التاريخ: الدين حين يتحالف مع السلطة.

إن خطورة هذا العمل لا تكمن فيما يقوله صراحة، بل فيما يزرعه بهدوء داخل وعي المتلقي؛ حيث تتحوّل النبوءة إلى مشروع، والإيمان إلى أداة، والمخلّص إلى ضرورة تاريخية لا يجوز الاعتراض عليها. وبهذا، لا يعود السؤال: من هو المنقذ؟ بل: من المستفيد من فكرة الخلاص؟

يُقدّم Dune نموذجًا لعالم تُدار فيه العقائد كما تُدار الإمبراطوريات، ويُعاد فيه تشكيل الوعي الجمعي عبر المتعة البصرية والرمز الديني، ليصبح القبول بالطغيان فعلًا طوعيًا، لا نتيجة قسر مباشر.

ومن هنا، فإن أخطر ما يطرحه الفيلم هو تطبيع فكرة أن الاستبداد قد يأتي مغطّى بالإيمان، وأن الهيمنة قد تُمارَس باسم الخلاص.

إن قراءة هذا العمل بوعي نقدي ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة فكرية؛ لأن التاريخ علّمنا أن أكثر المشاريع دموية هي تلك التي بدأت بوعدٍ مقدّس.فيلم (Dune)

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين

إنَّ أسوأ أنواع السموم هي تلك التي تُمرَّر من نافذة المتعة، وهذا ما دفعني للكتابة عن هذا العمل السينمائي، لما يحمله من قضايا دسٍّ وتضليل فكري خطيرة.

فللوهلة الأولى، قد يظن المشاهد أن Dune ينتمي إلى الخيال العلمي من نمط “أوبرا الفضاء”، وأنه عمل ترفيهي بحت مكوَّن من جزأين، لكن ما يكمن خلف تلك المشاهد الباذخة يثير القلق والرعب؛ إذ تُطرَح أفكار عميقة ومقلقة، بصورة مباشرة وغير مباشرة.

ولكي تكتمل الصورة، لا بد من التعريف بالعمل:

الفيلم من إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2021، مقتبس عن رواية الكاتب فرانك هربرت، ومن إنتاج وإخراج دينيس فيلنوف. وفي ظاهره، يقدّم العمل صراعًا سياسيًا على السلطة، غير أن هذا الصراع يخفي خلفه طبقات رمزية ودينية وفكرية بالغة الخطورة.

 

الديانة الإبراهيمية ... جمع العمل بين عدد من الأديان السماوية من خلال الترميز والإشارات والتلميح، وهو ما يكشف بوضوح الغاية من مخاطبة العقل الباطن للمشاهد، وتهيئته لتقبّل فكرة الأمر الواقع الذي يُراد فرضه على الجميع في المستقبل القريب.

ولا يقف النص عند هذا الحد، بل يقدّم سلسلة من التفاصيل التي تصب في الاتجاه ذاته.

 

فكرة المهدي المنتظر ... يركّز العمل على فكرة أن القدسية لا تأتي من النَسَب والدم، وأن المعجزات والقدرات الخارقة ليست سوى صنيعة الحاجة والظرف.

وقد أُطلقت على هذه الشخصية تسميات متعددة، مثل: لسان الغيب، المخلّص، والمسيح المنتظر، في محاولة واضحة لخلق نموذج جامع يتجاوز الأديان التقليدية.

 

الرموز المستخدمة ... لم يتوقف صُنّاع العمل عند هذا الحد، بل نقلوا الحدث لخدمة فكرة توحيد الفكر الديني للأديان السماوية، من خلال دمج الرموز وصناعة خليط ديني قابل للتقبّل، والخروج عن المسار الإلهي التقليدي، تمهيدًا لصناعة فكر جديد تُوحَّد من خلاله الرؤى والعقائد، بانتظار القادم من الغيب.

 

الرموز اليهودية ... يبرز في العمل ما يُعرف بـ النص المؤجَّل، في إشارة إلى اعتماد اليهود على نصوص مستقبلية، بما يعزّز فكرة أن الخلاص غير مرتبط بزمن محدد.

كما يشير الفيلم إلى أن السلطة الحقيقية تكمن في الصبر الطويل، وأن هذا الصبر هو ما سيبني السلطة ويعيد إنتاج فكرة الإرث العظيم، وهي فكرة يهودية خالصة في جوهرها.

 

الرموز الإسلامية ... في المقابل، استُخدم مبدأ التعبئة والتحريض، ولا سيما مفهوم الجهاد بوصفه وسيلة لتحقيق النصر.

وقد برع العمل في تقديم هذه الفكرة بصورة مؤثرة، تجعلها قابلة للتوظيف الجماهيري ضمن السياق السردي للفيلم.

 

الرموز المسيحية ... تجلّت شخصية المخلّص بشكل واضح، بوصفها رمزًا أو تلميحًا للديانة التي يُراد لها أن تكون نقطة التقاء الأطراف المتناحرة، من خلال التركيز المستمر على هذه الشخصية في مجريات الأحداث.

 

الأبعاد الرمزية .... على مستوى الهوية، يربط العمل بين: فكرة الأمة العقائدية في الإسلام وفكرة الشعب السلالي في اليهودية ليصل إلى نتيجة مفادها أن:

الدم وقدسيته يوازي الإيمان في السياق الإسلامي داخل العمل وأن الثورة تصنع الإمبراطورية عند المسلمين بينما يُقدَّم الانتظار بوصفه سبيل الهيمنة في الفكر اليهودي

 

الدين بوصفه أداة سلطة لا منظومة قيم ... ما يثير القلق الحقيقي في فيلم Dune ليس وفرة الرموز الدينية بحد ذاتها، بل الطريقة التي يُعاد من خلالها تفريغ الدين من مضمونه الأخلاقي، وتحويله إلى أداة طيّعة بيد السلطة.

فالعمل لا يتعامل مع الدين كمنظومة قيمية تُهذّب السلوك الإنساني، بل كـ خطاب تعبوي قابل لإعادة التشكيل وفق مقتضيات الصراع السياسي.

إن أخطر ما يطرحه الفيلم هو الإيحاء بأن الإيمان، حين يُفصل عن الأخلاق، يمكن إعادة برمجته ليخدم مشاريع الهيمنة، وأن النبوءة ليست بالضرورة وحيًا إلهيًا، بل قد تكون مشروعًا طويل الأمد لإدارة الجماهير.

وهنا يتحوّل “المخلّص” من رمز للنجاة إلى أداة لإنتاج العنف المقدّس، وتصبح الجماهير وقودًا لحروب تُدار باسم السماء بينما تُحسم على الأرض.

كما يوحي العمل بأن توحيد الأديان لا يتم عبر القيم المشتركة، بل عبر تفريغها من خصوصيتها، وصهرها في خطاب واحد يُسهِّل السيطرة على الوعي الجمعي. وبهذا المعنى، لا يُبشّر الفيلم بعالم متصالح، بل يُنذر بعالم تُدار فيه العقائد كما تُدار الإمبراطوريات.

إن الرسالة الأخطر التي يمرّرها Dune هي أن الإنسان، حين يُسلِّم عقله بالكامل لفكرة الخلاص المؤجَّل أو القائد الموعود، يتنازل طوعًا عن حريته، ويمنح الشرعية لولادة طغيان جديد، أكثر قسوة لأنه مغطّى بقداسة زائفة.

 

الخلاصة ... في المحصّلة، لا يمكن التعامل مع فيلم Dune بوصفه عملًا سينمائيًا عابرًا أو خيالًا مستقبليًا بريئًا؛ فهو نصّ بصري محمَّل بدلالات فكرية ودينية وسياسية، يُعيد إنتاج الأسطورة القديمة بصيغة حديثة، ويضع الإنسان أمام أخطر معادلة عرفها التاريخ: الدين حين يتحالف مع السلطة.

إن خطورة هذا العمل لا تكمن فيما يقوله صراحة، بل فيما يزرعه بهدوء داخل وعي المتلقي؛ حيث تتحوّل النبوءة إلى مشروع، والإيمان إلى أداة، والمخلّص إلى ضرورة تاريخية لا يجوز الاعتراض عليها. وبهذا، لا يعود السؤال: من هو المنقذ؟ بل: من المستفيد من فكرة الخلاص؟

يُقدّم Dune نموذجًا لعالم تُدار فيه العقائد كما تُدار الإمبراطوريات، ويُعاد فيه تشكيل الوعي الجمعي عبر المتعة البصرية والرمز الديني، ليصبح القبول بالطغيان فعلًا طوعيًا، لا نتيجة قسر مباشر.

ومن هنا، فإن أخطر ما يطرحه الفيلم هو تطبيع فكرة أن الاستبداد قد يأتي مغطّى بالإيمان، وأن الهيمنة قد تُمارَس باسم الخلاص.

إن قراءة هذا العمل بوعي نقدي ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة فكرية؛ لأن التاريخ علّمنا أن أكثر المشاريع دموية هي تلك التي بدأت بوعدٍ مقدّس. فيلم (Dune)


الخميس، 4 ديسمبر 2025

مقال

 

البطاقة الموحدة ومعاناة المواطن الموصلي

تحت عنوان

صناعة الأزمات

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية… منذ أن خلق الله الإنسان، كان هو الغاية والوسيلة، وهو المعيار الذي تُقاس به عدالة الأرض ورحمتها. غير أنّ الزمان قلب المفاهيم، وصار شعار “الصراع من أجل البقاء” غطاءً لكثير من الممارسات التي تسقط فيها قيمة الإنسان من حسابات البشر. وعندما يختفي الإنسان من معادلة الغاية، يتحول إلى مجرد رقم في رزنامة مادية باردة، يتلاعب بها من يشاء... وهذا بالضبط ما يعانيه المواطن الموصلي اليوم، ومعه العراقي عامة، في مشهد يتجسّد بوضوح في عملية إصدار البطاقة الوطنية الموحدة.

 

صور من الواقع… مشاهد لا تليق ببلد يحلم بالنهوض: طوابير لا تنتهي، تنظيم عشوائي، وفوضى تُهين صبر المواطن وكرامته. ذهبتُ لإصدار البطاقة دون اللجوء إلى "الواسطة" على أمل أن أجد الأمر منظمًا وسلسًا، خصوصًا مع حاجتي إلى (الاستثناء) بسبب وضعي الصحي.

لكنّ المفاجأة كانت عندما وقفتُ أمام الضابط المسؤول، فإذا به يسألني ببرود: "هل تملك تقريرًا طبيًا؟" رغم أن وضعي الصحي ظاهر لا يحتاج إلى ورقة تثبته. طلبه لم يكن إلا تعقيدًا مقصودًا.

وما زاد القهر في نفسي مشهد امرأة على كرسي متحرك، يتوسل ابنها للضابط أن يوقع أوراقها، فيجيبه الضابط: "هل تشكو من شيء أنت؟" وحين قال الشاب لا، فأجاب اذا قف أنت في طابور الانتظار!

أسأل نفسي: على أي منطق يستند هؤلاء؟ أين الشعارات الرنانة التي يرددها المسؤولون ليل نهار عن الإنسانية وحقوق الناس؟ أين الكتب التي يتفاخرون بدراستها والتي تزعم أن الإنسان فوق القانون؟ الواقع يقول إن كل ذلك مجرد كلام لا يمت لما يُمارس على الأرض بصلة.

 

صناعة الأزمات… الأزمات التي تتوالى كل يوم ليست قدرًا نزل من السماء، بل هي صناعة متقنة لأنظمة تعاني من فشل سياسي مزمن وتتغذى على الاستبداد، فتحاول إلهاء الرأي العام بسلسلة ملفتة من المشكلات والصدمات.

تفتح منافذ جديدة؟

يحتفلون بمحاربة الزخم؟

كل ذلك لا يعدو كونه “ذرّ الرماد في العيون”. فالخدمة المهترئة تبقى كما هي، والإذلال يبقى كما هو... والأسوأ من ذلك أن التعامل مع المواطن يجري بمنطق “الجميع متهم حتى يثبت العكس”، في ظل صمت حكومي ومحلي مخجل، وكأن كرامة الناس ثمن بسيط يدفع لإرضاء السلطة المركزية.

 

معايير لتصحيح المسار… أول الخطوات إصلاحًا هو التوقف عن “الهنبلة” – هذا التضخيم الذي لا يُنتج دولة ولا نظامًا يحترم مواطنيه. فمن المعيب أن تُطلب من المواطن فاتورة تُدفع من كرامته، بينما يُفترض أن الدولة هي الكيان الذي يصون تلك الكرامة.

وللتذكير: هناك أنظمة مماثلة لبطاقة المواطن تُنجز خلال دقائق معدودة، مثل بطاقة الناخب، لأنها ببساطة تخدم المصالح السياسية. وهذا وحده كافٍ لفضح ازدواجية المعايير التي تثير القرف في أصل المشكلة.

إذا كانت هناك رغبة حقيقية في الإصلاح، فلتكن البداية بالعدالة في التعامل، وبالكف عن التشكيك والتخوين، فليس من الحكمة أن يرمي أصحاب البيوت الزجاجية الناس بالحجارة.

 

الخلاصة… إن ما يجري داخل دوائر إصدار البطاقة الموحدة يُختصر بكلمتين: تحامل وتخاذل.... تحامل في الأسلوب، وتخاذل في الأداء.

ابتزاز رسمي غير معلن يجبر المواطن على إصدار البطاقة عبر منع أي معاملة دونها، وسط ازدحام خانق يفتح الباب واسعًا أمام الرشوة والمحسوبية.... والمفارقة أن الجهات المعنية ترفع شعار “محاربة الفساد” بينما هي في الحقيقة الراعي الأكبر له عبر قرارات مرتجلة وشخصيات لا تمتلك أدنى خبرة في إدارة شؤون الناس.

وهكذا يُدار بلد كامل بعقلية شخصية “غوار طوشة”: حارة كلمن إيدو إلو.

الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

مقال

 

وزارة التربية ومديرياتها

تحت عنوان

بناء الإنسان أهم من بناء العمران

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هذه ليست رؤية نقدية بقدر ما هي قراءة واقعية لما نرى ونسمع كل يوم. فكل شيء اليوم في قطاعات التربية يشير إلى هدف واحد، وهناك خطط مدروسة تعمل عليها شخصيات وجماعات تنتمي إلى تلك المؤسسات التربوية، وهي الدفع باتجاه ما يُعرف بتخصيص التعليم. والحق أن ما دفعني لكتابة هذا الموضوع هو بعض الصور والفيديوهات التي نُشرت على أنها متابعة للعمل التربوي، ولكن الحقيقة أن الملفت في الأمر كان الطقم والربطة الأنيقة التي تخدم الهدف من الخبر، وهو الاستعراض الإعلامي، وكأن الأمر أشبه بعرض مسرحيّ بدائي ضمن نشاط لمدرسة ابتدائية.

 

أصل القضية… والسؤال الأهم في الموضوع: لماذا سُمّيت هذه المؤسسة بهذا الاسم؟ ما لا يعلمه الكثيرون هو أن التسمية ليست من باب الصدفة، بل هي تأكيد على أن هذه المرحلة التي يتعامل معها القائمون على التربية هي مرحلة لبناء الإنسان أكثر من بناء أي شيء آخر. لكننا اليوم نرى عزوفًا مقصودًا أو غير مقصود عن هذه القضية، ضمن عملية “تدنير الحياة”، وهو المصطلح الذي يجعل من الدينار الوسيلة والغاية لكل من ينضم إلى هذه المؤسسات التربوية.

أما البرامج التربوية، فجميعها تحت عنوان: «احفظ تنجح»، وما دون ذلك غير مهم. وهذا لا يعني أنه لا يوجد من يؤمن بالعملية التربوية، ولكنهم – ومع الأسف لسوء التعبير – أشبه بالمثل الشعبي: "ضرطة بسوك الصافير"؛ لا وقع لها وسط ضجيج الفوضى التي تعجّ بها تلك المديريات.

قبل أيام، كنت أتابع تقريرًا عن التعليم وآلياته في العالم. ولن أضرب مثلاً بالتعليم في السويد أو النرويج أو اليابان بسبب الفارق الزمني والمعرفي بيننا وبينهم، ولكن يمكن النظر إلى دول العالم الثالث من دول الجوار. فوجدتُ أمرًا غير موجود في تاريخ وزارة التربية لدينا، وهو آليات التخطيط التربوي. وهذه لا تأتي إلا من خلال رؤية حقيقية لدراسة الواقع التربوي – إن وُجد. ولكن عندما تطلع على المناهج في البلدان المجاورة ترى أننا ماضون في طريق مغاير لما يجب أن يكون اللبنة الأولى لبناء الطالب ليصبح لاحقًا مواطنًا سويًا.

ولهذا ترى أن كل القرارات الصادرة اليوم تعمل على تهميش دور المربي؛ المعلم أو المدرس أو الأستاذ الجامعي، حتى وصل الأمر إلى أن التلميذ أو الطالب أدرك يقينًا أنه لن يرسب حتى لو كان – مجازًا – "حمارًا" أعزّكم الله. وهنا تكمن أصل الكارثة؛ فبهذه المعايير لن تكون هناك منافسة علمية، ولا تفوّق حقيقي، ولا علم من الأصل.

 

التعليم الأهلي … هو مرض السرطان في جسد العلم والتعليم. والغريب أن أغلب القرارات الوزارية والحكومية اليوم تصبّ في مصلحة هذا المرض، عبر إهمال متابعة آليات التعليم الحكومي. ولو أمعنت النظر، لرأيت أن المؤسسات الأهلية بدأت تأخذ الدور الحكومي في تبنّي بعض المناهج التثقيفية، في إشارة إلى تفوّقها على التعليم الحكومي. وأصبحت المناهج التربوية الحكومية قائمة على القضايا الاستعراضية، ولهذا أصبح هناك رأي عام يتجه نحو تبنّي معطيات "مرض السرطان" في التعليم.

 

الحل… وكما هي العادة عند طرح موضوع معين، تُعرض الإشكاليات وتُشار إلى ما قد يخدم المسيرة العلمية. والبداية تكون من المصارحة لدى القائمين على هذه المؤسسات: أن هناك فشلًا مطبقًا طالما أن هناك تبنّيًا لأجندات حزبية وطائفية. وإذا وجد من يقرأ ويفهم المغزى مما كُتب هنا، فعليه اعتماد مفهوم: "أنت مؤتمن". وهذا يفرض على القائمين أن ينتهجوا ما يرضي الله والمجتمع، فالأيام والحكومات تزول، لكن التاريخ لا ينسى ما فعله التافهون في تلك الأمانات.

وإذا كان أحدهم لا يعير أهمية للمجتمع وتاريخه، فليتذكّر أن الله أيضًا سيذكره في يوم لا ريب فيه. واتخاذ قرار شخصي ببناء الدوائر التربوية والابتعاد عن منهجية: "إن الرزاق هو الدولة" بعدما كان الرزاق هو الله، هو الخطوة الأولى لإعادة الأمور إلى نصابها من خلال

 

هو إعادة الاعتبار للمربي ... لأن العملية التربوية لا تُبنى بالطقم والربطة الأنيقة، بل تُبنى بشخص يمتلك رسالة، ويعرف أن الكلمة التي يقولها للتلميذ قد تغيّر مصيرًا كاملًا. ولهذا فإن تطوير قدرات المعلم والمدرس، وتعزيز مكانتهم، هو حجر الأساس. فالمربي ليس موظفًا، بل هو صانع مجتمع، وإذا تمت إهانته أو تهميشه فلن تقوم للتربية قائمة.

إعادة تعريف الهدف التربوي نفسه ... فالنظام القائم على فلسفة (احفظ تنجح) قد خرّب جيلاً كاملًا، وجعل من المدرسة مكانًا لتكرار الكلمات دون فهم. المطلوب اليوم أن يعود التلميذ إلى التفكير، والسؤال، والتحليل، بدل التحوّل إلى آلة حفظ تُمرّر الامتحان ثم تنسى. التربية ليست امتحانًا، بل هي بناء عقل وخلق وسلوك.

ترسيخ روح المواطنة والوعي الاجتماعي ... وليس المقصود بالشعارات الموسمية التي تُرفع مرة في العام، بل برامج واقعية تُشرك التلميذ في خدمة مجتمعه، وتُعرّفه على قضاياه، وتجعله يشعر بأن له مكانًا ودورًا. فالأوطان تبنى في المدرسة أولًا، وما يرسّخ في ذهن التلميذ وهو صغير سيبقى معه طوال حياته.

بناء العقل النقدي ... التلميذ الذي يخاف من طرح السؤال لن يكون يومًا قادرًا على الإبداع. المطلوب اليوم أساليب تربوية تفاعلية، نقاشات، مجموعات عمل، دروس في التفكير، لا حصصًا طويلة مليئة بالحشو. فالعقل الذي لا يُسمح له بالحركة يموت، وهكذا مات جزء كبير من عقول أبنائنا.

البيئة المدرسية ... بيئة يسودها الاحترام المتبادل، لا الخوف ولا التسلط. بيئة يشعر فيها التلميذ بالأمان النفسي. فالمعلم الذي يزرع الخوف لا يبني تربوية، والمدرسة التي تفتقد الأب الروحي والأم التربوية ليست سوى بناية من الإسمنت لا قيمة لها.

ربط التربية بالحياة اليومية ... أن يتعلّم التلميذ كيف يتعامل مع وقته، مع المال، مع الاختلاف، مع الصحة النفسية، مع مشكلات مجتمعه. التربية التي لا تساير الحياة لن تخرّج إلا جيلاً غير قادر على مواجهة الحياة.

الحد من الاستعراض الإعلامي ... فقد أصبحنا نرى في كل يوم زيارة تصويرية أو لقاء استعراضي بلا أي أثر في الميدان. المطلوب اليوم هو القياس الحقيقي للإنجاز: ماذا تغيّر؟ ماذا تعلّم التلميذ؟ ماذا اكتسب من قيم؟ وليس كم صورة نُشرت على صفحة المديرية.

بناء منهج تربوي معاصر ... مناهج تزرع القيم داخل الدروس، لا على الهامش. مناهج تُعيد تشكيل وعي التلميذ بدل أن تكرّر ما عفا عليه الزمن. ومن دون مناهج متوازنة لن يكون هناك تلميذ متوازن.

دعم التعليم الحكومي ... فلا يمكن لتربية حقيقية أن تقوم على مؤسسات أهلية تتضخم كل يوم، بينما المدارس الحكومية تضعف. التعليم الحكومي هو عماد بناء الوعي، وإذا سقط، سقط معه المجتمع كله.

 إحياء مفهوم الأمانة التربوية. أن يعلم كل من يعمل في هذه المؤسسات أنه مؤتمن على جيل كامل، وأن التاريخ لا ينسى، وأن الله لا ينسى، وأن العبث بالتربية جريمة تُدفع كلفتها بعد عشرات السنين حين يخرج لنا جيل بلا قيم ولا معرفة.

 

الخلاصة… أقترح على وزارة التربية والتعليم تغيير اسمها إلى وزارة التدريس، وبهذا قد تكسب الوزارة مصداقيتها في ما تقدّمه من خدمات؛ إذ لم يعد هناك أي من المعايير التربوية التي تعزز البناء التوعوي للمجتمع، ولم يعد هناك ما يغذي روح التنافس العلمي. وكل ما سبق يدفعني إلى هذا الاقتراح، فقد وصلت المسيرة التربوية اليوم إلى مفهوم المثل الشعبي القائل: "لا حصلت برجيلها ولا أخذت السيد علي" والمثل هنا يضرب ويُقاس.

مقال فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

  عمليات تتفيه العقل الجمعي تحت عنوان فضيحة جزيرة إبستين ( Little Saint James ) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين   في صباح ه...