جملة مواضيع خطيرة في عمل سينمائي
تحت عنوان
قراءة لما وراء المضمون من فيلم (Dune)
بقلم البارون الأخير /
محمود صلاح الدين
إنَّ أسوأ أنواع السموم هي تلك التي تُمرَّر من نافذة
المتعة، وهذا ما دفعني للكتابة عن هذا العمل السينمائي، لما يحمله من قضايا دسٍّ
وتضليل فكري خطيرة.
فللوهلة الأولى، قد يظن المشاهد أن Dune ينتمي إلى الخيال العلمي من نمط “أوبرا
الفضاء”، وأنه عمل ترفيهي بحت مكوَّن من جزأين، لكن ما يكمن خلف تلك المشاهد
الباذخة يثير القلق والرعب؛ إذ تُطرَح أفكار عميقة ومقلقة، بصورة مباشرة وغير
مباشرة.
ولكي تكتمل الصورة، لا بد من التعريف بالعمل:
الفيلم من إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2021،
مقتبس عن رواية الكاتب فرانك هربرت، ومن إنتاج وإخراج دينيس فيلنوف. وفي ظاهره،
يقدّم العمل صراعًا سياسيًا على السلطة، غير أن هذا الصراع يخفي خلفه طبقات رمزية
ودينية وفكرية بالغة الخطورة.
الديانة الإبراهيمية ... جمع العمل بين عدد من الأديان السماوية من خلال الترميز
والإشارات والتلميح، وهو ما يكشف بوضوح الغاية من مخاطبة العقل الباطن للمشاهد،
وتهيئته لتقبّل فكرة الأمر الواقع الذي يُراد فرضه على الجميع في المستقبل القريب.
ولا يقف النص عند هذا الحد، بل يقدّم سلسلة من التفاصيل
التي تصب في الاتجاه ذاته.
فكرة المهدي المنتظر ... يركّز العمل على فكرة أن القدسية لا تأتي من النَسَب
والدم، وأن المعجزات والقدرات الخارقة ليست سوى صنيعة الحاجة والظرف.
وقد أُطلقت على هذه الشخصية تسميات متعددة، مثل: لسان الغيب،
المخلّص، والمسيح المنتظر، في محاولة واضحة لخلق نموذج جامع يتجاوز الأديان
التقليدية.
الرموز المستخدمة ... لم يتوقف صُنّاع العمل عند هذا الحد، بل نقلوا الحدث
لخدمة فكرة توحيد الفكر الديني للأديان السماوية، من خلال دمج الرموز وصناعة خليط
ديني قابل للتقبّل، والخروج عن المسار الإلهي التقليدي، تمهيدًا لصناعة فكر جديد
تُوحَّد من خلاله الرؤى والعقائد، بانتظار القادم من الغيب.
الرموز اليهودية ... يبرز في العمل ما يُعرف بـ النص المؤجَّل، في إشارة إلى
اعتماد اليهود على نصوص مستقبلية، بما يعزّز فكرة أن الخلاص غير مرتبط بزمن محدد.
كما يشير الفيلم إلى أن السلطة الحقيقية تكمن في الصبر
الطويل، وأن هذا الصبر هو ما سيبني السلطة ويعيد إنتاج فكرة الإرث العظيم، وهي
فكرة يهودية خالصة في جوهرها.
الرموز الإسلامية ... في المقابل، استُخدم مبدأ التعبئة والتحريض، ولا سيما
مفهوم الجهاد بوصفه وسيلة لتحقيق النصر.
وقد برع العمل في تقديم هذه الفكرة بصورة مؤثرة، تجعلها
قابلة للتوظيف الجماهيري ضمن السياق السردي للفيلم.
الرموز المسيحية ... تجلّت شخصية المخلّص بشكل واضح، بوصفها رمزًا أو تلميحًا
للديانة التي يُراد لها أن تكون نقطة التقاء الأطراف المتناحرة، من خلال التركيز
المستمر على هذه الشخصية في مجريات الأحداث.
الأبعاد الرمزية .... على مستوى الهوية، يربط العمل بين: فكرة الأمة العقائدية في الإسلام وفكرة الشعب السلالي في اليهودية ليصل إلى نتيجة مفادها أن:
الدم وقدسيته يوازي الإيمان في السياق الإسلامي داخل
العمل وأن الثورة تصنع
الإمبراطورية عند المسلمين بينما
يُقدَّم الانتظار بوصفه سبيل الهيمنة في الفكر اليهودي
الدين بوصفه أداة سلطة لا منظومة قيم ... ما يثير القلق الحقيقي في فيلم Dune ليس وفرة الرموز الدينية بحد ذاتها، بل
الطريقة التي يُعاد من خلالها تفريغ الدين من مضمونه الأخلاقي، وتحويله إلى أداة
طيّعة بيد السلطة.
فالعمل لا يتعامل مع الدين كمنظومة قيمية تُهذّب السلوك
الإنساني، بل كـ خطاب تعبوي قابل لإعادة التشكيل وفق مقتضيات الصراع السياسي.
إن أخطر ما يطرحه الفيلم هو الإيحاء بأن الإيمان، حين
يُفصل عن الأخلاق، يمكن إعادة برمجته ليخدم مشاريع الهيمنة، وأن النبوءة ليست
بالضرورة وحيًا إلهيًا، بل قد تكون مشروعًا طويل الأمد لإدارة الجماهير.
وهنا يتحوّل “المخلّص” من رمز للنجاة إلى أداة لإنتاج
العنف المقدّس، وتصبح الجماهير وقودًا لحروب تُدار باسم السماء بينما تُحسم على
الأرض.
كما يوحي العمل بأن توحيد الأديان لا يتم عبر القيم
المشتركة، بل عبر تفريغها من خصوصيتها، وصهرها في خطاب واحد يُسهِّل السيطرة على
الوعي الجمعي. وبهذا المعنى، لا يُبشّر الفيلم بعالم متصالح، بل يُنذر بعالم تُدار
فيه العقائد كما تُدار الإمبراطوريات.
إن الرسالة الأخطر التي يمرّرها Dune هي أن الإنسان، حين يُسلِّم عقله بالكامل
لفكرة الخلاص المؤجَّل أو القائد الموعود، يتنازل طوعًا عن حريته، ويمنح الشرعية
لولادة طغيان جديد، أكثر قسوة لأنه مغطّى بقداسة زائفة.
الخلاصة ... في المحصّلة، لا يمكن التعامل مع فيلم Dune بوصفه عملًا سينمائيًا عابرًا أو خيالًا
مستقبليًا بريئًا؛ فهو نصّ بصري محمَّل بدلالات فكرية ودينية وسياسية، يُعيد إنتاج
الأسطورة القديمة بصيغة حديثة، ويضع الإنسان أمام أخطر معادلة عرفها التاريخ:
الدين حين يتحالف مع السلطة.
إن خطورة هذا العمل لا تكمن فيما يقوله صراحة، بل فيما
يزرعه بهدوء داخل وعي المتلقي؛ حيث تتحوّل النبوءة إلى مشروع، والإيمان إلى أداة،
والمخلّص إلى ضرورة تاريخية لا يجوز الاعتراض عليها. وبهذا، لا يعود السؤال: من هو
المنقذ؟ بل: من المستفيد من فكرة الخلاص؟
يُقدّم Dune نموذجًا
لعالم تُدار فيه العقائد كما تُدار الإمبراطوريات، ويُعاد فيه تشكيل الوعي الجمعي
عبر المتعة البصرية والرمز الديني، ليصبح القبول بالطغيان فعلًا طوعيًا، لا نتيجة
قسر مباشر.
ومن هنا، فإن أخطر ما يطرحه الفيلم هو تطبيع فكرة أن
الاستبداد قد يأتي مغطّى بالإيمان، وأن الهيمنة قد تُمارَس باسم الخلاص.
إن قراءة هذا العمل بوعي نقدي ليست ترفًا ثقافيًا، بل
ضرورة فكرية؛ لأن التاريخ علّمنا أن أكثر المشاريع دموية هي تلك التي بدأت بوعدٍ
مقدّس.فيلم (Dune)
بقلم البارون الأخير /
محمود صلاح الدين
إنَّ أسوأ أنواع السموم هي تلك التي تُمرَّر من نافذة
المتعة، وهذا ما دفعني للكتابة عن هذا العمل السينمائي، لما يحمله من قضايا دسٍّ
وتضليل فكري خطيرة.
فللوهلة الأولى، قد يظن المشاهد أن Dune ينتمي إلى الخيال العلمي من نمط “أوبرا
الفضاء”، وأنه عمل ترفيهي بحت مكوَّن من جزأين، لكن ما يكمن خلف تلك المشاهد
الباذخة يثير القلق والرعب؛ إذ تُطرَح أفكار عميقة ومقلقة، بصورة مباشرة وغير
مباشرة.
ولكي تكتمل الصورة، لا بد من التعريف بالعمل:
الفيلم من إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2021،
مقتبس عن رواية الكاتب فرانك هربرت، ومن إنتاج وإخراج دينيس فيلنوف. وفي ظاهره،
يقدّم العمل صراعًا سياسيًا على السلطة، غير أن هذا الصراع يخفي خلفه طبقات رمزية
ودينية وفكرية بالغة الخطورة.
الديانة الإبراهيمية ... جمع العمل بين عدد من الأديان السماوية من خلال الترميز
والإشارات والتلميح، وهو ما يكشف بوضوح الغاية من مخاطبة العقل الباطن للمشاهد،
وتهيئته لتقبّل فكرة الأمر الواقع الذي يُراد فرضه على الجميع في المستقبل القريب.
ولا يقف النص عند هذا الحد، بل يقدّم سلسلة من التفاصيل
التي تصب في الاتجاه ذاته.
فكرة المهدي المنتظر ... يركّز العمل على فكرة أن القدسية لا تأتي من النَسَب
والدم، وأن المعجزات والقدرات الخارقة ليست سوى صنيعة الحاجة والظرف.
وقد أُطلقت على هذه الشخصية تسميات متعددة، مثل: لسان الغيب،
المخلّص، والمسيح المنتظر، في محاولة واضحة لخلق نموذج جامع يتجاوز الأديان
التقليدية.
الرموز المستخدمة ... لم يتوقف صُنّاع العمل عند هذا الحد، بل نقلوا الحدث
لخدمة فكرة توحيد الفكر الديني للأديان السماوية، من خلال دمج الرموز وصناعة خليط
ديني قابل للتقبّل، والخروج عن المسار الإلهي التقليدي، تمهيدًا لصناعة فكر جديد
تُوحَّد من خلاله الرؤى والعقائد، بانتظار القادم من الغيب.
الرموز اليهودية ... يبرز في العمل ما يُعرف بـ النص المؤجَّل، في إشارة إلى
اعتماد اليهود على نصوص مستقبلية، بما يعزّز فكرة أن الخلاص غير مرتبط بزمن محدد.
كما يشير الفيلم إلى أن السلطة الحقيقية تكمن في الصبر
الطويل، وأن هذا الصبر هو ما سيبني السلطة ويعيد إنتاج فكرة الإرث العظيم، وهي
فكرة يهودية خالصة في جوهرها.
الرموز الإسلامية ... في المقابل، استُخدم مبدأ التعبئة والتحريض، ولا سيما
مفهوم الجهاد بوصفه وسيلة لتحقيق النصر.
وقد برع العمل في تقديم هذه الفكرة بصورة مؤثرة، تجعلها
قابلة للتوظيف الجماهيري ضمن السياق السردي للفيلم.
الرموز المسيحية ... تجلّت شخصية المخلّص بشكل واضح، بوصفها رمزًا أو تلميحًا
للديانة التي يُراد لها أن تكون نقطة التقاء الأطراف المتناحرة، من خلال التركيز
المستمر على هذه الشخصية في مجريات الأحداث.
الأبعاد الرمزية .... على مستوى الهوية، يربط العمل بين: فكرة الأمة العقائدية في الإسلام وفكرة الشعب السلالي في اليهودية ليصل إلى نتيجة مفادها أن:
الدم وقدسيته يوازي الإيمان في السياق الإسلامي داخل
العمل وأن الثورة تصنع
الإمبراطورية عند المسلمين بينما
يُقدَّم الانتظار بوصفه سبيل الهيمنة في الفكر اليهودي
الدين بوصفه أداة سلطة لا منظومة قيم ... ما يثير القلق الحقيقي في فيلم Dune ليس وفرة الرموز الدينية بحد ذاتها، بل
الطريقة التي يُعاد من خلالها تفريغ الدين من مضمونه الأخلاقي، وتحويله إلى أداة
طيّعة بيد السلطة.
فالعمل لا يتعامل مع الدين كمنظومة قيمية تُهذّب السلوك
الإنساني، بل كـ خطاب تعبوي قابل لإعادة التشكيل وفق مقتضيات الصراع السياسي.
إن أخطر ما يطرحه الفيلم هو الإيحاء بأن الإيمان، حين
يُفصل عن الأخلاق، يمكن إعادة برمجته ليخدم مشاريع الهيمنة، وأن النبوءة ليست
بالضرورة وحيًا إلهيًا، بل قد تكون مشروعًا طويل الأمد لإدارة الجماهير.
وهنا يتحوّل “المخلّص” من رمز للنجاة إلى أداة لإنتاج
العنف المقدّس، وتصبح الجماهير وقودًا لحروب تُدار باسم السماء بينما تُحسم على
الأرض.
كما يوحي العمل بأن توحيد الأديان لا يتم عبر القيم
المشتركة، بل عبر تفريغها من خصوصيتها، وصهرها في خطاب واحد يُسهِّل السيطرة على
الوعي الجمعي. وبهذا المعنى، لا يُبشّر الفيلم بعالم متصالح، بل يُنذر بعالم تُدار
فيه العقائد كما تُدار الإمبراطوريات.
إن الرسالة الأخطر التي يمرّرها Dune هي أن الإنسان، حين يُسلِّم عقله بالكامل
لفكرة الخلاص المؤجَّل أو القائد الموعود، يتنازل طوعًا عن حريته، ويمنح الشرعية
لولادة طغيان جديد، أكثر قسوة لأنه مغطّى بقداسة زائفة.
الخلاصة ... في المحصّلة، لا يمكن التعامل مع فيلم Dune بوصفه عملًا سينمائيًا عابرًا أو خيالًا
مستقبليًا بريئًا؛ فهو نصّ بصري محمَّل بدلالات فكرية ودينية وسياسية، يُعيد إنتاج
الأسطورة القديمة بصيغة حديثة، ويضع الإنسان أمام أخطر معادلة عرفها التاريخ:
الدين حين يتحالف مع السلطة.
إن خطورة هذا العمل لا تكمن فيما يقوله صراحة، بل فيما
يزرعه بهدوء داخل وعي المتلقي؛ حيث تتحوّل النبوءة إلى مشروع، والإيمان إلى أداة،
والمخلّص إلى ضرورة تاريخية لا يجوز الاعتراض عليها. وبهذا، لا يعود السؤال: من هو
المنقذ؟ بل: من المستفيد من فكرة الخلاص؟
يُقدّم Dune نموذجًا
لعالم تُدار فيه العقائد كما تُدار الإمبراطوريات، ويُعاد فيه تشكيل الوعي الجمعي
عبر المتعة البصرية والرمز الديني، ليصبح القبول بالطغيان فعلًا طوعيًا، لا نتيجة
قسر مباشر.
ومن هنا، فإن أخطر ما يطرحه الفيلم هو تطبيع فكرة أن
الاستبداد قد يأتي مغطّى بالإيمان، وأن الهيمنة قد تُمارَس باسم الخلاص.
إن قراءة هذا العمل بوعي نقدي ليست ترفًا ثقافيًا، بل
ضرورة فكرية؛ لأن التاريخ علّمنا أن أكثر المشاريع دموية هي تلك التي بدأت بوعدٍ
مقدّس. فيلم (Dune)