بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

مقال

 

وزارة التربية ومديرياتها

تحت عنوان

بناء الإنسان أهم من بناء العمران

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هذه ليست رؤية نقدية بقدر ما هي قراءة واقعية لما نرى ونسمع كل يوم. فكل شيء اليوم في قطاعات التربية يشير إلى هدف واحد، وهناك خطط مدروسة تعمل عليها شخصيات وجماعات تنتمي إلى تلك المؤسسات التربوية، وهي الدفع باتجاه ما يُعرف بتخصيص التعليم. والحق أن ما دفعني لكتابة هذا الموضوع هو بعض الصور والفيديوهات التي نُشرت على أنها متابعة للعمل التربوي، ولكن الحقيقة أن الملفت في الأمر كان الطقم والربطة الأنيقة التي تخدم الهدف من الخبر، وهو الاستعراض الإعلامي، وكأن الأمر أشبه بعرض مسرحيّ بدائي ضمن نشاط لمدرسة ابتدائية.

 

أصل القضية… والسؤال الأهم في الموضوع: لماذا سُمّيت هذه المؤسسة بهذا الاسم؟ ما لا يعلمه الكثيرون هو أن التسمية ليست من باب الصدفة، بل هي تأكيد على أن هذه المرحلة التي يتعامل معها القائمون على التربية هي مرحلة لبناء الإنسان أكثر من بناء أي شيء آخر. لكننا اليوم نرى عزوفًا مقصودًا أو غير مقصود عن هذه القضية، ضمن عملية “تدنير الحياة”، وهو المصطلح الذي يجعل من الدينار الوسيلة والغاية لكل من ينضم إلى هذه المؤسسات التربوية.

أما البرامج التربوية، فجميعها تحت عنوان: «احفظ تنجح»، وما دون ذلك غير مهم. وهذا لا يعني أنه لا يوجد من يؤمن بالعملية التربوية، ولكنهم – ومع الأسف لسوء التعبير – أشبه بالمثل الشعبي: "ضرطة بسوك الصافير"؛ لا وقع لها وسط ضجيج الفوضى التي تعجّ بها تلك المديريات.

قبل أيام، كنت أتابع تقريرًا عن التعليم وآلياته في العالم. ولن أضرب مثلاً بالتعليم في السويد أو النرويج أو اليابان بسبب الفارق الزمني والمعرفي بيننا وبينهم، ولكن يمكن النظر إلى دول العالم الثالث من دول الجوار. فوجدتُ أمرًا غير موجود في تاريخ وزارة التربية لدينا، وهو آليات التخطيط التربوي. وهذه لا تأتي إلا من خلال رؤية حقيقية لدراسة الواقع التربوي – إن وُجد. ولكن عندما تطلع على المناهج في البلدان المجاورة ترى أننا ماضون في طريق مغاير لما يجب أن يكون اللبنة الأولى لبناء الطالب ليصبح لاحقًا مواطنًا سويًا.

ولهذا ترى أن كل القرارات الصادرة اليوم تعمل على تهميش دور المربي؛ المعلم أو المدرس أو الأستاذ الجامعي، حتى وصل الأمر إلى أن التلميذ أو الطالب أدرك يقينًا أنه لن يرسب حتى لو كان – مجازًا – "حمارًا" أعزّكم الله. وهنا تكمن أصل الكارثة؛ فبهذه المعايير لن تكون هناك منافسة علمية، ولا تفوّق حقيقي، ولا علم من الأصل.

 

التعليم الأهلي … هو مرض السرطان في جسد العلم والتعليم. والغريب أن أغلب القرارات الوزارية والحكومية اليوم تصبّ في مصلحة هذا المرض، عبر إهمال متابعة آليات التعليم الحكومي. ولو أمعنت النظر، لرأيت أن المؤسسات الأهلية بدأت تأخذ الدور الحكومي في تبنّي بعض المناهج التثقيفية، في إشارة إلى تفوّقها على التعليم الحكومي. وأصبحت المناهج التربوية الحكومية قائمة على القضايا الاستعراضية، ولهذا أصبح هناك رأي عام يتجه نحو تبنّي معطيات "مرض السرطان" في التعليم.

 

الحل… وكما هي العادة عند طرح موضوع معين، تُعرض الإشكاليات وتُشار إلى ما قد يخدم المسيرة العلمية. والبداية تكون من المصارحة لدى القائمين على هذه المؤسسات: أن هناك فشلًا مطبقًا طالما أن هناك تبنّيًا لأجندات حزبية وطائفية. وإذا وجد من يقرأ ويفهم المغزى مما كُتب هنا، فعليه اعتماد مفهوم: "أنت مؤتمن". وهذا يفرض على القائمين أن ينتهجوا ما يرضي الله والمجتمع، فالأيام والحكومات تزول، لكن التاريخ لا ينسى ما فعله التافهون في تلك الأمانات.

وإذا كان أحدهم لا يعير أهمية للمجتمع وتاريخه، فليتذكّر أن الله أيضًا سيذكره في يوم لا ريب فيه. واتخاذ قرار شخصي ببناء الدوائر التربوية والابتعاد عن منهجية: "إن الرزاق هو الدولة" بعدما كان الرزاق هو الله، هو الخطوة الأولى لإعادة الأمور إلى نصابها من خلال

 

هو إعادة الاعتبار للمربي ... لأن العملية التربوية لا تُبنى بالطقم والربطة الأنيقة، بل تُبنى بشخص يمتلك رسالة، ويعرف أن الكلمة التي يقولها للتلميذ قد تغيّر مصيرًا كاملًا. ولهذا فإن تطوير قدرات المعلم والمدرس، وتعزيز مكانتهم، هو حجر الأساس. فالمربي ليس موظفًا، بل هو صانع مجتمع، وإذا تمت إهانته أو تهميشه فلن تقوم للتربية قائمة.

إعادة تعريف الهدف التربوي نفسه ... فالنظام القائم على فلسفة (احفظ تنجح) قد خرّب جيلاً كاملًا، وجعل من المدرسة مكانًا لتكرار الكلمات دون فهم. المطلوب اليوم أن يعود التلميذ إلى التفكير، والسؤال، والتحليل، بدل التحوّل إلى آلة حفظ تُمرّر الامتحان ثم تنسى. التربية ليست امتحانًا، بل هي بناء عقل وخلق وسلوك.

ترسيخ روح المواطنة والوعي الاجتماعي ... وليس المقصود بالشعارات الموسمية التي تُرفع مرة في العام، بل برامج واقعية تُشرك التلميذ في خدمة مجتمعه، وتُعرّفه على قضاياه، وتجعله يشعر بأن له مكانًا ودورًا. فالأوطان تبنى في المدرسة أولًا، وما يرسّخ في ذهن التلميذ وهو صغير سيبقى معه طوال حياته.

بناء العقل النقدي ... التلميذ الذي يخاف من طرح السؤال لن يكون يومًا قادرًا على الإبداع. المطلوب اليوم أساليب تربوية تفاعلية، نقاشات، مجموعات عمل، دروس في التفكير، لا حصصًا طويلة مليئة بالحشو. فالعقل الذي لا يُسمح له بالحركة يموت، وهكذا مات جزء كبير من عقول أبنائنا.

البيئة المدرسية ... بيئة يسودها الاحترام المتبادل، لا الخوف ولا التسلط. بيئة يشعر فيها التلميذ بالأمان النفسي. فالمعلم الذي يزرع الخوف لا يبني تربوية، والمدرسة التي تفتقد الأب الروحي والأم التربوية ليست سوى بناية من الإسمنت لا قيمة لها.

ربط التربية بالحياة اليومية ... أن يتعلّم التلميذ كيف يتعامل مع وقته، مع المال، مع الاختلاف، مع الصحة النفسية، مع مشكلات مجتمعه. التربية التي لا تساير الحياة لن تخرّج إلا جيلاً غير قادر على مواجهة الحياة.

الحد من الاستعراض الإعلامي ... فقد أصبحنا نرى في كل يوم زيارة تصويرية أو لقاء استعراضي بلا أي أثر في الميدان. المطلوب اليوم هو القياس الحقيقي للإنجاز: ماذا تغيّر؟ ماذا تعلّم التلميذ؟ ماذا اكتسب من قيم؟ وليس كم صورة نُشرت على صفحة المديرية.

بناء منهج تربوي معاصر ... مناهج تزرع القيم داخل الدروس، لا على الهامش. مناهج تُعيد تشكيل وعي التلميذ بدل أن تكرّر ما عفا عليه الزمن. ومن دون مناهج متوازنة لن يكون هناك تلميذ متوازن.

دعم التعليم الحكومي ... فلا يمكن لتربية حقيقية أن تقوم على مؤسسات أهلية تتضخم كل يوم، بينما المدارس الحكومية تضعف. التعليم الحكومي هو عماد بناء الوعي، وإذا سقط، سقط معه المجتمع كله.

 إحياء مفهوم الأمانة التربوية. أن يعلم كل من يعمل في هذه المؤسسات أنه مؤتمن على جيل كامل، وأن التاريخ لا ينسى، وأن الله لا ينسى، وأن العبث بالتربية جريمة تُدفع كلفتها بعد عشرات السنين حين يخرج لنا جيل بلا قيم ولا معرفة.

 

الخلاصة… أقترح على وزارة التربية والتعليم تغيير اسمها إلى وزارة التدريس، وبهذا قد تكسب الوزارة مصداقيتها في ما تقدّمه من خدمات؛ إذ لم يعد هناك أي من المعايير التربوية التي تعزز البناء التوعوي للمجتمع، ولم يعد هناك ما يغذي روح التنافس العلمي. وكل ما سبق يدفعني إلى هذا الاقتراح، فقد وصلت المسيرة التربوية اليوم إلى مفهوم المثل الشعبي القائل: "لا حصلت برجيلها ولا أخذت السيد علي" والمثل هنا يضرب ويُقاس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...