بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 4 ديسمبر 2025

مقال

 

البطاقة الموحدة ومعاناة المواطن الموصلي

تحت عنوان

صناعة الأزمات

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية… منذ أن خلق الله الإنسان، كان هو الغاية والوسيلة، وهو المعيار الذي تُقاس به عدالة الأرض ورحمتها. غير أنّ الزمان قلب المفاهيم، وصار شعار “الصراع من أجل البقاء” غطاءً لكثير من الممارسات التي تسقط فيها قيمة الإنسان من حسابات البشر. وعندما يختفي الإنسان من معادلة الغاية، يتحول إلى مجرد رقم في رزنامة مادية باردة، يتلاعب بها من يشاء... وهذا بالضبط ما يعانيه المواطن الموصلي اليوم، ومعه العراقي عامة، في مشهد يتجسّد بوضوح في عملية إصدار البطاقة الوطنية الموحدة.

 

صور من الواقع… مشاهد لا تليق ببلد يحلم بالنهوض: طوابير لا تنتهي، تنظيم عشوائي، وفوضى تُهين صبر المواطن وكرامته. ذهبتُ لإصدار البطاقة دون اللجوء إلى "الواسطة" على أمل أن أجد الأمر منظمًا وسلسًا، خصوصًا مع حاجتي إلى (الاستثناء) بسبب وضعي الصحي.

لكنّ المفاجأة كانت عندما وقفتُ أمام الضابط المسؤول، فإذا به يسألني ببرود: "هل تملك تقريرًا طبيًا؟" رغم أن وضعي الصحي ظاهر لا يحتاج إلى ورقة تثبته. طلبه لم يكن إلا تعقيدًا مقصودًا.

وما زاد القهر في نفسي مشهد امرأة على كرسي متحرك، يتوسل ابنها للضابط أن يوقع أوراقها، فيجيبه الضابط: "هل تشكو من شيء أنت؟" وحين قال الشاب لا، فأجاب اذا قف أنت في طابور الانتظار!

أسأل نفسي: على أي منطق يستند هؤلاء؟ أين الشعارات الرنانة التي يرددها المسؤولون ليل نهار عن الإنسانية وحقوق الناس؟ أين الكتب التي يتفاخرون بدراستها والتي تزعم أن الإنسان فوق القانون؟ الواقع يقول إن كل ذلك مجرد كلام لا يمت لما يُمارس على الأرض بصلة.

 

صناعة الأزمات… الأزمات التي تتوالى كل يوم ليست قدرًا نزل من السماء، بل هي صناعة متقنة لأنظمة تعاني من فشل سياسي مزمن وتتغذى على الاستبداد، فتحاول إلهاء الرأي العام بسلسلة ملفتة من المشكلات والصدمات.

تفتح منافذ جديدة؟

يحتفلون بمحاربة الزخم؟

كل ذلك لا يعدو كونه “ذرّ الرماد في العيون”. فالخدمة المهترئة تبقى كما هي، والإذلال يبقى كما هو... والأسوأ من ذلك أن التعامل مع المواطن يجري بمنطق “الجميع متهم حتى يثبت العكس”، في ظل صمت حكومي ومحلي مخجل، وكأن كرامة الناس ثمن بسيط يدفع لإرضاء السلطة المركزية.

 

معايير لتصحيح المسار… أول الخطوات إصلاحًا هو التوقف عن “الهنبلة” – هذا التضخيم الذي لا يُنتج دولة ولا نظامًا يحترم مواطنيه. فمن المعيب أن تُطلب من المواطن فاتورة تُدفع من كرامته، بينما يُفترض أن الدولة هي الكيان الذي يصون تلك الكرامة.

وللتذكير: هناك أنظمة مماثلة لبطاقة المواطن تُنجز خلال دقائق معدودة، مثل بطاقة الناخب، لأنها ببساطة تخدم المصالح السياسية. وهذا وحده كافٍ لفضح ازدواجية المعايير التي تثير القرف في أصل المشكلة.

إذا كانت هناك رغبة حقيقية في الإصلاح، فلتكن البداية بالعدالة في التعامل، وبالكف عن التشكيك والتخوين، فليس من الحكمة أن يرمي أصحاب البيوت الزجاجية الناس بالحجارة.

 

الخلاصة… إن ما يجري داخل دوائر إصدار البطاقة الموحدة يُختصر بكلمتين: تحامل وتخاذل.... تحامل في الأسلوب، وتخاذل في الأداء.

ابتزاز رسمي غير معلن يجبر المواطن على إصدار البطاقة عبر منع أي معاملة دونها، وسط ازدحام خانق يفتح الباب واسعًا أمام الرشوة والمحسوبية.... والمفارقة أن الجهات المعنية ترفع شعار “محاربة الفساد” بينما هي في الحقيقة الراعي الأكبر له عبر قرارات مرتجلة وشخصيات لا تمتلك أدنى خبرة في إدارة شؤون الناس.

وهكذا يُدار بلد كامل بعقلية شخصية “غوار طوشة”: حارة كلمن إيدو إلو.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...